محمود حكميان نكتب لـ(اليوم الثامن):
صبر العالم ينفذ مع كشف أساليب المماطلة التي يتبعها النظام الإيراني عن ضعفه
مرة أخرى، يلجأ النظام الإيراني إلى استراتيجيته المجربة المتمثلة في المماطلة في المفاوضات النووية، محاولًا كسب الوقت في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة. في مقابلة مع صحيفة إيرانية بتاريخ 13 مارس/آذار، صرّح عباس عراقجي، وزير خارجية نظام الملالي، قائلاً: "لن نتفاوض تحت الضغط الأقصى". ومع ذلك، أقرّ في الوقت نفسه بأن المفاوضات غير المباشرة عبر القنوات الخلفية – مثل قناة مسقط العمانية – لا تزال خيارًا قائمًا، مضيفًا: "هذا ليس جديدًا ولا غير عادي؛ لقد حدث مرات عديدة في التاريخ".
هذا مثال آخر على استخدام النظام الإيراني للمناورات المزدوجة – رفض المحادثات علنًا، بينما يسعى سرًا إلى مفاوضات غير مباشرة لتخفيف العقوبات. يأمل النظام في خلق وهمٍ بالتواصل الدبلوماسي لمنع المزيد من التصعيد في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تُشكّل آلية "سناب باك" تهديدًا خطيرًا على طهران.
ظلال آلية الزناد "سناب باك"
انعقد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع خلف أبواب مغلقة لمناقشة التطورات النووية الإيرانية. وقد أثار الاجتماع حالة من الذعر داخل القيادة الإيرانية، إذ أثار احتمال تفعيل آلية "سناب باك"، التي ستعيد فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة السابقة على طهران تلقائيًا دون الحاجة إلى تصويت جديد. وقد اعترض سفير النظام الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد ايراواني، بشدة على اجتماع مجلس الأمن، وصفها بأنها "جلسة استفزازية وغير شرعية" تُشكل "خطوة سياسية سافرة" تهدف إلى الضغط على إيران.
ومع ذلك، أصبحت القوى الغربية، بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أكثر صراحةً بشأن مخزون إيران المتنامي من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يقترب بشكل مثير للقلق من مستويات الأسلحة. وتؤكد تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران زادت بشكل كبير مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪، والذي يجادل المسؤولون الغربيون بأنه لا يوجد مبرر مدني له. ردًا على ذلك، حذرت مجموعة E3 (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) من أن تحدي إيران النووي قد لا يترك لها خيارًا سوى إعادة تفعيل عقوبات الأمم المتحدة من خلال آلية سناب باك Snapback.
محاولات إيران اليائسة لتجنب آلية الزناد (سناب باك)
تسعى طهران جاهدة لمنع سيناريو سناب باك من خلال كل من أساليب الترهيب والتهدئة. في محاولة للضغط على الحكومات الأوروبية، استدعت وزارة خارجية النظام سفراء فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة للاحتجاج على موقفهم في مجلس الأمن الدولي. واتهمت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتحرك تحت ضغط أمريكي، وحذرت من إجراءات انتقامية في حال إعادة فرض العقوبات.
وفي 12 مارس/آذار، أفادت رويترز أن إيران ستشارك في اجتماع رفيع المستوى مع روسيا والصين في بكين بشأن القضية النووية، وهي خطوة مدروسة لخلق وهم الدبلوماسية مع تجاهل المفاوضات المباشرة والمساءلة.
ورغم هذه المناورات، لا يزال المجتمع الدولي غير مقتنع. فقد أدى نمط طهران في عدم الامتثال إلى تآكل الثقة، ويُنظر إلى إشاراتها الأخيرة على نطاق واسع على أنها حيلة لتأخير المساءلة بدلاً من جهد دبلوماسي حقيقي.
الأزمة الداخلية: الانهيار الاقتصادي وخوف النظام من الاضطرابات
إلى جانب الضغوط الدولية، يواجه النظام الإيراني أزمة داخلية متفاقمة تحد من قدرته على الانخراط في تحدٍّ طويل الأمد. شهدت السلع الأساسية كالأرز والزيت والشاي ارتفاعًا في الأسعار بنسبة 100%، بينما خرج سوق الإسكان عن السيطرة، حيث ارتفعت أسعار العقارات في طهران من 80 مليونًا إلى 125 مليون تومان للمتر المربع.
ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية، يخشى النظام اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، كتلك التي شهدها عامي 2017 و2019 و2022، حيث تصاعدت المظالم الاقتصادية إلى مظاهرات مناهضة للنظام على مستوى البلاد. وتكشف هذه الكوارث الاقتصادية عن التناقض الجوهري للنظام: فبينما تضخ طهران المليارات في طموحاتها النووية، يعيش أكثر من 60% من الإيرانيين تحت خط الفقر.
معركة طهران الخاسرة ضد الضغوط العالمية والمحلية
النظام الإيراني اليوم في مأزق مزدوج: عزلة دولية وانهيار داخلي. على الصعيد العالمي، تخشى طهران آلية الأمم المتحدة لإعادة فرض العقوبات، والتي من شأنها أن تزيد من شلل اقتصادها. أما في الداخل، فقد أجج الدمار الاقتصادي استياءً واسع النطاق، مما يهدد بانتفاضات شعبية.
ورغم خطابهم العدواني ومناوراتهم الدبلوماسية الخادعة، يدرك رجال الدين الحاكمون في إيران أن رهانهم النووي قد بلغ ذروته. والسؤال الآن هو: هل سيصمد المجتمع الدولي ويكشف خدعة طهران، أم سينخدع مجددًا بحلقة المماطلة والوعود الفارغة؟