صادق جواد سليمان يكتب:

الفلسفة والدين

مدار الأرض وعبر التاريخ سعى الناس في مختلف مواطنهم لفهم طبيعة الوجود وظاهرة الحياة بدافع أن يرتبطوا بفهم يبعث فيهم الإطمئنان إلى سلامة الوجود وسلامة وضعهم في هذه الحياة، وفي الحياة الأخرى التي اعتقدوا أنها تلي الموت.  من بينهم، من عصر لآخر، ظهر اشخاص تميزوا بالحكمة والخلق الكريم.  هؤلاء عرضوا ما لديهم من رؤيا حول كل ذلك، وأيضا حول ما يصلح به حال الإنسان وما به يفسد، رابطين سعادة الإنسان بصلاحه وشقاءه بفساده، في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى. من صنفهم كانوا الأنبياء، وكانوا الحكماء، أي الفلاسفة (محبوا الحكمة).  رسالات الأنبياء، بمضي الوقت، انطوت على نفسها، وبذا ابتعدت عن رافد المعرفة العلمية، فركدت. أفكار الفلاسفة أنطلفت مفتوحة على المعرفة العلمية، فتطورت، وفي القرون الأخيرة صيغ بها العالم المعاصر ولا يزال يصاغ.

هذه الورقة استعراض مختصر مقارن بين معطى الأديان الكبرى ومعطى الفلسفة في الحراك الإنساني.  الورقة أيضا تعرض رؤية الكاتب حول مفاهيم الإيمان والثقافة والحضارة، وتورد نظرية يتبناها تدعو إلى اصطحاب إيجابي للقديم الراكد معرفيا على مسار الجديد المتطور معرفيا باطراد.       

 

الفلسفة والدين

الفلسفة والدين يختلفان جذريا في المرجعية المعرفية الرئيسة لكل منهما.  بالفلسفة أقصد الفكر الحر المسند بالمعرفة العلمية والمنطق العقلي.  بالدين أقصد الأديان الرئيسة والمذاهب المتفرعة منها.  في الفلسفة المرجعية المعرفية الرئيسة إنسانية، أي أنها العقل.  في الأديان هي الوحي أو الإلهام، مصدرا الكتب المنزلة أو الملهمة لكل دين ومذهب متفرع منه.  معطى العقل متطور بتطور المعرفة.  معطى الوحي أو الإلهام ثابت نصا، لكن النص يحتمل التأويل. الأديان مبناها التصديق والتقديس.  الفلسفة مبناها التنظير والتحقيق.  الأديان تعزو للحياة معنى، وتعزو للوجود غاية ماورائية.  الفلسفة تسكت عن ذلك، لكنها، كما الأديان، تدعو الإنسان أن يحيا هذه الحياة بخلق كريم وهدف نبيل، يصبان معا في تحقيق النماء والصلاح في الذات وفي عموم الحراك الإنساني.     

الفلسفة من منظورها ترى الأديان نتاجا إنسانيا، وإن كان مؤسسوها الأنبياء قديما أضفوا عليها قداسة بعزوها لمصدر لاهوتي، أي مصدر ماورائي خارج الاجتهاد الإنساني، ومن ثم درج العوام على اعتبار كونها كذلك حتى يومنا هذا.  أما الأديان فهي ترى الفلسفة عرضة للخطأ والشطط، وتراها أيضا  قاصرة عن تحسس البعد الوجداني/الروحاني الذي تراه الأديان مستبطنا فطرة في طوايا الإنسان.  هي أيضا ترى أنها وحدها الممكنة للإنسان من تحسس ذلك البعد الوجداني/الروحاني والارتباط به، أي البعد الذي يبتعث في نفس الإنسان الطمأنينة وسط اضطرابات الحياة، ويضمن له حياة ميسرة في الآخرة.

الفلسفة تتفهم الأديان ومحتوياتها من معتقدات غيبية، وتخمينات طبيعية، وشعائر تعبدية، وشرائع حياتية، ومنظومات أخلاقية، بمعنى: مع أنها لا تتفق مع منطلقات الأديان وجل معطياتها، إلا أنها تتفهم دواعي تشكل الأديان على نحو ما تشكلت وأورثت الأجيال المتعاقبة، كل دين بأثر من واقع البيئة الثقافية التي نشأ من رحمها.  من جهتها الأديان لا تقر بالأفكار الفلسفية كونها أقكارا غير منضبطة بضابط لاهوتي/ ماورائي، أي الضابط الذي تراه الأديان ضروريا لأجل ضمان سلامة التفكير واستقامة المسلك لدى البشر.  إلا أن الأديان لا تغفل عن رؤية ما في المنطق العقلي الفلسفي من مساحة عريضة لتأويل نصوصها الموحاة أو الملهمة تأويلا موضوعيا، أي بما لا يتناقض مع المعرفة العلمية المستنبطة بالاجتهاد الإنساني.

مجمل القول: الأديان ظلت ولا تزال على رؤية الفلسفة خصما متحديا لأطروحاتها الغيبية، وفي المقابل الفلسفة ظلت ولاتزال تنظر للأديان أنها معيقة لنماء الاجتهاد الإنساني المعرفي الحر في فهم طبيعة الوجود، وتشكل الكون، ونشوء الحياة، ووضع الإنسان ضمن الكون كائنا حيا، واعيا، ومحكوما، كأي شيء آخر في الوجود، بالسنن الكونية التي لا يعتريها تبدل ولا تحول.  بالنتيجة، ألفلسفة والأديان كلاهما ظل ولا يزال ينظر إلى الآخر ويتعامل معه بتحفظ وحذر.

مع كل ذلك، لا نُعدم في البحث المعرفي سعة للمقاربة بين الفلسفة والأديان، حيث يمكننا النظر إلى الأديان من منظور فلسفي متفهم، وإلى الفلسفة من منظور ديني متفهم.  المقاربة تبدي أنه رغم التباين بينهما في المرجعية المعرفية الرئيسة، أي العقل لدى الفلسفة، والوحي والإلهام لدى الأديان، وكذلك رغم التباين بينهما في جل المحتوى الفكري، (مع ذك) هنالك تلاق بين الاثنين عند مقاصد إصلاح الإنسان خلقيا، إنمائه معرفيا، تيسير معاشه، وإسعاد حاله.  أضف إلى ذلك أن الفلسفة والأديان تشاركا تاريخيا في توسيع أفق المعرفة عامة، كما أنهما ساهما، كل من منطلقه ومنظوره، في تنظيم حياة المجتمعات وترشيدها وتهذيب أخلاق الأفراد.  أضف أيضا أن الإدراك بالوحي أو الإلهام لا يعدو كونه في الحقيقة كمثل الإدراك بالمعرفة والمنطق العقلي، إذ أن كليهما مُفرَز عقلي صميم يأتي مفعلا من ملكة خاصة به من ملكات العقل.  أخيرا، الفلسفة والأديان كلاهما يمكن أن يفتح مدخلا إلى ملامسة البعد الوجداني/الروحاني في وعي الإنسان.

الإيمان

الإيمان هو غير الاعتقاد بعقائد الأديان.  إنه بالأحرى حال وجداني يمكن أن يوجد عند أهل أيما دين وأيضا عند من لا يدين بدين.  من أدل سمات الإيمان نقاء الضمير، صدق الحديث، صالح العمل، سمات يمكن تبينها جليا من عموم أداء المؤمن تجاه الغير ومن التزامه الصميم بالمشترك الإنساني. الأديان تلجأ للإغراء بالوعد، وللردع بالوعيد، لحمل الناس على قبول ما تدعوهم إليه وإطاعتهم لما تمليه. الإيمان لا يغري بوعد ولا يردع بوعيد، وإنما يبعث اطمئنانا في نفس المؤمن إلى سلامة الوجود وسلامة وضع الإنسان في الوجود، حيا أو ما بعد الموت.  إنه يسري من قناعة راسخة أن سلامة السير وصحة الاتجاه ضمن وجود متقن يكفلان، كاستتباع منطقي، سلامة المصير.

لا يُحَس في الإيمان إجهاد للعقل، بل يسر وراحة له.  ذلك أن العقل يعمل بأوفق هديه وأوفى طاقته حين يكون آمنا على ذاته، مطمئنا، إلى محيطه، هادفا في تفكيره، مشدودا إلى فطرة الصلاح والنماء فيه، وغير أس ولا فرح بما فات وما هو آت.  أيضا، ما يبدعه العقل من حال الإيمان لا ضير فيه ولا ضرر منه ولا تحفظ عليه، إذ ان العقل قي حال الإيمان ينشط من فطرة تدفعه ليستكشف ما حوله مستنبطا ما يضمن سلامته، ينمي مداركه، ويزكي حراكه.  ولأنه يتطور فهو في حال استنباط مستدام وتحسس لا ينقطع لما ينفع أو يضر، ولما يُعين أو يعوق تطور حال الإنسان عامة للأمثل.  بهذا المعنى، الإيمان يعمل بمعزل عن إملاءات عقائد الأديان، ويحدو بالإنسان، بتواؤم مع العقل، نحو منظور شرح للوجود ومنه نحو أداء مثيل تجاه الإنسانية جمعاء.

الثقافة، الدين، الحضارة 

هنالك صلة عضوية بين الثقافة والدين والحضارة.  الثقافة هي الأصل، تنشأ عفويا  في كل مجتمع، صغير أو كبير، إبان مراحل تكون المجتمع وتماسكه، بصرف النظر عن المستوى المعيشي أو المعرفي لذلك المجتمع.  من رحم الثقافة، عند نضوجها، يتولد الدين، ومن توسع الدين وتوافره في المعرفة تنبثق الحضارة.  من هنا تعتبر الحضارة أعم إطار لحراك  الإنسان، ومن حراكها تتبلور قابليات الأشخاص والأمم للارتقاء معرفيا وخلقيا واقتدارا على الإبداع، ومن ثم على تنظيم وتدبير سائر شؤون الحياة على أوفق وجه.  بلفظها العربي الحضارة، بأوسع تعريف لها، يمكن أن تعني الحضور الكامل للإنسان في الوجود، أي الحضور بكامل وعيه لماهيته الوجودية ضمن محيطه الكوني، ولهوياته الانتمائية ضمن عالمه الإنساني. بوعيِ صميمِ بهما معا يأتي تفكير الإنسان سليما، وتباعا يأتي تصرفه سديدا في كل ما يبدر منه من قول أو فعل.     

في خبرتنا العربية، الحضارة الإسلامية انبثقت من ترافد وتزاوج معطى الإسلام كدين ومعطى الفلسفة المقتبس ابتداء من مختلف الحضارات كفكر حر مسند بالمنطق العقلي والمعرفة العلمية. من هنا تعتبر الحضارة الإسلامية أوسع أفقا وأشمل محتوى وأشرح نفَسا من الإسلام كمحض دين.  مثل ذلك ينطبق على الحضارة الغربية كونها انبثقت من رحم  الديانتين اليهودية والمسيحية، إنما بأفق أوسع ومحتوى أشمل ونفس أشرح من معطى كل من اليهودية والمسيحية كمحض دين.  بمثل ذلك أيضا يمكن أن يعزى تطور الحضارة الهندية في حلتها المعاصرة إلى تلاقيها مع الحضارة الإسلامية التي وسعت أفقها الثقافي المعرفي إبان العهد المغولي، ثم تاليا بتلاقيها مع الحضارة الغربية التي جلبت لها سائر واردات العصر الحديث من معارف ومفاهيم ونظم وابتكارات صناعية.

 

تعددية الأديان

 

الثقافات في الحراك الإنساني عديدة ومتنوعه، وأيضا متفاوتة في درجة النضوج.  أما الديانات الرئيسة التي امتدت إلى عصرنا من زمن قديم،  فثلاثة منها، اليهودية والمسيحية والإسلام، تعرف بالسماوية وأيضا بالإبراهيمية.  منشأ الثلاثة واحد: المشرق العربي.  هي أيضا تتماثل في جل معتقداتها الغيبية، وتخميناتها حول الكون والحياة، وأطروحاتها حول خلق الإنسان وحراكه حيا وحول مصيره بعد الموت.  صحفها المقدسة – التوراة، الأنجيل، القرآن – تحكي رواية متماثلة أيضا  فيما احتوت عن ابتعاث الأنبياء وسيرهم وشراعئهم والقصص الواردة عنهم، بما في ذلك المعجزات والكرامات التي نسبت إليهم للتدليل على صدقية كون رسالاتهم من مصدر لاهوتي/ ماورائي.  كل ذلك يخبر بتفصيل مذهل عن وجود تواصل مفاهيمي/عقائدي صميم على نطاق وسيع، رغم الفارق الزمني المديد  بين ظهور كل منها: اليهودية قبل 4000 عاما، المسيحية قبل 2020 عاما، الإسلام أخيرا قبل 1400عاما. 

 

إلا أن اليهودية والمسيحية لا تعترفان بالإسلام كدين سماوي، ولا بنبي الإسلام كنبي مرسل، ولا بقرآن الإسلام ككتاب منزل، بينما الإسلام يعترف بكليهما كدين سماوي، وبكل من نبي اليهودية ونبي المسيحية كنبي مرسل، وبكل من توراة اليهودية وإنجيل المسيحية ككتاب منزل.  كما أن في الإسلام اعتبار خاص تجاه اليهودية والمسيحية، ومن ذلك  إضفاء صفة "أهل الكتاب" على معتنقيهما دون معتنقي سائر الأديان.  في المقابل، لا يوجد اعتبار مماثل لدى اليهودية والمسيحية تجاه الإسلام.

 

أديان ثلاثة أخرى نشأت في شبه القارة الهتدية: (الهندوسية)، (البوذية)، (الجينية)، وهذه تتشارك معتقد (التقمص) القائل بعودة الإنسان بعد الموت مكررا للحياة، حسب حاجة كل شخص لأجل التطهر من جميع الأدران العالقة به قبل انتقاله إلى عالم أرقى.  المعتقد المشترك الآخر (كرما) هو عن ارتداد ما يصدر من الإنسان إليه، خيرا بخير وشرا بشر، في هذه الحياة، أو في حياة أو حيوات قادمة، وهذا وفق سنة طبيعية تسري تلقائيا في الحراك البشري.  هذا المعتقد يتماهى مع ما نقرأ في القرآن: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره – الزلزلة 7.)  أضف إلى ذلك أن الأديان الثلاثة تتشارك أيضا أمورا ثلاثة اخرى: كره أكل لحوم الحيوانات، أزلية الكون وأبديته، وإمكانية الارتقاء إلى حالة مثلى تنتهي عندها جميع مكابدات الإنسان في هذه الحياة (نرفانا).  

 

إلا أن (البوذية) و (الجينية)، خلاف (الهندوسية) التي انبثقتا منها، لا تقران بآلهة ماورائية، بل تريان أن استهداء الإنسان في فهم طبيعة الوجود وسبل ارتقائه في إنسانيته أمر مرهون بعملية رياضية ذاتية، أسوة بما تحقق في وعي مؤسسيها، (بوذا)  و(مهاويرا) اللذين هجر كل منهما حياة القصر الملكي وذهب يسعى للاستنارة من داخل ذاته بدل التعلق بهُدى ينزل عليه من السماء.  لتحقيق ذلك دخل (بوذا) في حال تأملي عميق امتد ست سنوات من الإعتكاف في عزلة غابة كثيفة، والتزم (مهاويرا) بالصمت لاثني عشر سنة.  كلاهما  كان قد هاله ما لاحظ من مكابدات البشر في الحياة، فسعى لاكتشاف طريق للخلاص.  وعندما خرجا من العزلة والصمت أعلن كل منهما في مجتمعه ان الحياة كلها تعب (تعب كلها الحياة فما أعجب إلا لراغب في ازدياد – المعري) كما أن كلا منهما عرض منهاجا لاستنارة الناس كافة، زاعما أن بالإمكان إزالة المكابدة باتباع منهاج حياتي رصين قوامه إجمالا سلامة التفكير، صدق الحديث، صالح العمل.  أيضا (البوذية) و(الجينية) رفضتا التمييز العرقي الطبقي الذي سنته الهندوسية، كما أنهما لم تقرا بجدوى التعبد والتوسل بالدعاء، ولا اوليا الصدقية المطلقة للصحف الهندوسية المقدسة.  

 

اما المفارقة بينهما فإحداها أن (البوذية) انتهجت الاعتدال في نمط العيش (...كلوا واشربوا ولا تسرفوا – اعراف 31)،  يينما جنحت (الجينية) للتقشف المفرط، وحرمت مطلقا إزهاق روح أي كائن حي (أهمسا)، لدرجة أنها حظرت الاشتغال بالزراعة خشية أن تقتل بالحراثة ديدان تدب تحت التربة.  مفارقة أخرى أن (البوذية) اعتبرت روح كل إنسان جزءا من الروح الكونية، لذا إليها تعود روح كل شخص بعد موته.  (الجينية)، خلاف ذلك، رأت أن روح كل إنسان خاصة به وحده ولا وجود لروح كونية.  (البوذية) لم تنتشر كثيرا في موطنها الهند، لكنها لاقت قبولا واسعا في كل من سري لنكا وبرما وثايلند والصين وتيبيت وكوريا واليابان.  أما (الجينية) فبقت منحسرة في عدد قليل من التابعين ضمن موطنها الهند.  

 

ثلاثة أديان أخرى نشأت في الشرق الأقصى: (الكنفوشية) و (الداوية) في الصين، و(الشنتوية) في اليابان. (الكنفوشية) و(الداوية) ليستا في الحقيقة دينا، بل هما مدرستا فلسفة عمت أطروحات كل منهما عموم الصين فاعتبرتا بمثابة دين.  (الداوية)  ألمحت إلى (الداو) كمبدأ كوني يسري في كل شيء في الوجود، لكنه لا يحد بتوصف (ليس كمثله شيء – الشورى 11). 

 

المفارقة بين (الكنفوشية) و(الداوية) أن (الكنفوشية) تؤكد تقويم العرف العام سبيلا لتقويم المسلك الخاص، لذا تدعو إلى إرساء عرف اجتماعي سليم يلتزم به جميع الأفراد.  (الداوبة)، عكس ذلك، تؤكد تقويم المسلك الخاص سبيلا لتقويم العرف العام، لذا تدعو إلى إصلاح الأفراد ابتداء لأجل خلق مجتمع صالح.  الثالثة، (الشنتوية) اليابانية، تقول بوجود آلهة تعنى بالشأن الإنساني، وبكون الامبراطور الياباني منحدرا منها، لكنها تحمل شغفا فائقا يماثل التعبد بجماليات الطبيعة على الأرض.  هذه الثلاثة، أديانا سُميت أو مدارس فلسفية، هي شاسعة البون عن الأديان التقليدية.  قليل فيها من قبيل طقوس تعبدية، وقليل حول غاية نهائية للحياة على الأرض، وقليل من اهتمام بمصير الإنسان بعد الموت.  ما يرد فيها كأفكار تأصيلية بارزة هي توقير الأجداد والنظر المعمق في سيرهم بغية الاسترشاد بحكمتهم في تدبير الأمور الحياتية في الحاضر.  يراد أيضا التأكيد على مسلك اجتماعي سوي، وعلى تملك الشجاعة والإقدام في مواجهة تحديات الحياة.     

  

أضف لهذه التسعة دين فارس القديم (الزرادشتية) المسماة أيضا ب (المجوسية أو عبادة النار) التي ترى حراك العالم صراعا بين آلهة الخير وآلهة الشر، إلا أنها تقرر الغلبة في المؤدى الأخير لآلهة الخير بمساعدة الإنسان لها في الصراع.  بعض معتنقي هذه الديانة، التي تنعت أيضا ب "الثنائية الكونية"، إثر مجيئ الإسلام إلى أيران، هاجروا إلى الهند، ولا تزال سلالاتهم هناك تشكل طائفة زرادشتية.  وهناك أخيرا  دين (بوذية زين)، المشتق من (البوذية) الأم، والذي يرى الحقيقة متسترة وراء ستار كثيف لا تُبصر منه إلا عن طريق حل ألغاز عصية.  أما المذاهب المتفرعة من هذه الأديان الأحد عشر الرئيسة فعديدة ومتشعبة، ونشأتها في الغالب تعزى لخلاف عقيدي جزئي ينشأ لاحقا مع الديانة الأم.

 

الحضارات

 

الحضارة غير الحداثة.  الحداثة تعني جملة المنتجات والمهارات والأنظمة المستحدثة في كل عصر، يمتلكها ويستعملها الجيل المعاصر عبر العالم  بنسب متفاوتة بين الدول.  معطيات الحداثة تبتكرها الدول المتقدمة وتستوردها الدول النامية، كل حسب استطاعتها الإقتصادية.  مجرد امتلاك معطيات الحداثة واستعمالها لا يتترجم بالضرورة إلى حال حضاري، ذلك أن معيار  الحال الحضاري يختلف: هو كأمر أساس يمت إلى استقرار المبادئ والقيم الصائنة حقوق الإنسان، الميسرة معاشه، المنمية قدراته، المسعدة حاله.  بهذا المعنى تحضّر المجتمعات يكون بمقدار ما هي تفي بالمعيار الإنساني، بصرف النظر عن مقدار امتلاكها واستعمالها معطيات الحداثة.  في الخلاصة، الحداثة  قد تهيئ للأرتقاء الحضاري، لكنها لا تصنعه.

 

أبرز الحضارات في عصرنا: الغربية، الإسلامية، الصينية، اليابانية، الهندية.  لا تخلو حضارة من ترافد الفلسفة والدين في صياغتها عبر زمن مديد.  خلاف الثقافات والأديان، التي عرف عنها التخاصم والاحتراب مرارا عبر التاريخ، فإن الحضارات، عكس ذلك، حيثما تتقابل تتعارف وتتقابس.  آية ذلك أننا نجد في كل حضارة أثرا حميدا لمعارف وإبداعات حضارة أو حضارات أخرى.  مثلا، في الحضارة الغربية، في تدرجها نحو الثورة المعرفية التي لاحقا أحدثت تحول المجتمعات الغربية من المنهاج الديني إلى المنهاج العلماني، ومن النظام الأوتوقراطي إلى النظام الديمقراطي، نجد من قبل ذلك حراكا معرفيا مشهودا نشأ في الحضارة الاسلامية ابتداء (القرون الهجرية الأولى) ومهد للثورة المعرفية الأروبية التي أدت تباعا إلى هذين التحولين التاريخيين.  

 

إسهامات الحضارة الإسلامية المعرفية التي أسست باقتباسها الحضارة الغربية صرحها المعرفي شملت مختلف العلوم المصنفة في وقته، أبرزها الكيمياء، الرياضيات، الفلك، الفيزياء، الطب.  الحضارة الإسلامية بدورها كانت قد اقتبست معرفيا من حضارات أخرى، كحضارات اليونان وفارس والهند والصين، قبل أن تعلي صرحها المعرفي فوق ما اقتبسته وتباعا توفره لاقتباس الأروبيين.  يشهد بذلك أن مصنفاتها كانت تترجم إلى اللاتينية ويدرس منها في الجامعات الأوروبية حتى القرن الخامس عشر.  من تلك المصنفات، مثلا، كانت الموسوعات الطبية لابن سيناء ( القانون)، الرازي (الحاوي)، وابن رشد (كليات الطب)، إلى جانب مصنفات حوت تنظيرات بدائية رائدة حول موضوعات هامة أخرى، منها مسار جريان الدم في الجسم (المجوسي)، انتقال الأمراض بالعدوى (ابن خطيب وابن خاتمة)، وسنة تطور الكائنات (المسعودي: من جماد إلى نبات إلى حيوان إلى بشر).

 

 

الخلاصة – نظرية الاصطحاب

 

في التعامل مع العلاقة بين الفلسفة والأديان لا أرى الفصم كليا بينهما، ولا النظر إليهما كخصمين بينهما برزخ  مستدام.  ما أراه هو اصطحابهما معا – الأديان بجميع مذاهبها، والفلسفة بجميع مدارسها - في نسق تواؤم معرفي وخلقي يثري الخبرة الإنسانية عامة ويوجهها اطرادا وجهة سلام وصلاح، ويلبسها حلة سعد ويسر.  لا أرى اجترار الانتقاد والتفنيد لواردات الأديان كلما وجدنا فيها تعارضا مع المعرفة العلمية المعاصرة والمنطق العقلي، فالأديان، كما أسلفت، مبناها التصديق والتقديس، لا التنظير والتحقيق.  ما أراه هو الانصراف عن ذلك والالتفات إلى ما تحتويه الأديان مما ينفع الناس، وهو كم وفير.  لا أرى الاستهانة بمنظومة الضوابط  الخلقية التي أكدتها الأديان، بل تثمين ما أودع الأولون في طواياها من رشد وحض على التقوى ومكارم الأخلاق.  أخيرا لا أرى التغافل عما في الصحف الدينية المقدسة من بصائر حول النفس البشرية ومن نصح بما يصلح به حال الإنسان ويرتقي، وتحذير مما يفسد به ويتدنى، ايا كانت معتقدات الأشخاص والملل، في أي زمان ومكان. 

 

بهكذا اصطحاب إيجاني قائم على التعارف والتقابس بالحسنى ستتراجع وتيرة التخاصم والتنافر بين الفلسفة (الحكمة قديما) والأديان.  أيضا، سيتوسع الأفق المعرفي الإنساني ويتعمق، وتتاح إمكانات تسام مطرد نحو الأمثل للإنسانية جمعاء.  بهكذا اصطحاب إيجابي ستحفظ الأديان كما هي جاءت بجميع أطروحاتها وتصان دون مساس، إرثا ثرا زاخرا يخبرنا عن محتوى تفكير الأولين، بخطأه وصوابه، بغثه وسمينه، بشكل وثيق. 

 

أما الفاسفة فتترك لتنطلق باجتهاد حر في سبر أغوار المعرفة واستنباط فهم متطور دأبا للأوسع والأعمق والأصح لطبيعة الوجود، لتركيبة الكون، للسنن الكونية السارية دون تبدل أو تحول، لنشوء الحياة على الأرض وتطورها في أجناس شتى، ولظهور الإنسان مؤخرا جنسا مميزا وتطوره إلى ما هو عليه اليوم وما يمكن أن يكون عليه في غد منظور وبعدغد غير منظور ... كل ذلك دونما رهبة تعترينا من السير قدما في استظهار المكنون واختراق المجهول.  المعرفة العلمية تتضاعف طردا لدى الإنسان من جيل لجيل، وعلى مسارها المتسارع يتطور إنسان هذا العصر طارقا بريادة جريئة مجالات كونية ذات ظواهر محسوسة، وأخرى ذات طوايا لطيفة لامحسوسة.  في هذا المشوار المفتوح أمامه والمتاح له لعل الإنسان يجد في كل ارث أسلافه، الفلسفي والديني معا، ما يقوي عزيمته، يرشد مسيرته، ويجعله يقطع هذا المشوار اللامتناهي، جيلا إثر جيل، مستأنسا بتنامي مدارك عقله، مغتبطا بوفور أسباب عيشه، ومستمتعا بهبة الحياة.***