د. خالد القاسمي يكتب لـ(اليوم الثامن):
مصر.. العمق القومي والاستراتيجي للإمارات والأمة العربية
حينما تحدثتُ في مقال سابق عن طبيعة العلاقات المصرية الخليجية، كنت أحاول تقديم قراءة منصفة للدور التاريخي الذي لعبته مصر في حماية الأمن العربي والخليجي، بعيدًا عن محاولات بعض الأطراف، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين ومن يدور في فلكها، التشكيك في هذه العلاقة أو التقليل من أهميتها عبر حملات إعلامية تقوم على الاصطفاف الأيديولوجي أكثر من قراءتها للوقائع والتاريخ.
فالعلاقة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية ليست علاقة ظرفية فرضتها التطورات السياسية الراهنة، بل هي علاقة متجذّرة قامت على أسس قومية واستراتيجية وإنسانية، تعمّدت بالمواقف الصعبة والتحديات الكبرى التي مرّت بها الأمة العربية خلال العقود الماضية.
منذ نكسة يونيو 1967، وقف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إلى جانب مصر والرئيس جمال عبد الناصر، مدركًا أن قوة مصر تمثل ركيزة أساسية لاستقرار الأمة العربية بأكملها. لم يكن موقف الشيخ زايد آنذاك مجرد تضامن سياسي عابر، بل كان تعبيرًا عن رؤية عربية عميقة تعتبر أن أمن الخليج يبدأ من استقرار مصر، وأن سقوط العواصم العربية الكبرى ينعكس على الجميع دون استثناء.
ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 لتؤكد مجددًا طبيعة هذه العلاقة التاريخية، حين وقفت الإمارات بكل إمكاناتها خلف مصر في معركتها لاستعادة الكرامة العربية والأرض المحتلة. وهنا سجّل التاريخ الموقف الخالد للشيخ زايد حين قال عبارته الشهيرة: "النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي"، في لحظة عربية فارقة اختلط فيها الدعم السياسي بالموقف القومي والمصير المشترك.
ولم تتوقف المواقف المصرية إلى جانب الإمارات ودول الخليج عند تلك المرحلة، بل تجددت خلال أزمة الغزو العراقي للكويت عام 1990، عندما شاركت القوات المسلحة المصرية في الدفاع عن أمن الخليج والمساهمة في تحرير الكويت، في رسالة واضحة بأن مصر لم تكن يومًا بعيدة عن قضايا أشقائها العرب أو عن معادلة الأمن القومي الخليجي.
واليوم، ومع تصاعد التهديدات الإقليمية ومحاولات استهداف أمن دولة الإمارات، يتكرر المشهد ذاته بصورة تؤكد ثبات المواقف المصرية تجاه الخليج العربي. فمنذ بداية الاعتداءات الإيرانية والتهديدات التي طالت أمن المنطقة، أعلنت مصر موقفًا واضحًا وصريحًا في إدانة أي استهداف للإمارات أو المساس بسيادتها واستقرارها.
وجاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دولة الإمارات في ظل هذه الظروف الحساسة لتؤكد أن العلاقات بين البلدين تتجاوز الحسابات السياسية التقليدية، وتمثل شراكة استراتيجية متكاملة تقوم على وحدة المصير والمصالح المشتركة. كما حملت تصريحات الرئيس السيسي بأن "أمن الإمارات جزء من أمن مصر" رسالة سياسية وأمنية مباشرة لكل من يحاول تهديد استقرار المنطقة أو العبث بأمن دولها.
كما أن الزيارة المشتركة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس عبد الفتاح السيسي إلى مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات، لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل رسالة ردع واضحة تؤكد أن أمن الإمارات ليس معزولًا عن محيطه العربي، وأن هناك إدراكًا مشتركًا لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة.
لقد أثبتت التجارب أن مصر كانت، وما تزال، تمثل العمق القومي والاستراتيجي للعالم العربي. فثقلها السياسي والعسكري والتاريخي يجعلها عنصر توازن رئيسيًا في المنطقة، كما أن استقرارها وقوتها يمثلان ضرورة للأمن العربي بأسره، وليس لمصر وحدها.
ولعل أصدق ما يمكن أن يُقال في هذا السياق، ما عبّر عنه القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حين وصف مصر بأنها "القلعة الحصينة للأمة العربية". وهي عبارة لم تكن مجاملة سياسية، بل توصيفًا دقيقًا لدور تاريخي ظل حاضرًا في مختلف المحطات المصيرية التي مرّت بها الأمة.
تحية لمصر، أرض الكنانة، التي بقيت رغم كل التحديات سندًا للعرب، ومدافعة عن قضاياهم، وحاضرة في كل معاركهم الوطنية والقومية.


