عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

ولاية الفقيه في مأزق تاريخي: تآكل الداخل وتصعيد الخارج

تشير التطورات الميدانية الأخيرة في مضيق هرمز، وتصاعد حدة القمع الداخلي في إيران، إلى أن نظام ولاية الفقيه قد دخل مرحلة "الانسداد التاريخي". فبينما يحاول النظام استعراض عضلاته العسكرية عبر تهديد الملاحة الدولية، تعكس التقارير الواردة من داخل السجون الإيرانية، ولا سيما مرافعة الشهيد وحيد بني عامريان، حقيقة التآكل البنيوي لسلطة الملالي. إن إعدام مهندس شاب في 4 أبريل 2026 لم يكن مجرد إجراء عقابي، بل هو اعتراف صريح بالفشل في احتواء جيل يرفض مقايضة الحرية بالاستقرار الزائف.

ثالوث البقاء: النووي والصواريخ والميليشيات

يؤكد التحليل الرصين لسلوك طهران أن هذا النظام، الذي ينتمي فكرياً إلى العصور الوسطى، لا يمتلك أي مشروعية سياسية تتماشى مع تطلعات الشعب الإيراني الديمقراطية. لذا، اعتمدت استراتيجيته منذ عام 1979 على "مثلث البقاء": الأسلحة النووية، والصواريخ الباليستية، والميليشيات الإقليمية. إن إصرار النظام على إنتاج القنبلة الذرية ليس خياراً تقنياً، بل هو صمام أمان لمنع سقوطه الحتمي أمام "تسونامي" الغضب الشعبي. وأي تراجع عن هذه الركائز يعني تجريد النظام من سلاحه الوجودي، وهو ما يفسر تمسكه بالسياسات ذاتها رغم الضربات القاصمة التي تلقاها مؤخراً.

خلافة "الظل": نجل خامنئي وتكريس الدكتاتورية

جاء تنصيب نجل خامنئي في مفاصل السلطة ليقطع الشك باليقين؛ فالمؤسسة الدينية والعسكرية في إيران لا تملك القدرة على الإصلاح أو التغيير. إن الرهان على "الاعتدال" داخل منظومة ولاية الفقيه هو وهم استراتيجي أثبتت أحداث الـ 47  عاماً الماضية بطلانه. النظام يدرك أن أي انفتاح بسيط سيؤدي إلى انفجار المطالب الشعبية، لذا اختار الهروب إلى الأمام بتكريس "الخلافة الوراثية" والقمع المطلق، متغافلاً عن حقيقة ساطعة؛ وهي أن الشرعية المعنوية لـ "رأس السلطة" قد تبخرت بالفعل من وجدان الملايين، ولم يعد يربطهم بالنظام سوى جدار الخوف المتصدع.

مرافعة بني عامريان: صرخة هزت عرش "الأوتوقراطية الدينية"

تمثل مرافعة الشهيد وحيد بني عامريان، المسربة من زنازين سجن إيفين، وثيقة تاريخية تدين "فاشية الملالي". بني عامريان، المهندس الحاصل على الماجستير، لم يكن "مخرّباً" كما يزعم إعلام النظام، بل كان صوتاً واعياً لمأساة شعب. كلماته: "تباً لحياةٍ ثمنها التخلي عن المبادئ"، ورفضه لـ "الحياة الطبيعية" في ظل الفقر المدقع الذي يعيشه أطفال البلوش وعمال كرمانشاه، تمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للنظام. لقد كسر هذا الشاب حاجز الرعب، مؤكداً أن المشانق لم تعد أداة للترهيب، بل أصبحت منابر لإعلان الانتماء لـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

المظلة السياسية: مشروع مريم رجوي والبديل الديمقراطي

يرتعد النظام خوفاً من اسم مجاهدي خلق لأنها تمثل التنظيم الأكثر تماسكاً وقدرة على طرح بديل مؤسساتي. إن تمسك بني عامريان بـ خطة النقاط العشر للسيدة مريم رجوي، والتي تنص على إلغاء عقوبة الإعدام وفصل الدين عن الدولة، يضع المجتمع الدولي أمام الحقيقة الوحيدة: هناك معارضة منظمة تمتلك رؤية لـ جمهورية ديمقراطية حديثة. النظام يدرك أن مريم رجوي ليست مجرد قائدة معارضة، بل هي "الكابوس" الذي يهدد استمرارية الكهنوت السياسي في طهران، كونها تقود مقاومة تتسم بالتضحية الميدانية لا "الاستعراض الإلكتروني".

الخلاصة الاستراتيجية: السقوط الحتمي

إن إعدام وحيد بني عامريان ورفاقه الخمسة لن يوقف عجلة التاريخ. النظام الذي يقتل خيرة عقوله المهنية (مهندسين وأطباء) من أجل البقاء، هو نظام في طور "الاحتضار السياسي". الموقف العسكري في مضيق هرمز والتحرشات الإقليمية هي محاولات يائسة لتصدير الأزمة الداخلية. إن مرافعة وحيد كانت واضحة: "إذا كان ثمن البقاء هو التخلي عن اسم مجاهد خلق، فتباً لهذه الحياة". هذه الصلابة تعني أن جيل الانتفاضة قد تجاوز مرحلة الخوف، وأن سقوط نظام ولاية الفقيه ليس سوى مسألة وقت، حيث لن تجدي الصواريخ ولا المشانق نفعاً أمام شعب قرر استعادة وطنه.

من وصية الشهيد وحيد بني عامريان: "إننا نرفض الاتهامات التي وجهتموها إلينا... إن المحكمة التي تُعرف نتيجتها سلفاً لا تستحق الامتثال".