د. خالد القاسمي يكتب لـ(اليوم الثامن):

كيف يقصف العراق عمقه الاستراتيجي في الخليج؟

يُعدّ كلٌّ من العراق واليمن عمقًا استراتيجيًا لدول الخليج العربي، بحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط المشتركة. وهذه حقيقة لا خلاف عليها. وقد طرحتُ في مقالات سابقة إمكانات التكامل الخليجي مع العراق واليمن، انطلاقًا من رؤية عروبية ترى في هذا الامتداد عامل قوة لا عبئًا.

غير أنّ المفارقة تبرز حين يتحول هذا العمق—في لحظات التصعيد—إلى مصدر تهديد مباشر لجيرانه، خصوصًا عند تعرض إيران لضربات من الولايات المتحدة وإسرائيل. هنا يطفو السؤال: كيف ينقلب العمق الاستراتيجي إلى خاصرة رخوة؟

خلال الحرب الأخيرة التي استمرت أربعين يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعرّضت دول خليجية، إلى جانب الأردن وسوريا، لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ انطلقت من الأراضي العراقية. وعلى إثر ذلك، استدعت كلٌّ من الإمارات والسعودية والكويت سفراء العراق، وقدّمت مذكرات احتجاج رسمية للحكومة العراقية.

المثير للقلق ليس الحدث بحد ذاته، بل الخطاب المرافق له. فبعض المتحدثين العراقيين في وسائل الإعلام وصفوا هذه الهجمات بأنها صادرة عن «ميليشيات خارجة عن القانون» يصعب ضبطها، فيما ذهب آخرون إلى ترويج مزاعم عن انطلاق هجمات من قواعد خليجية باتجاه العراق—وهي ادعاءات تفتقر إلى الدليل. في المقابل، برّر فريق ثالث هذه العمليات باعتبارها ردًا على ما وصفه بـ«العدوان الأمريكي–الإسرائيلي»، متجاهلًا تداعيات ذلك على أمن الإقليم.

وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كانت العراق دولة ذات سيادة، ورئيسها هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، فكيف تعجز مؤسساتها عن ضبط الفصائل المسلحة؟ وكيف يُسمح لقوى مسلحة بالتحرك خارج القرار الرسمي، بل والتورط في عمليات عابرة للحدود؟

إنّ استمرار هذا الواقع يطرح تحديات عميقة تتجاوز البعد الأمني إلى طبيعة الدولة نفسها. فوجود فاعلين مسلحين خارج إطار السلطة يقوّض مفهوم السيادة، ويجعل القرار الوطني عرضة للتجاذبات الإقليمية.

وإذا كانت هذه الجماعات قادرة على تهديد محيطها الخارجي، فإن سجلّها الداخلي لا يقلّ خطورة؛ إذ شهدت مدن عراقية استهدافات للبنية التحتية، بما في ذلك منشآت حيوية في بغداد والبصرة ومناطق أخرى، ما يعكس خللًا بنيويًا في منظومة الضبط والسيطرة.

يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: ماذا لو وصلت الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات إقليمية تتضمن تقليص نفوذ الأذرع المسلحة في العراق واليمن ولبنان؟ ما مصير هذه الفصائل؟ وهل يمكن دمجها ضمن مؤسسات الدولة، أم ستتحول إلى مصدر اضطراب دائم؟

في المحصلة، لا يمكن لأي منظومة إقليمية أن تستقر ما لم يُحسم ملف السلاح خارج الدولة، ويُعاد تعريف «العمق الاستراتيجي» بوصفه مجالًا للتكامل، لا منصة للصراع.