محمد فيصل الدوسري يكتب:

طحنون بن زايد في واشنطن: رؤية دبلوماسية إماراتية متجددة

زيارة الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، نائب حاكم أبوظبي ومستشار الأمن الوطني، إلى الولايات المتحدة جاءت في توقيت استثنائي؛ فبينما يواجه العالم تحديات اقتصادية وجيوسياسية غير مسبوقة، تواصل الإمارات تعزيز مكانتها كقوة محورية ذات تأثير عالمي، من خلال شراكة إستراتيجية متوازنة مع واشنطن تجمع بين الدبلوماسية النشطة والاستثمار في المستقبل.

تطورت العلاقات الإماراتية - الأميركية على مدى العقود الماضية، وتجددت وفق الأولويات الحديثة لتنتقل من التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني إلى شراكة عنوانها المستقبل، فالإمارات لم تعد مجرد شريك تجاري أو سياسي للولايات المتحدة، بل من خلال نموذجها المتفوق واستثماراتها الكبرى أصبحت لاعبًا أساسيًا في إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.

أصبحت التكنولوجيا الحديثة أداة للنفوذ والمنافسة الدولية خاصة الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وهي قطاعات حاسمة تشهد تنافسًا دوليًا حادًا، لاسيما بين الولايات المتحدة والصين. وتدرك الإمارات أن امتلاك هذه التقنيات سيمنحها ميزة إستراتيجية، ليس فقط من حيث تعزيز اقتصادها القائم على المعرفة، بل أيضًا في سياق التوازنات الجيوسياسية.

قد تتطرق مناقشات الشيخ طحنون بن زايد مع المسؤولين الأميركيين إلى مسألة تخفيف القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة، ما يصب في صالح بناء قدرات تقنية مستقلة. فبينما تسعى الولايات المتحدة لضبط تصدير التكنولوجيا الحساسة، تبرز الإمارات كشريك موثوق يمكنه المساهمة في الابتكار العالمي دون أن يكون جزءًا من المنافسات الجيوسياسية المحتدمة، ما يعكس رؤية طويلة الأمد تهدف إلى وضع الإمارات في طليعة الدول التي تقود الثورة الرقمية المقبلة.

الإمارات بنموذجها المتفوق ليست مجرد دولة مستفيدة من التقدم التكنولوجي والاستثمارات بل قوة تسهم بفاعلية في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي وقيادة الابتكار وضمان استقرار النظام الدولي

في عالم تسوده التحولات الجيوسياسية والتطورات التكنولوجية المتسارعة، تبرز شخصية الشيخ طحنون بن زايد بوصفه قياديّا يمتلك رؤية إستراتيجية متكاملة؛ فقدرته الفريدة على تحقيق توازن دقيق بين المصالح الأمنية والاقتصادية، ومهارته في استشراف المستقبل، جعلتاه لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح سياسات الإمارات والمنطقة في المشهد الدولي.

ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، والتغيرات المستمرة في مواقف القوى العالمية، تسعى الإمارات إلى تعزيز دورها كوسيط موثوق وقوة استقرار، والجهود الإماراتية في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا، والتي أسفرت عن العديد من عمليات تبادل الأسرى الناجحة، تعكس نهجًا دبلوماسيًا براغماتيًا يهدف إلى الحد من النزاعات وتعزيز الحلول السياسية، كما أن التنسيق مع واشنطن حول مختلف القضايا يعكس مكانة الإمارات كشريك رئيسي في استقرار النظام الإقليمي، ورغم التباينات مع بعض السياسات الأميركية مثل اليوم التالي للحرب في غزة، فإن الحوار المستمر بين أبوظبي وواشنطن سيقرب المسافات باتجاه الرؤية الإماراتية مع المبادئ الداعمة لحل الدولتين والاستقرار طويل الأمد في المنطقة.

حجم الشراكة الاقتصادية بين الإمارات والولايات المتحدة ليس مجرد أرقام وإحصاءات تُسجل في التقارير السنوية، فالصورة الكبرى تتجاوز حاجز التريليون دولار من الاستثمارات الإماراتية في الاقتصاد الأميركي، في علاقة لا تقتصر على إدارة حزب وتستثني إدارة حزب آخر أو حتى الاستثمارات التقليدية، بل تمتد إلى تحالف ديناميكي اقتصادي يؤثر بشكل إيجابي في الاقتصاد العالمي، وشراكة لا تركز على الحاضر فحسب، بل هي رهان ناجح على المستقبل.

ما يميز التحركات الإماراتية هو قدرتها على التموضع بين الدبلوماسية الذكية والمستقبل الاقتصادي، والجمع بين القوة الناعمة والصلابة الإستراتيجية. فمن خلال الاستثمار في التكنولوجيا، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، والقيام بأدوار دبلوماسية مؤثرة، ترسخ الإمارات موقعها كدولة فاعلة في النظام الدولي. ولعل هذه الزيارة تعكس بوضوح كيف تتحول الإمارات من شريك اقتصادي وسياسي إلى لاعب عالمي قادر على التأثير في مسارات المستقبل، سواء من خلال تطوير الذكاء الاصطناعي، أو توجيه الاستثمارات الضخمة، أو لعب دور الوسيط الفاعل في الأزمات الإقليمية والدولية.

في عالم متغير، تحتاج القوى الكبرى إلى شركاء محل ثقة قادرين على تحقيق الاستقرار والمساهمة في التطور الاقتصادي والتكنولوجي. وهنا تبرز الإمارات كشريك لا غنى عنه للولايات المتحدة، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على المستوى العالمي. والإمارات بنموذجها المتفوق ليست مجرد دولة مستفيدة من التقدم التكنولوجي والاستثمارات، بل قوة تسهم بفاعلية في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي، وقيادة الابتكار، وضمان استقرار النظام الدولي.