عمر الأنصاري يكتب:

من مالي إلى البحر الأحمر.. قوس النار يقترب من الاكتمال

لم تعد أزمة مالي شأناً محلياً يخص باماكو وحدها.

ما يجري هناك يبدو كحلقة جديدة في قوس اضطراب واسع، يبدأ من شمال مالي ووسطها، ويمر بدول الساحل، ويلامس ليبيا وتشاد والنيجر ونيجيريا والسودان، قبل أن ينحني شرقاً نحو القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

هذا القوس ليس خريطة نظرية، بل مجال مفتوح تتحرك فيه الجماعات المتطرفة كما تتحرك شبكات التهريب: القاعدة، داعش، بوكو حرام، الجماعات المؤدلجة في السودان، وحركة الشباب في الصومال.

تختلف الأسماء، لكن البيئة واحدة: دول ضعيفة، حدود سائبة، جيوش منهكة، ومجتمعات محاصرة بالفقر والخوف.

في مالي، كشفت الهجمات الأخيرة هشاشة السلطة العسكرية، وحدود الحماية الروسية، وعجز تحالف دول الساحل عن التحول من بيان سياسي إلى دفاع فعلي.

لكن الأخطر أن الفراغ المالي لا يبقى داخل مالي. كل ضعف في باماكو يفتح ممراً جديداً نحو النيجر وبوركينا فاسو وتشاد، ثم إلى خليج غينيا، حيث الموانئ والتجارة والطاقة والتهريب.

ولا يمكن تجاهل ليبيا في هذه المعادلة. فحدودها الواسعة مع تشاد والنيجر والسودان جعلتها منذ سنوات خزاناً خلفياً للسلاح والوقود والبشر والذهب، وبوابة مفتوحة بين المتوسط والصحراء. لذلك فإن أي انهيار إضافي في الساحل يعيد ربط ليبيا بجنوبها، لا كدولة منفصلة عن الأزمة، بل كجزء من بنيتها.

أما شرقاً، فيتصل هذا القوس بالسودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. هنا تصبح الفوضى أكثر خطورة، لأنها تقترب من الممرات البحرية الدولية.

في هذا المجال، لا تتحرك الجماعات المتطرفة وحدها؛ تتقاطع معها شبكات نفوذ إيرانية وتجارية ومالية، تعمل عبر التهريب وغسل الأموال والواجهات العقائدية، وتستثمر في الدول الرخوة لاختراقها من الداخل.

ليست الفكرة أن هناك غرفة عمليات واحدة تدير هذا الحزام من مالي إلى الصومال. الخطر أكبر من ذلك: إنها فوضى مترابطة، تكفيها الحدود المفتوحة والمال غير المشروع والسلاح الرخيص كي تتغذى وتتمدد.

لذلك فإن أزمة مالي ليست سقوط مدينة أو غياب رئيس أو انكشاف حليف روسي فقط. إنها إنذار مبكر بأن الساحل قد يتحول من بؤر متفرقة إلى حزام نار مكتمل، يمتد من غرب أفريقيا إلى البحر الأحمر، وتتحرك فيه الجماعات المتطرفة كما تتحرك النار تحت الرمل: صامتة أحياناً، لكنها تبحث دائماً عن الريح التالية.