منصور رخشاني يكتب لـ(اليوم الثامن):

نظام الملالي في إيران: بقاء مؤقت لا قوة دائمة

مرّ أكثر من 46 عامًا على حكم نظام الجمهورية الإسلامية في إيران؛ وهو نظام بدا في محطات كثيرة وكأنه يقف على حافة السقوط، لكنه واصل البقاء مستندًا إلى أدوات القمع وصناعة الأزمات. غير أن هذا البقاء لا يعود إلى شرعية شعبية، ولا إلى كفاءة سياسية أو اقتصادية، بل إلى مزيج من القمع الدموي، والإعدامات، واحتكار القوة، وتصدير الإرهاب، واستخدام الثروة الوطنية في خدمة بقاء النظام، إضافة إلى سياسات المساومة التي انتهجتها بعض العواصم الغربية طوال العقود الماضية.

منذ الأيام الأولى لسلطته، أدرك نظام ولاية الفقيه أنه لا يستطيع الاستمرار من دون تصفية منظمة لمعارضيه واحتكار أدوات القوة العسكرية والاقتصادية. لذلك، فإن ما حال دون سقوطه حتى الآن لم يكن قوته الحقيقية، بل شبكة واسعة من العنف والخداع وصناعة الأزمات.

"القمع وسياسة حبل المشنقة"

اختار النظام، منذ الأشهر الأولى بعد الثورة، طريق الإعدامات الواسعة وقمع المعارضين والتصفية الجسدية للقوى السياسية. فقد استهدف آلاف المثقفين والنشطاء والطلاب والعمال والنساء المناضلات، وعلى وجه الخصوص أعضاء وأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

وبلغت هذه السياسة ذروتها في صيف عام 1988، حين أُعدم خلال فترة قصيرة نحو 30 ألف سجين سياسي، معظمهم من مجاهدي خلق، بأمر مباشر من خميني. لم تكن تلك المجزرة مجرد انتقام، بل محاولة لضرب العمود الفقري للبديل المنظم ومنع ظهور قوة داخلية قادرة على تحدي النظام.

واستمرت سياسة "حبل المشنقة" حتى اليوم. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت إيران تحت حكم الملالي من أكثر دول العالم تنفيذًا لعقوبة الإعدام. ومن خلال قمع الانتفاضات الشعبية، خصوصًا في أعوام 2009 و2017 و2019 و2022 وما بعدها، حاول النظام إبقاء المجتمع تحت وطأة الخوف والسجن والتعذيب.

"الحرس الثوري: دولة داخل الدولة"

أحد أعمدة بقاء النظام يتمثل في تسليم مفاصل الاقتصاد والأمن والقمع إلى الحرس الثوري. فهذا الجهاز لم يعد مجرد قوة عسكرية، بل تحول إلى دولة موازية، ومافيا اقتصادية، وذراع رئيسية لحماية النظام.

يسيطر الحرس الثوري على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، من النفط والغاز والبتروكيماويات إلى الموانئ والاتصالات والاستيراد والتصدير وشبكات التهريب. وقد خلق ذلك طبقة واسعة من القادة والمديرين والمنتفعين الذين ترتبط مصالحهم المالية والسياسية مباشرة ببقاء النظام. وبالنسبة إليهم، فإن أي تغيير جذري يعني فقدان الثروة والسلطة والحصانة.

"إنفاق على البقاء لا على الشعب"

على مدى العقود الماضية، أنفق النظام مليارات الدولارات من ثروات الشعب الإيراني على بناء القواعد الصاروخية والمنشآت السرية وبرنامجه النووي. والغاية من هذا الاستثمار لم تكن حماية الشعب، بل بناء أدوات ردع لحماية النظام نفسه.

في الوقت الذي يعاني فيه ملايين الإيرانيين الفقر والتضخم والبطالة ونقص الأدوية وأزمة السكن، خصصت السلطة جزءًا كبيرًا من موارد البلاد لمشاريع تخدم بقاءها المباشر. فالبرنامج النووي، والمدن الصاروخية، والشبكات العسكرية السرية، ليست في منطق النظام سوى أدوات لمنع السقوط وابتزاز المجتمع الدولي.

"تصدير الأزمة إلى الخارج"

من أجل حماية نفسه، نقل نظام ولاية الفقيه أزمته إلى المنطقة. فالإنفاق الضخم في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغزة، ودعم الشبكات المسلحة المرتبطة به، كان جزءًا من سياسة تقوم على خلق عمق استراتيجي يحمي السلطة ويمنحها أوراق ضغط ضد الغرب ودول المنطقة.

لقد كانت شبكة الميليشيات والوكلاء الإقليميين درعًا لبقاء النظام. وتحت شعارات مثل الدفاع عن فلسطين أو مواجهة الولايات المتحدة، استُنزفت موارد الشعب الإيراني في مشاريع لم تنتج سوى الفقر في الداخل وعدم الاستقرار في المنطقة.

"المساومة الغربية وتهميش البديل الديمقراطي"

من أهم العوامل التي ساعدت على بقاء النظام سياسة المساومة التي انتهجتها بعض القوى الغربية تجاه حكم الملالي. فالعقود التجارية، والتغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان، والصمت أمام الإعدامات، ومحاولات الحفاظ على اتفاقات مثل الاتفاق النووي أو إحيائها، كلها منحت النظام فرصًا متكررة لإعادة بناء نفسه.

وفي الوقت نفسه، لعبت حملات تشويه المقاومة الإيرانية دورًا مهمًا في الحد من وصول صوت البديل الديمقراطي إلى الرأي العام. فقد استخدم النظام أجهزته الدعائية والأمنية لتشويه صورة المقاومة المنظمة، وبث الانقسام والحرب النفسية داخل إيران وخارجها، وتحويل الغضب الشعبي إلى ارتباك سياسي بدل أن يتحول إلى قوة تغيير.

"بقاء هش لا مستقبل له"

لم يبقَ نظام الملالي قائمًا بسبب قوة سياسية أو اجتماعية حقيقية، بل بفضل حبل المشنقة، والقمع الوحشي، واحتكار الحرس الثوري للاقتصاد، والإرهاب، وإشعال الحروب، والمساومة الخارجية، وحملات تشويه المقاومة الشعبية. إنه في جوهره مافيا دينية ـ عسكرية بنت أدوات بقائها من مال ودم الشعب الإيراني، ودفعت المجتمع إلى الفقر والقمع واليأس المفروض.

لكن هذا البقاء مؤقت وهش. فالتاريخ يثبت أن أي دكتاتورية لا تستطيع أن تحكم إلى الأبد بالإعدام والتعذيب والرقابة والتجويع. وعندما يتلاقى الضغط الداخلي، المتمثل في الانتفاضات الشعبية ونشاط المقاومة المنظمة، مع ضغط دولي حازم يقطع مع سياسة المساومة، فإن أسس هذا النظام ستتصدع بسرعة.

الحل الحقيقي لا يكمن في حرب خارجية، ولا في التسوية مع النظام، بل في الاعتراف بحق الشعب الإيراني في المقاومة والتغيير الديمقراطي. ويقدّم المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إلى جانب خطة مريم رجوي ذات البنود العشرة، إطارًا واضحًا للانتقال من الدكتاتورية الدينية إلى جمهورية ديمقراطية علمانية قائمة على صوت الشعب.

يقف العالم اليوم أمام خيار تاريخي: إما مواصلة المساومة مع نظام خطير أشعل إيران والمنطقة، وإما دعم مقاومة شعبية تسعى إلى تغيير ديمقراطي. وكلما تأخر هذا الخيار، ارتفعت كلفته على الشعب الإيراني والمنطقة والمجتمع الدولي. أما مستقبل إيران، فلن يكون بيد الحرس الثوري ولا بيد أنصار المساومة، بل بيد الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.