د. خالد القاسمي يكتب لـ(اليوم الثامن):

هدف التدخلات الإيرانية الأخيرة في شؤون المنطقة

تكشف التطورات الأخيرة في منطقة الخليج عن تصاعد واضح في طبيعة التحركات المرتبطة بإيران، سواء عبر محاولات الاختراق الأمني أو من خلال شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. فمن الحديث عن محاولة التسلل إلى جزيرة بوبيان الكويتية، إلى إعلان البحرين ضبط خلية مرتبطة بالحرس الثوري تضم 41 شخصًا متهمين بالتخابر والتخطيط لأعمال إرهابية، مرورًا بالكشف سابقًا عن تنظيم سري في الإمارات على صلة بإيران ومتهم بالتخطيط لأعمال تخريبية وزعزعة الأمن الداخلي، تتكرر الأسئلة ذاتها: لماذا تستمر إيران في محاولة التمدد داخل دول الخليج؟ وما الأهداف الحقيقية وراء هذه التحركات؟

منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، تبنى النظام الإيراني مشروعًا يقوم على تصدير النفوذ خارج حدوده، مستخدمًا أدوات متعددة، من الخطاب الأيديولوجي إلى الجماعات المسلحة والشبكات الأمنية. وخلال العقود الماضية، شهدت المنطقة عدة محطات توتر واتهامات متبادلة، كان أبرزها محاولة الانقلاب في البحرين عام 1981، إضافة إلى ملفات مرتبطة بخلايا وتنظيمات اتهمت بالارتباط بطهران في أكثر من دولة خليجية.

لكن رغم هذه المحاولات، ظلت دول الخليج أكثر تماسكا، مستندة إلى بنية سياسية واجتماعية قائمة على العلاقة الوثيقة بين الدولة والمجتمع، إلى جانب التعاون الأمني والعسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما حدّ من قدرة أي مشروع خارجي على تحقيق اختراقات عميقة أو فرض واقع سياسي جديد.

وتنظر قطاعات واسعة في المنطقة إلى المشروع الإيراني باعتباره مشروع نفوذ إقليمي يسعى إلى توسيع التأثير السياسي والعسكري عبر دعم جماعات محلية تدين بالولاء لطهران، كما هو الحال في العراق ولبنان واليمن. ويعتقد كثيرون أن هذا النموذج يقوم على بناء قوى موازية لمؤسسات الدولة التقليدية، بما يمنح إيران أوراق ضغط وتأثير داخل هذه البلدان.

وفي السياق ذاته، يظل الملف النووي الإيراني أحد أكثر الملفات إثارة للقلق في الخليج والمنطقة العربية عمومًا، خصوصًا مع استمرار تطوير البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. وتخشى دول عدة من أن يؤدي امتلاك إيران لقدرات ردع متقدمة إلى تغيير موازين القوى الإقليمية، بما يسمح لطهران بتوسيع نفوذها السياسي والعسكري بصورة أكبر.

وفي المقابل، تؤكد إيران باستمرار أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، وأن وجودها الإقليمي يأتي في إطار حماية مصالحها وأمنها القومي، بينما ترى دول خليجية وعربية أن التدخلات الإيرانية تجاوزت حدود المصالح الطبيعية إلى محاولات مباشرة للتأثير على استقرار المنطقة وأمنها الداخلي.

ومع استمرار هذا التوتر، تبدو المنطقة أمام معادلة معقدة: بين مشروع إقليمي تسعى إيران إلى ترسيخه، ودول خليجية تعمل على حماية أمنها القومي والحفاظ على توازنات الإقليم، في وقت تزداد فيه المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد جديد إلى مزيد من عدم الاستقرار في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية استراتيجياً واقتصادياً.