ماريا معلوف تكتب لـ(اليوم الثامن):
اعتقال أكرم إمام أوغلو: بين مكافحة الفساد وحسابات السياسة
شهدت الساحة السياسية التركية تطورًا مثيرًا باعتقال رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو، بتهم تتعلق بالفساد ومساعدة منظمة إرهابية. فجّرت هذه الخطوة موجة احتجاجات واسعة وانقسامًا بين المعارضة والحكومة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول دوافعها وتداعياتها على مستقبل تركيا السياسي والاقتصادي.
لم يكن إمام أوغلو شخصية عادية؛ فقد أصبح رمزًا للمعارضة بعد فوزه التاريخي ببلدية إسطنبول عام 2019، متغلبًا على مرشح الحزب الحاكم، بن علي يلدريم. أعيدت الانتخابات آنذاك، لكنه فاز مجددًا بفارق أكبر، ما رسّخ مكانته كخصم سياسي بارز للرئيس رجب طيب أردوغان ومرشح رئاسي محتمل.
وفقًا لمصادر سياسية تركية، جاء اعتقال إمام أوغلو في توقيت حساس، قبل أيام من الانتخابات التمهيدية لحزب الشعب الجمهوري، مما يثير تساؤلات: هل الهدف محاربة الفساد حقًا، أم إقصاؤه سياسيًا؟
رغم تأكيد الحكومة أن الاعتقال يأتي في إطار مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون، تصفه المعارضة بـ”انقلاب سياسي ناعم” يستهدف إبعاد إمام أوغلو عن السباق الرئاسي. التهم الموجهة إليه، من الفساد إلى مساعدة منظمة إرهابية، تحمل بُعدًا حساسًا يعكس تعقيدات المشهد السياسي التركي.
إضافة إلى ذلك، أعلنت جامعة إسطنبول إلغاء شهادة إمام أوغلو الجامعية، مما قد يمنعه قانونيًا من الترشح للرئاسة، إذ يشترط الدستور التركي حصول المرشح على شهادة جامعية. هذا التطور زاد من التكهنات حول وجود دوافع تتجاوز المساءلة القانونية إلى محاولة مدروسة لتقويض المعارضة.
يضع اعتقال إمام أوغلو المعارضة أمام تحدٍ كبير: هل ستتوحد خلف شخصية أخرى، مثل منصور يافاش (رئيس بلدية أنقرة) أو أوزغور أوزيل (رئيس حزب الشعب الجمهوري)، أم أن الخلافات الداخلية ستتعمق وتضعف فرصها الانتخابية؟
من جهة أخرى، قد يتحول إمام أوغلو إلى رمز لـ”المقاومة السياسية” في نظر أنصاره، ما قد يعزز شعبيته ويعيد تشكيل خريطة الانتخابات الرئاسية المقبلة
أما حزب العدالة والتنمية، فقد يستفيد من هذه التطورات لتعزيز خطابه حول محاربة الفساد، مستهدفًا قاعدته الشعبية التقليدية. ومع ذلك، قد يدفع ثمنًا سياسيًا إذا تصاعدت الاحتجاجات وتحوّلت إلى موجة غضب شعبية واسعة
على الصعيد الاقتصادي، انعكس اعتقال إمام أوغلو فورًا على الأسواق، حيث تراجعت الليرة التركية أمام الدولار، وهبطت مؤشرات البورصة، ما يعكس قلق المستثمرين من احتمال استمرار التوترات السياسية.
ولا يقتصر الأمر على تراجع العملة؛ فاستمرار هذه الأزمة قد يضر بثقة المستثمرين الأجانب، ويعيق تدفق رؤوس الأموال، مما يضيف أعباء جديدة على الحكومة، خاصة في ظل تراجع النمو وارتفاع التضخم.
يشكل اعتقال إمام أوغلو نقطة تحول حاسمة في المشهد السياسي التركي. وبين من يراه “محاسبة قانونية” ومن يعتبره “تصفية سياسية”، تبقى تركيا مقبلة على مرحلة أكثر تعقيدًا، تتشابك فيها الحسابات السياسية مع التحديات الاقتصادية.
ويبقى السؤال الأهم: هل سيعزز هذا الاعتقال قبضة الحزب الحاكم، أم سيكون الشرارة التي توحد المعارضة وتغير مسار الانتخابات المقبلة؟