إبراهيم الزبيدي يكتب:

تجريم التطبيع العراقي.. وطنية أم سياسة؟

من نوافل القول إن الشعب العراقي كان، بخلاف أغلب أشقائه العرب، يكره الظلم والعدوان، ولا يصبر كثيرا على الحاكم الظالم أيّا كانت قوته وجبروته. وتاريخه المليء بالانقلابات والثورات والانتفاضات شاهد على ذلك.

وفي الشأن الفلسطيني يصعب إنكار بطولات أبنائه في مقاتلة الغاصب الإسرائيلي، وفي التضحية، أكثر من غيره من العرب، بالنفس. والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

وعليه فهو لم يكن في انتظار نواب تحرك الجارة الشرقية بعضهم، وآخرين تُمدهم الجارة الشمالية أو الغربية أو الجنوبية أو الولايات المتحدة بالقوة والسند، وتحملهم على أكتافها، وبسلاحها ودولاراتها، لتدخلهم جنة البرلمان لكي يأمروه بأن يقف مع الحق الفلسطيني، وبأن يرفض الإثم والعدوان.

وقانون تجريم التطبيع الذي أصدره مجلس نواب أحزاب المحاصصة وُلد ميتا، لأن ثلاثة أرباع الذين صوتوا بـ”نعم” عليه كانوا مطبعين، أو مشاريع تطبيع مستقبلية في طريقها إلى الظهور.

لقد تسرع مقتدى الصدر فأصدر تغريدة غاضبة جدا على رئيس الجمهورية، الدكتور برهم صالح، واتهمه فيها بعدم التصديق على قانون التجريم. ورغم أن القانون كان موقعا ومنشورا في الجريدة الرسمية قبل ذلك بأيام عديدة، إلا أن الذي ينبغي أن يقال هنا هو أن توقيع الرئيس وعدم توقيعه سيان. فقد اعتبره البرلمان نافذاً من ساعة إقراره، وأصبح توقيع الرئيس عليه أمرا واقعا لا فكاك منه.

ما يعرفه العراقيون، حق المعرفة، هو أن هذا القانون ورقة سياسية إيرانية خالصة أرادت إيران أن ترد بها على الاغتيالات والهجمات بالصواريخ والمسيّرات الإسرائيلية على مواقع حساسة داخل إيران ذاتها

سؤال، هل يحق لمن يتحالف مع مطبعين، وهو عارف، أن يزايد على غيره من عباد الله العراقيين؟

فرغم أن إسرائيل صرفت نظرها، أخيرا، عن عصافير صغيرة على شجرة كردستان العراق، بعد أن أصبحت في يدها عصافير حقيقية في المنطقة أهمّ وأغنى وأقوى وأكثر عددا وعدة، إلا أن التاريخ لا يمكن أن يسقط سهوا من ذاكرة مقتدى الصدر ليضع يده في يد أكثر المطبعين عراقة في التطبيع.

فقد كشف رئيس شعبة الموساد في كردستان وإيران ولبنان سابقاً، إليعازر تسفير، خلال حوار تلفزيوني مع قناة RT العربية الروسية، كثيرا من التفاصيل السرية في ملف الاتصالات الإسرائيلية بإقليم كردستان.

وأكد أن “علاقة جهاز الموساد الإسرائيلي بدأت بطلب من  الزعيم الكردي الملا مصطفي بارزاني”.

وأكد في كتابه “أنا كردي” أن بداية تلك الاتصالات كانت في عام 1965.

كما تحدث كاتب سياسي إسرائيلي، ليس عراقيا ولا عربيا، بل هو المحلل إيهود يعري المعروف بعلاقاته الوثيقة بمراكز صنع القرار في إسرائيل، علنا، وعلى شاشة القناة 12 الإسرائيلية، فأوضح أن إسرائيل نادمة على ما استثمرته، لعقود من الزمن، وبشكل متناوب، في البرنامج الكردي لتحقيق الاستقلال.

وعدّد أهم أنواع ذلك الاستثمار فقال إنها كانت “مساعدات عسكرية، وفود استشارية، طواقم طبية، مساعدات دبلوماسية، مشتريات نفطية سرية”.

ويقول “الواقع أنهم يقومون، بأنفسهم، بإضاعة الفرص التي تسنح لهم”، “فهم مشغولون، ومنذ فترة طويلة، بتصفية حسابات داخلية، ويُفضِل قادتُهم مقاطعة بعضهم بعضا، وتبادل الشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي”.

وهنا نسأل، هل إن مقتدى لم يطلع على هذا التاريخ؟ ثم، هل إنه وضع يده في يد زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود بارزاني، بعد أن أعلن توبته عن العلاقة بإسرائيل؟ ثم ما معنى الصواريخ الإيرانية ومسيرات ميليشياتها على أربيل؟

قانون تجريم التطبيع الذي أصدره مجلس نواب أحزاب المحاصصة وُلد ميتا، لأن ثلاثة أرباع الذين صوتوا بـ"نعم" كانوا مطبعين، أو مشاريع تطبيع مستقبلية في طريقها إلى الظهور

وحين صوّت نواب الحزب الديمقراطي الكردستاني، مع نواب التيار الصدري على قانون التجريم ألم يتساءل عن الحقيقة؟

إن ما يعرفه العراقيون، حق المعرفة، هو أن هذا القانون ورقة سياسية إيرانية خالصة أرادت إيران أن ترد بها على الاغتيالات والهجمات بالصواريخ والمسيّرات الإسرائيلية على مواقع حساسة داخل إيران ذاتها، وعلى معسكرات الحرس الثوري وحزب الله اللبناني والميليشيات العراقية في سوريا ولبنان.

ثم ألم يعلم مقتدى بأن الأحزاب التي صوتت بالإجماع على قانون تجريم التطبيع تمكنت من وراثة نظام صدام حسين برضا القادة العسكريين والمدنيين الأميركيين المأمورين من واشنطن بتسليم السلطة إلى أحزاب إيران، ومنهم ضباط أميركيون كبار يهود؟

والآن، وبعد الانتصار الإسرائيلي – الأميركي على فكرة التحرير والمقاومة والممانعة، وبعد دخول مصر والأردن والبحرين والإمارات والمغرب والسودان إلى خيمة السلام مع عدوّ الأمس، ولم تبق سوى السعودية لتكتمل الحبكة الدرامية لمرحلة الشرق الأوسط الجديد، هل ستظل أحزاب إيران العراقية وحليفاتها الكردية والسنية صامدةً أمام هذه العاصفة، خصوصا إذا توصل نظام المقاومة والممانعة الإيراني إلى اتفاق مع الغرب (الكافر) على وقف برامجه النووية والصاروخية، وقرر أن يجنح للسّلم وقرر مسايرة الموجة والقبول بنعمة التطبيع، ولو على مراحل، وتحت الطاولة؟

يتساءل رئيس تحرير صحيفة “تشرين” السورية، في مقال افتتاحي “هل نحن أعداء لإسرائيل؟ وأجاب: نعم، ولا”.

“نعم: لأننا قضينا سنوات عديدة ونحن نقول إننا أعداء إسرائيل، ولكنها لا تزال تحتلّ بعض أرضنا”.

و”لا: لأن أمورا كثيرة تجمعنا بهذه الدولة الجارة، أهمها مكافحة الإرهاب، وهي قد تتطوع لتحسين علاقاتنا مع الولايات المتحدة التي لا تزال مقيمة في بلدنا، وعلينا أن نتعامل معها بما أمكن من إيجابية وتفهم”.

طبعا ليس من الجائز ولا المعقول أن يكتب رئيس تحرير صحيفة حكومية حزبية مثلَ هذا الكلام الخطير دون موافقة شخصية من بشار الأسد نفسه.

هنا نتساءل، هل أراد بشار بهذا المقال مغازلة السيدة الأولى، إسرائيل، بالتشاور والتنسيق والمباركة من النظام الإيراني شريكه القويّ في جبهة الممانعة والمقاومة، حامل لواء القدس، والمُصرّ على محو إسرائيل من الوجود في سبعة أيام؟