ماريا معلوف تكتب لـ(اليوم الثامن):
زيارة وفد مشايخ الدروز السوريين إلى إسرائيل: خطوة دينية أم تحول سياسي؟
في خطوة غير مسبوقة منذ نحو خمسين عامًا، زار وفد يضم حوالي ستين رجل دين درزي سوري إسرائيل، مما أثار موجة واسعة من الجدل على المستويين الشعبي والسياسي. وبينما وُصفت الزيارة بأنها ذات طابع ديني، نظرًا لتضمنها زيارة مقام النبي شعيب ولقاء الزعيم الروحي لطائفة الموحدين الدروز في إسرائيل، الشيخ موفق طريف، فإن توقيتها وسياقها السياسي يثيران تساؤلات أعمق حول أبعادها الحقيقية.
الزيارة، التي جرت وسط مرافقة عسكرية إسرائيلية، لم تكن مجرد لقاء روحي. فقد جاءت في ظل تحولات إقليمية معقدة، أبرزها سقوط نظام بشار الأسد وتزايد الانخراط الإسرائيلي في الشأن السوري، خاصة في المناطق التي يقطنها الدروز جنوب سوريا. كما أعلنت إسرائيل دعمها الصريح للطائفة الدرزية في سوريا، مصحوبًا بتصريحات مسؤولين إسرائيليين حول "تحالف شجاع مع الإخوة الدروز"، مما يضع الزيارة في إطار يتجاوز البعد الديني إلى بعد سياسي وأمني أكثر تعقيدًا.
إسرائيل، التي لطالما سعت لترسيخ نفوذها في الجولان المحتل، وجدت في الدروز حليفًا محتملًا. ومع إرسالها آلاف الطرود من المساعدات الإنسانية إلى المناطق الدرزية في سوريا، تحاول تل أبيب تصوير نفسها كحامية للطائفة، خاصة في وقت تتراجع فيه ثقة بعض الدروز بالنظام السوري الجديد. إلا أن هذه المقاربة قوبلت بتحفظات حادة من الداخل السوري، حيث يعتبر العديد من أبناء الطائفة أن التواصل مع إسرائيل خيانة للقضية الوطنية، وهو ما عبرت عنه أصوات درزية بارزة رافضة للزيارة.
تشكل الطائفة الدرزية أقل من 3% من سكان سوريا، وقد وجدت نفسها منذ اندلاع النزاع عام 2011 في موقع صعب. فهي لم تنخرط في المعارضة بشكل واسع، كما لم تقف في صف النظام بشكل كامل. وبدلًا من ذلك، اعتمد الدروز استراتيجية دفاعية، مفضلين حماية مناطقهم في السويداء وجبل السماق دون التصعيد مع أي طرف. ومع ذلك، بقيت علاقتهم بدمشق متوترة، خاصة مع تصاعد التهديدات من الجماعات المتشددة في الجنوب.
في المقابل، يبرز انقسام واضح بين دروز الجولان ودروز الداخل الإسرائيلي. فبينما يحمل معظم دروز إسرائيل الجنسية الإسرائيلية ويخدمون في الجيش، يرفض غالبية دروز الجولان المحتل — البالغ عددهم 23 ألفاً — الجنسية الإسرائيلية، متمسكين بهويتهم السورية. هذا التباين يعكس تعقيد الموقف الدرزي، الذي يحاول الحفاظ على توازنه وسط صراعات تتشابك فيها المصالح الإقليمية.
قد تشكل زيارة الوفد الدرزي السوري جزءًا من استراتيجية إسرائيلية أوسع لتحييد المناطق الدرزية السورية عن نفوذ النظام الجديد وحلفائه. فالاحتفاء الإعلامي الإسرائيلي بالزيارة، وتزامنها مع دعم عسكري وإنساني معلن، يعزز فكرة أن إسرائيل تريد تأمين حزام درزي على حدودها، تمامًا كما فعلت سابقًا مع جيش جنوب لبنان في ثمانينيات القرن الماضي.
وتوعد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في تصريحات سابقة "بإيذاء النظام السوري" إذا مسّ بالدروز، مما يكشف عن تحول في السياسة الإسرائيلية، من الدعم الإنساني غير المباشر إلى تهديد علني بالتدخل العسكري. هذا الخطاب يضع الدروز في سوريا في موقع حرج، فهم من جهة بحاجة إلى حماية مناطقهم من الفوضى، ومن جهة أخرى لا يريدون الظهور كطابور خامس يخدم المصالح الإسرائيلية.
رغم أجواء الترحيب التي شهدتها مجدل شمس، قوبلت الزيارة بمعارضة واسعة داخل سوريا، ليس فقط من قبل النظام، بل أيضًا من شيوخ وقيادات درزية مؤثرة ترفض أي محاولة لزج الطائفة في لعبة المحاور. وفي هذا السياق، دعا الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى الضغط على إسرائيل للانسحاب من المناطق التي توغلت فيها بعد سقوط الأسد، في إشارة تعكس إصرار دمشق على استعادة زمام المبادرة.
الطائفة الدرزية، التي لطالما عُرفت بقدرتها على التكيف مع المعادلات الإقليمية المتغيرة، تواجه اليوم معادلة أشد تعقيدًا: بين مغازلة إسرائيل لها من جهة، ومحاولات النظام السوري لاستعادة السيطرة من جهة أخرى. والسؤال الأهم الذي يفرض نفسه هو: هل تتحول هذه الزيارة إلى مقدمة لانقسام أوسع داخل الطائفة، أم أن الدروز سيحافظون على وحدتهم، كما فعلوا عبر التاريخ؟
زيارة الوفد الدرزي السوري إلى إسرائيل تبدو نقطة تحول فارقة، ليس فقط للطائفة الدرزية، بل للمنطقة بأكملها. فبين حسابات السياسة وتعقيدات الهوية، يجد الدروز أنفسهم اليوم في مفترق طرق مصيري: هل يمكنهم الحفاظ على توازنهم التاريخي في وجه محاولات الاستقطاب، أم أنهم سيدفعون ثمن تحولات لا يتحكمون بها؟ وهل هذه الزيارة بداية لمرحلة جديدة من التقارب الإسرائيلي-الدرزي، أم أنها مجرد حلقة عابرة ستترك جرحًا أعمق في نسيج الطائفة الممزق أصلًا بين الولاء للوطن والمصالح الطارئة؟
في لعبة النفوذ الإقليمي التي لا ترحم، قد لا يكون للدروز ترف اختيار الحلفاء، لكنهم بلا شك يملكون القدرة على تحديد مصيرهم — إن قرروا التمسك بوحدتهم وتاريخهم الذي صمد أمام عواصف أشد من هذه.