عبدالكريم مباتة يكتب لـ(اليوم الثامن):
العقل العربي بين كهف التاريخ وغابة الجيوسياسة: مقدمة لدراسة نقدية في أزمة الوعي والمشروع
الدارس لتاريخ الاحتلال ومناهج المنظومة الإمبريالية من فرنسا وجيوشها المجرمة ومُبشّريها، إلى بريطانيا وشركاتها المتحدة وتجارتها الموجهة نحو السيطرة وجيوشها المجرمة كذلك، يفهم بل يتيقن أن الإمبريالية فلسفة تتطور مع تطور الإنسان، وهي ليست وليدة الغرب ولا التاريخ الحديث، فكل حضارة تُطوّر إمبريالية حسب ثقافتها وأهدافها وطبيعتها، من الأكاديين والفراعنة، إلى الحثيين الذي قلبوا كل الموازين في زمنهم بعد سيطرتهم على الحديد، إلى الأشوريين الذين كانوا أعنف حضارة عرفتها حقبة ما قبل التاريخ، فقد سيطروا على كل الشرق الأوسط وبأفظع الوسائل، ومارسوا حتى الترحيل القسري لأهالي الأراضي المحتلة. ثم جاء عهد الإمبراطوريات المتعددة الأعراق بداية بالفرس ثم الإغريق ثم الرومان و البيزنطيين إلى المسلمين العرب، إلى المغول إلى الإمبراطورية العثمانية ثم عصر الثورة الصناعية مع الإمبراطوريات الإسبانية والفرنسية والبريطانية والسوفيتية والبلجيكية ثم في العصر الحديث مع ألمانيا النازية، فالاتحاد السوفياتي منتهيا بالولايات الأمريكية المتحدة وسيأتي دور الصين بعد زمن الحرب الشاملة.
الإمبريالية منظومة قوة وسيطرة وتوسع تحمل مفاهيم فلسفية و مشاريع سياسة وأهداف اقتصادية، الإمبريالية -في الحقيقة- يأتي تعريفها من أثر انعكاسها على المُتضرّر منها، أمّا المستفيد، فدائما ما يعتبرها دينامية من ديناميات الطبيعة الإنسانية كحب السيطرة وفرض الرأي والعقيدة تحت مسميات كثيرة و متنوعة.
عبر التاريخ لم تصطدم الإمبريالية كمنظومة بحكام الجغرافيات المستهدفة، بل كثيرا ما فَضّلت أولا، السيطرة المعنوية لأن هدفها ليس السيطرة على الجغرافيا بل على الثروات فيها، ومادامت الثروات تصل إليها فلا يهمها الباقي كأنظمة الحكم أو معتقدات الشعوب.
وكثيرا ما أنقذت الإمبريالية أنظمة قاهرة لشعوبها من السقوط فقط لتضمن استمرار تدفق الثروات التي تحتاجها كوقود لماكينتها الحضارية التي لا يخمد جوعها أبدا.
تتطور الإمبريالية لتتحول من هنجعية سياسية تستعمل القوة العسكرية للسيطرة المباشرة، إلى إدارة للثّروات العالمية ومنظومة للمالية الكونية، وذلك باستباق أي ظرف طارئ في الدول المستهدفة قد يؤدي إلى انقطاع في تدفق الثروات نحو أفران الحضارة العملاقة. وذلك بضربات استباقية تؤدي إلى انقلابات مُسَيطر عليها، لا تؤدي بدورها إلى انفلات أمني وحرب أهلية تقطع وريدا من أوردة الطاقة. هنا يظهر مفهوم حديث لإدارة الإمبريالية حسب منهجية شبه علمية تسمى اليوم في مناهج علم السياسة بالجيوسياسة، والتي يعرفها ( دوغين، 2004) بوجهة نظر السلطة وعلم السلطة من أجل السلطة. هذا التعريف وحده يجعل من الجيوسياسة مجموعة اختيارات ظرفية و سلطوية لا فلسفة دولة، مقتربة بذلك من التعريف الوظيفي للإمبريالية.
التاريخ مليء بأمثلة لأنظمة سلطوية اختارت الجانب المظلم من الجيوسياسة، من الأشوريين إلى الحروب البونيقية وظهور مفهوم الحرب الاستباقية إلى ظهور الإمبراطوريات الإستعمارية وتطور مفاهيم الغزو العسكري إلى بروز مفهوم المحميات، ثم من الإمبراطورية العثمانية إلى آخر إمبراطورية في عصرنا الحديث وهي الإمبراطورية الأمريكية.
حالة فنزويلا اليوم، هي حالة جيدة للدراسة الهادئة، في سياق عالمي تحكمه امبريالية أمريكية لا توجد أي دولة على الكوكب يمكنها أن تعارضها مهما حَلُم بذلك الطيبون. أنبوب اختبار فنزويلا يجب أن يوضع بعيدا جدا عن أنبوب اختبار العراق، فالتجربتان مختلفتان كليا، ولكنهما يلتقيان في معطى واحد فقط وهو الثروات الطبيعية أو باختصار "وقود الحضارة"
أولوية العقل العربي اليوم ليست مقاومة الإمبريالية أو التسابق نحو تحالفات يراها هو مضادة لأمريكا تحت الشعار الميكافيلي "عدو عدوي صديقي"، ولكن الاولوية التي يؤخرها إلى أجل غير مسمى هي فهم أزماته العضوية التي تعاني منها شعوبه ودوله، وأول طريق نحو فهمها يمر عبر فهم ما يجري في العالم من أحداث قاربت الكوميديا السوداء في ظاهرها، وفاقت التراجيديا الإغريقية في أسرارها.
فنزويلا ليست إلا فاتحة لأحداث ستتسارع خلال هذه السنة، لتثبت أن العقل العربي لا يزال يعيش على الشعارات بدل أن يبدأ في لم شمله الفكري ويفهم أن أول خطوة نحو جاهزية حقيقية للصدمات السياسية والإقتصادية القادمة هي فهم سياقاته التي يتطور داخلها.
ولكن قبل ذلك وجب على العقل العربي أن يشخص أزمته بشكل منهجي إذا ما أراد أن ينطلق في مشروع حقيقي يحمله نحو القرن القادم في أمان من الضياع و السقوط في مستنقع العبودية لغيره.
لا يزال العقل العربي يخلط بين التاريخ كذاكرة والتاريخ كأداة للفهم، لا يزال يرى فيه مصدرا من مصادره المعرفية والتشريعية والتأسيسية بدل أن يبدأ في رحلة حقيقية لنقده وتفكيكه وإعادة ترتيبه ثم تنقيته من كل ما يكبح فهمه لسياقاته الحديثة اليوم. لا زال التاريخ عند العرب كابحا من كوابح التقدم وثقلا زائدا على حمولته الفكرية الضرورية للانطلاق في عصره.
لا يزال العقل العربي يعيش في الماضي، راضخا لمسلماته، خاضعا لقوانينه مستكينا لأدواته وقواعده، جاعلا منه منبعا لشرعية ما، بدل أن يعتبره مادة معرفية خاضعة للنقد والتحليل ومختبرا لتقييم أخطاء الماضي. ربما هذا ما يجعل العربي يستدعي التاريخ في شكل معارك رمزية بدل مواجهة واقعه بأدوات عصره التي لم يعطي لنفسه فرصة لدراستها وتطويعها.
أهم مثال يحضرني هنا هو استدعاء العرب لسقوط الأندلس بشكل متكرر في خطابهم الشعبي والأكثر مركزية وهو الخطاب الفقهي. هو استحضار لحدث تاريخي في شكل جرح حضاري أبدي لا كتجربة حضارية يمكن تحليلها بحيادية، ونادرا ما يُناقَش الحدث في سياقاته التاريخية الواقعية، كتفكك البنية السياسية لدولة الأندلس وجوهر الصراعات الداخلية وجذورها الحقيقية المرتبطة بالمعطيات الواقعية لا التأويلات الفقهية والميتافيزيقية، وفوق ذلك إلقاء نظرة على واقع العالم آنذاك واضطرار دويلات الأندلس البائدة إلى عقد تحالفات انتحارية مع أعداءها. في هذا الصدد يحضرني كيف وصف مالك بن نبي عملية تحويل التاريخ إلى محفل بكائيات أممي بدل جعله شاهدا على أخطاء من سبقنا ودافعا لنا لتجنبها، وقد اعتبر بن نبي ذلك الإنغماس في التاريخ شكلا من أشكال التعويض النفسي لعجز الفرد العربي عن إنتاج الحاضر.
من جهة أخرى، يبقى العقل العربي البياني كما يصفه الجابري حبيس الخطابات المنمقة والشعارات الرنانة، حيث استهلك جميع المفاهيم الأساسية كالهوية و السيادة و التحرر والمقاومة دون تقديم تعريفات عملية لها ولا حتى وضع كلفة واقعية لتطبيقاتها في مشروع متكامل. ويبقى العقل العربي يفتقر إلى بنية برهانية تحليلية تسمح له بالتخلص من هيمنة الوعي البياني والمعرفة التصوراتية والعقم السياسي. من هنا يمكن فهم كيف أن شعارا مثل شعار " فلسطين هي القضية المركزية" قد بقي على مر العقود ثابتا لا يتغير رغم تراجع أدوات الدعم الفعلي للقضية وانهيار كل المواقف والتحالفات الدبلوماسية العربية ولم نرى إلى اليوم ترجمة لذلك الشعار الرنان إلى استراتيجية إقليمية شاملة تستعيد أوراق القضية المختطفة التي تحولت إلى ورقة مساومة في أيدي العدو بدل أن تكون ملف ضغط قانوني وإنساني في يد العرب.
يكتمل هذا التشخيص لأزمة العقل العربي بحالة من الإنفصام يعيشها الوعي العربي، متمثلة في انفصاله التام عن شروط واقعه المادي، حيث يسيطر الخطاب الأخلاقي والقيمي على المشهد دون أي آليات تساعد على تحويله لواقع عملي وإنتاجي، هذا الإنفصام يظهر جليا في الخطاب المتصاعد حول السيادة والهوية الوطنية والقيم الأخلاقية داخل المجتمعات العربية، دون آليات إدارية وقانونية تحمي المنظومة من التسلط على نفسها. هذه المجتمعات التي يغلب عليها الخطاب السيادي وهي لا تصنع غذاءها ولا تكنولوجيتها ولا دواءها، لتتحول السيادة هنا إلى قيمة خطابية لا بنية قيمية يدعمها هيكل إنتاجي. في هذا الصدد يتكلم زكي نجيب محمود عن النهضة التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال ربط الفكر بالعلم ومناهجه الحديثة.
بعد هذا التشخيص لأزمة العقل العربي نجد أنفسنا مدفوعين نحو التساؤل عن جذور هذه الأزمة وأسباب استمرارها وتكرارها بل واستفحالها إلى مظاهر تجاوزت حقول الإيديولوجيا والدين لتصل إلى حدود تصور العالم وتَمثُّله في الوعي العربي.
يتكلم أركون في كتابه "أزمة العقل العربي"، عن غياب السؤال الإبستيمولوجي، ويقرر بأن العقل العربي لم يصل بعد لمرحلة طرح السؤال الواجب عليه وهو : كيف نفَكّر؟ ولا يزال يكرر طرح السؤال : كيف نؤمن؟ مُستمرا في تقديس أنماط التفكير الموروثة والخوف من نقدها وتفكيك مسلماتها. بالنسبة لأركون، العقل العربي يعيش في سديم ابستيمولوجي يذيب المسائل السياسية والدينية والقومية في بوتقة فقهية واحدة ويتجنب طرح الإشكاليات المنهجية، وربما يكون الجدل المتكرر حول السؤال : هل الديمقراطية كفر؟ أكثر الأمثلة تعبيرا عن هذا السديم الإبستيمولوجي، أين يسيطر الحكم القيمي بدل أن يكون نقاشا حول الآليات والمؤسسات وشروط تطبيقها، ويكون السؤال الحقيقي هو : كيف نبني نظام حكم مؤسساتي قابل للمساءلة؟ يعتبر أركون سيطرة الخطاب الأخلاقي مجرد تغطية للعجز المنهجي البنيوي الذي يعاني منه العقل العربي.
يعيش العقل العربي حبيس الحقبة الإستعمارية، وذلك عبر حشد رمزيات الثورة من خلال خطاب الهوية والسيادة من جهة، مستعيضا عن القراءة النقدية بالبيان اللفظي. إن كان الإستعمار التقليدي عسكريا، فالاستعمار اليوم ذهني، ثقافي واقتصادي، يعززه الواقع العربي الرافض لأمريكا بيانيا والتابع لها عمليا، والمنبطح انبطاحا يبرره بالواقعية السياسية وكلاهما غياب للإستقلال العقلي. هنا يظهر بُعد جديد داخل مفهوم القابلية للاستعمار لمالك بن نبي. إن كان المفهوم التقليدي يصف حالة مرضية داخلية في أي مجتمع متمثلة في ضعف متجذر في الوعي الجمعي والفردي كالجهل واليأس والانقسام، ونوع من غياب الوعي بالآخر و فكّ الارتباط بالواقع الحضاري الإنساني، فالبُعد الآخر اليوم يمكن أن يصف حالة من الالتزام الخارجي نحو المجتمع الدولي، كالإرتباط المؤسسي بقواعد اللُّعبة العالمية كالنظام المصرفي العالمي ( صندوق النقد الدولي، والبنك الفدرالي الأمريكي، والأمم المتحدة و مجلس الأمن). هذا الإلتزام الذي يدفع العقل العربي إلى تبني سياسات دون تكييف داخلي ولا دراسة سياقية ولا حتى نقاش عمومي.
العقل العربي لا يزال يسيء فهم الجيوسياسة ومعادلاتها المعقدة، عبر خلطه بين التوصيفات الأخلاقية و بين السياسة الدولية التي تُبنى داخل مفهوم المصلحة المتعددة الأبعاد والقيم الأخلاقية كأساس قانوني إجرائي بحت. يعبر المرزوقي عن هذا عندما يصف تعامل العقل العربي مع التحالفات السياسية على أسس عاطفية تقتضي التشابه الشعاراتي، ليتحول التحالف السياسي عند العربي إلى جمعية للمهرجانات والاحتفالات بدل أن يكون تراكما للقوة والفعل.
من جهة أخرى هناك تحالف المُضطّر المبني على الإنهزامية وغالبا ما يكون مع القوى العالمية بحثا عن الحماية أو التمويل دون شروط مسبقة. هذا الواقع يُظهر جليا، غياب نظرة استراتيجية عربية طويلة الأمد يمكنها تطويع الجيوسياسة لصالحها، وسقوط الجغرافيا العربية نفسها لعبة في يد من يحسنون اللَّعب. واقع يتجلى في الرهان العربي المُستمر على حليف خارجي منقذ، من الاتحاد السوفياتي في الخمسينات، إلى الولايات المتحدة الأمريكية في التسعينات، إلى روسيا والصين وباكستان اليوم، دون محاولة جريئة منه لِلمّ شتاته وبناء قوة ذاتية على ما يَدّعيه من أسس وقواعد مبثوثة في البيان والبلاغة.
الواقع السياسي العالمي يثبت باستمرار بأن من لا يملك أوراقه يُستعمل ثم يُرمى بعد انقضاء الحاجة فيه أو منه، وما يحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط"سوريا، غزة، إيران، اليمن، السودان..." وفي امريكا الجنوبية" فنزويلا" ليس إلا مثالا مدرسيا لمن يريد أن يتعلم دروسه الداخلية والخارجية.
وصل العالم اليوم إلى مرحلة بدأت الدول كلها تعيد حساباتها ليست الإقتصادية منها فقط، بل الفلسفية والمسائل الجوهرية التي تحدد وجودها المعنوي والمادي.
والمتابع الذكي يرى كيف تحولت الصين من خلال مراجعاتها لمعاني القوة السائدة وكيف بنت بدائل لها بعيدا عن المواجهة المباشرة، وذلك بمشروع بناء مركز حضاري بديل بدأ بالعمل من داخل النظام العالمي الليبرالي وعينها على التخلص منه. مراجعات من صميم الفلسفة الكونفشيوسية التي تعتبر الدولة كائنا أسمى من الفرد وتؤمن أن السيادة لا يمكنها أن تأتي من خارج السّياق الثقافي والتوظيف للمعرفة واستغلال الفرد. الصين اليوم لم تعد تطالب بمكان داخل المنظومة بل تعمل على تغيير قواعده دون مواجهة.
روسيا اليوم، التي بدأت مع بوتين في إحياء الفلسفة الأوراسية القيصرية، تعتبر نفسها كيانا مستقلا لا شرقيا ولا غربيا، باحثة عن الإعتراف من خلال توظيف كل أشكال القوة "العسكرية، التاريخية، التكنولوجية وحتى الجغرافية"
أما المثال الأكبر في التحول الجوهري فهو تركيا، التي تطورت من عضو هامشي في الناتو إلى أكبر مساهم فيه وعضو مفاوض له كلمته، والتي أسست تحولاتها على مراجعة فلسفاتها القومية و الهوياتية واستدعاء التاريخ بقوة في كل تحالفاتها، مع رفع شعاري "لا تحالف مقدس ولا عدو دائم"، حيث استطاعت وبذكاء مدهش الجمع بين المتناقضات وتوظيف الليبرالية الإقتصادية و البراغماتية الدينية، فأصبحت بذلك عبارة عن مقايض للكيان الصهيوني و الولايات المتحدة الأمريكية بدل أن تجعل من نفسها عدوا تقليديا لهما.
كل الدول التي تعتبر نفسها في مواجهة تغول الولايات المتحدة الأمريكية، لا توظف الشعارات ولا البيانات والعداء الخطابي، بل انطلقت في مشاريع عميقة جوهرها مراجعات فلسفية عميقة في معنى الدولة، السيادة، القوة والمصلحة، أما العقل العربي فلايزال حبيس أنماط تفكير قديمة مبنية على القيم المطلقة، والسؤال القصير المدى : على من أعتمد؟ بدل ان يتساءل عن كينونته و صيرورته و سيرورته في هذا العالم المتحول باستمرار والخطير بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
أزمات اليوم، تدفع العالم إلى مرحلة من الخطر الذي سيفوق كل توقعات المتوقعين، والتحولات الجيوسياسية المتسارعة تستمر في فضح هشاشة الوعي العربي داخل عالم بدأت أقطاب القوة تتعدد فيه على ضعفها مقارنة بالولايات المتحدة لكنها مجتمعة ربما تشكل قطبا موازنا له.
وعي عربي متجمد، يحمل من التناقضات المتراكمة ما يجعله السبب الأول في إبعاد الجغرافية العربية كلها عن طاولة القرار الفاعل، وحَوّلها إلى ساحة نزاع بين القوى العالمية تحت مسميات كثيرة، و يبقى العقل العربي منقسما بين شعارات كبرى بلا أدوات و لا تحالفات مدروسة و بلا أجندة واضحة، فاضحا هشاشته وعدم امتلاكه لرؤية استراتيجية، من خلال مواقفه المشتتة وأكبر مثال على تلك الهشاشة هو موقفه من الحرب الروسية-الأوكرانية، أين تعاملت معها الدول العربية بردود أفعال متناقضة بينما دول مثل الهند وتركيا استفادتا اقتصاديا من هذه الحرب مع حفاظهما على استقلالية قرارهما.
يركز العقل العربي في طرح أزماته على كل ما هو خارج عنه، متهما كل ما لا يستطيع هضمه بأنه العدو المبين، وفي أزمته الواقعة اليوم ربما يجعل من الإمبريالية الغربية سبب كل أحزانه ومصائبه، ويتجنب معالجة مشكلته الأعمق والمتمثلة في غياب مشروع عربي ذاتي واضح المعالم، ليتحول عندئذ كل مشروع مقاوماتي إلى عبث تراجيدي وأي تحالف إلى تبعية وارتهان. أكبر مثال على غياب المشروع العربي، هو فشل كل مشاريع التكامل العربي كالسوق العربية المشتركة، واتحاد المغرب العربي، مشاريع تعرضت للإجهاض من الداخل لغياب الثقة أو غياب الرؤية المشتركة وعدم القدرة على توصيف حقيقي وواقعي للمعطيات السابقة.
يعاني العقل العربي اليوم من ضياع المعنى، أنتج حوله تفككا اجتماعيا على كل الأصعدة، حتى تلك المجتمعات التي تعيش رفاهية استهلاكية كبعض دول الخليج. هذه الدول في غالبها سبقت مجتمعاتها، فهي لم تبن شرعيتها على سردية تاريخية صدامية كما في الدول المغاربية. العقل الخليجي في عمومه غير مؤدلج ومنسحب سياسيا، لم يعبر يوما عن هوس بالتاريخ، ولم يتصادم مع الغرب لا قديما ولا حديثا، يتطور داخل خطاب تغيب فيه معاني المقاومة والأزمات الهوياتية. أهم أزماته الاجتماعية تتلخص في غياب المعنى، فالرفاهية الإستهلاكية التي يعيش فيها، وضعت عنه حمل البحث عن تصور واضح للغرض الإجتماعي أو الدور التاريخي لدُوله. هذا الإنسحاب أنتج أزمة مواطنة حيث حافظت تلك المجتمعات على هيكلها القبلي المرتبط بالسلطة من خلال عقد ريعي، أو في شكل علاقة خدمية لا تعاقدية.
بالمقابل، فإن المجتمعات المغاربية تشكلت داخل تجربة استعمارية عنيفة، خلفت عقلا نقديا نظريا احتجاجيا دون أدوات فعلية، ووعيا سياسيا متنوعا دون قدرة مؤسسية على خلق شروط تعاقدية داخل هذه المجتمعات. على عكس العقل المشرقي الخليجي، فإن العقل المغاربي لا يعاني من أزمة معنى بل من تعدد المعاني دون أفق جامع، جعل من مسائل كالهوية مثلا تتحول من مبدأ جامع إلى خطاب متناقض و مهلهل، وجعل من الدولة تلعب دور الوسيط غير مكتمل السيادة، ومن الوعي السياسي مجرد خطاب احتجاجي لا قوة بنائية.
أغلب المجتمعات العربية اليوم، تعيش تفككا عضويا وبنائيا، ناتج عن ضياع المعنى، إما لغيابه أو لتعدد تناقضاته. عالقة بين خطاب سلطوي تعبوي وواقع معيشي منهار، دفع بكل الظواهر الإجتماعية المتطرفة إلى السطح، كالتطرف الديني، فقدان الثقة، والهجرة بأنواعها، كل هذا داخل منظومة خطابية تتأرجح بين العنف الرمزي و الإجتماعي. مع أن الدول العربية قائمة في الواقع من خلال علاقة خدمية بينها وبين المواطن، إلا أن هشاشتها تقاس في الخطاب المجتمعي أين نجد دلائل عن انهيار العقد الرمزي بين الدولة والمجتمع.
هذه الأزمة المتعددة الأبعاد التي يعيشها العقل العربي، أنتجت مجتمعات مهلهلة لا تكاد تتماسك حول فكرة إلا وتندلع صراعات أخرى على كثير من الأصعدة. صراعات لا زالت تُسائل التاريخ والموروث باحثة عن نقاط ارتكاز تثبت وجودها من خلالها، ولأن العقل العربي أصبح خارجا عن التاريخ يعيش على اجتهادات غيره ومسلماتهم دون محاولة منه للبحث عن مخارج لأزمته البنيوية، أصبح من واجبه أن ينتفض باحثا عن مخارج له وعلى جناح الاستعجال.
من أهم الورشات التي يجب على العقل العربي فتحها، هي ورشة الإنتقال من عقل الهوية إلى عقل المشروع. فالهوية لا يجب أن تكون مشروعا في ذاتها، باعتبارها معطى رمزي وليست مصفوفة فعل، ولا يجب بأي حال من الأحوال الإبقاء عليها في شكل بديل وهمي عن المشروع. إذا كان هذا الأخير يشترط أهدافا قابلة للقياس وأدوات و جدولا زمنيا ومراجعات، فالهوية رمزية ثابتة نسبيا يُعرِّفها مصطلح الإنتماء وهي شرط للمعنى وليست شرطا للإنتاج. ماليزيا، مع تنوعها الإثني والهوياتي جعلت من الهوية منطلقا فقط، حيث استطاع مهاتير، التوفيق بين المتناقضات الهوياتية وجمع المالويين والهنود والصينيين حول مشروع صناعي وتعليمي طموح.
على العقل العربي أيضا، أن يحرر كل المفاهيم والمصطلحات في لغته من الاستخدام الدعائي وذلك بفتح ورشات لسانية ضخمة تعمل على إعادة توطين المصطلحات الطارئة عليه في سياقاتها الحديثة والعملية. مصطلحات لا تزال تهز كيان الأمة العربية وتفكك بنيتها المعرفية مثل الأمة، المقاومة، السيادة، التحرر، التنوير، وآلاف من المفاهيم المنبوذة كالديمقراطية والعلمانية والليبرالية وغيرها. يجب على العقل العربي إعادة اكتشاف لغته بعقل وظيفي و براغماتي وربط تلك المفاهيم بأدوات عملية كالتعريف السلوكي والقانوني وتوظيفها مؤسساتيا وعلى تلك المصطلحات أن تمتلك كلفة واقعية ناتجة عنها كمصطلح المواطنة مثلا.
في التجربة الفيتنامية، مفهوم المقاومة له وقع آخر في عقل الفيتنامي، فبعد أن انتهت مرحلة المقاومة المسلحة، تحول المفهوم من ميدان القتال إلى ميادين التعليم والفلاحة والصناعة، حيث أصبحت المقاومة مرتبطة في الوعي الجمعي للفيتناميين بمفهومي العمل و الإنتاج، بينما تحجر المفهوم في العقل العربي بالعمل المسلح وفقط.
بناء عقل استراتيجي بعيد عن الإنفعالية هي ثالث مهمة نحو التصحيح البنيوي المنشود. ففي السياسة لا توجد تحالفات دائمة ولا عدو أبدي، وتعريف المصلحة يُبنى ظرفيا ليتغير ويتحول ويتطور، فالمصلحة غير قابلة للتوريث. أما الاستراتيجية التي يبحث عنها العقل العربي في مواجهة العالم فهي لن تأتي بالشعارات بل بالقوة الإقتصادية و إنتاج المعرفة.
دولة تركيا وسياساتها الخارجية هي أهم مثال على هذه الإستراتيجية الهادئة والتي تعتمد على تحالفات متعددة ومصالح متحركة.
العقل الاستراتيجي لا يمكن بناؤه، دون إعادة اعتبار للعقل النقدي، اتفق أركون والجابري على أن النهضة العربية لن تكون ممكنة دون نقد مزدوج للتراث من جهة والحداثة المستوردة من جهة أخرى. التحرر كقيمة منشودة يأتي من تحرير أدوات التفكير أولا، وهذا لن يتأتى إلا من خلال إعادة الفلسفة إلى مركز التفكير العربي وتوطينها في المنظومة التعليمية العربية عبر إعادة تعريف وظيفتها التربوية، وتدريسها باعتبارها كفاءة ذهنية لا مادة تعليمية. الفلسفة الحقيقية ليست وصفا للواقع بل منهجية يعبر بها الفرد عن أفكاره مهما كانت تلك الأفكار بسيطة، وأداة تُهذب الخطاب الإنساني وتعيد ترتيب بنية العقل فيه و هذا هو الإصلاح الحقيقي المنشود.
على العقل العربي ، أن يفهم العالم كما هو، لا كما يريده أو يُهيّأ له. إذا كان همّ العربي الأول هو إيجاد موطئ قدم له في عصره ودخوله التاريخ، فعليه فهم حقيقة أن الجيوسياسة ليست ساحة عدالة بل هي ميزان تُوزَن به معايير القوة وتجلياتها، ومن لا يفهم هذا إما يُدمر أو يُستعمل كأداة منتهية الصلاحية. على العقل العربي أن يفرق بين القيم الأخلاقية ذات المنبع الديني والأخرى ذات المنبع الإنساني أو العرف، ليستطيع بناء هيكل أخلاقي ناجع يدفعه نحو تبني استراتيجية جيوسياسية منتجة. التعويل الدائم وغير المشروط على عدالة النظام الدولي دون استراتيجية لبناء قوة واقعية وامتلاك أوراق ضغط متنوعة وذكية هو ضرب من ضروب الانتحار المبرمج.
على العقل العربي أن يفهم سريعا أن المنظومة العالمية لا تعاقب على أساس شبكة قيمية أخلاقية، فهذا منوط بالمحاكم فقط عندما تتوفر لها فرصة المحاكمة و تسهيلاتها، إنما تعاقب الضًُعف فقط.
إن أزمة العقل العربي لا تتمثل في نقص التوصيف والشعارات بل في غياب منهجية تعيد إنتاج خطاب متناسق مع سياقاته التاريخية. وليست في كثرة الأعداء بل هي في غياب المشروع الحامل لآمال العربي التي يعبر عنها بالبيان والبديع كلما سُمح له. إذا لم ينتقل العقل العربي فورا من تمجيد الماضي إلى صناعة الحاضر ومن استهلاك الخطابات المتكررة إلى إنتاج القوة، فسيظل ضائعا في اللامعنى يعبر عن أوهامه بمحسنات بديعية و جُمل منمقة منتهية الصلاحية يظنها عين الحكمة لا علاقة لها بأدنى معايير التداولية، سيظل معلقا في منطقة اللامعنى في منطقة الظل بين المصطلح والمفهوم باحثا عن سراب لا يجده، وسيكرس بذلك تبعيته للغير بينما يكتب هذا الغير التاريخ يكتفي هو بوصفه بيانيا.
قائمة المراجع:
الجابري محمد عابد. (2010). بنية العقل العربي (ط.9). بيروت. مركز دراسات الوحدة العربية
العروي، عبد الله. ( 1997). مفهوم العقل. دار البيضاء. المركز الثقافي العربي.
اركون، محمد. (2010). نقد العقل العربي. ترجمة هاشم صالح. بيروت: دار الساقي
الأمير،ح.ق.س. (2023). أثر الصعود الصيني في إعادة هيكلة النظام الدولي. مجلة العلوم السياسية.6.،99-130
الأمير، ح. ق. س. (2023). أثر الصعود الصيني في إعادة هيكلة النظام الدولي. مجلة العلوم السياسية, 66, 99–130. https://doi.org/10.30907/jcopolicy.vi66.675
دوغين، أ. (2004). أسس الجيوبوليتكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي (ع. حاتم، مترجم). بيروت، لبنان: دار الكتاب الجديد المتحدة.
بن نبي، مالك. ( 2007) شروط النهضة.دمشق: دار الفكر
بن نبي،مالك. ( 2008). مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. دمشق:دار الفكر.
محمود، زكي نجيب. (2003). تجديد الفكر العربي. القاهرة : دار الشرق
محمود، زكي نجيب.(2004). المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري. القاهرة : دار الشرق
طه حسين.(2001). مستقبل الثقافة في مصر. القاهرة: دار المعارف


