أنتصار سنهوري تكتب لـ(اليوم الثامن):
السعودية التي في قلوبنا... أم التي في قفص الإخوان والتطرف والحقد على الجيران؟
في ظل ما تشهده العلاقات بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية من تقلبات، وبخاصة بعد إعلان ترامب عن صفقة F-35 المزعومة، يجب التفريق بين النظام السعودي الذي يغرق في مستنقع معاداة السامية والتآمر مع الإخوان المسلمين والتيارات المتطرفة، وبين أي وهم عن "شعب أصيل" – فالشعب السعودي نفسه قد أساء إلى الإمارات مراراً وتكراراً، وشارك في حملات التحريض والكراهية ضد دولة اختارت السلام والتقدم بدلاً من الرجعية والتخلف.
لا مجال للتملق هنا: الشعب السعودي – أو على الأقل شريحة واسعة منه التي تتفاعل على وسائل التواصل وتدعم الخطاب الرسمي – ليس بريئاً. هم من يروجون لمقالات مثل مقال التويجري في "الجزيرة"، يصفون الإمارات بـ"العمالة للصهيونية" و"الغباء" و"حصان طروادة إسرائيلي"، ويحتفلون بالكراهية المقنعة ضد اليهود والتطبيع. هذا ليس مجرد "نظام"، بل ثقافة منتشرة يغذيها نظام التعليم والإعلام والمساجد، حيث تُصنف السعودية عالمياً – حسب تقارير ودراسات موثوقة – كواحدة من أبرز مصادر معاداة السامية في العالم العربي: كتب مدرسية تُسمي اليهود "قردة"، خطب جمعة تروج لمؤامرات "بروتوكولات حكماء صهيون"، وإعلام رسمي يردد سرديات الكراهية نفسها التي تستخدمها إيران وحماس.
والنتيجة واضحة: واشنطن – التي تعهدت لإسرائيل بـ"التفوق العسكري النوعي" (Qualitative Military Edge) – لن تسمح أبداً بأن تصل طائرات F-35 المتطورة إلى يد نظام وشعب يغذي خطاب الكراهية ضد اليهود، ويسمح لكتاب مثل التويجري بأن ينعتوا التعاون العربي-الإسرائيلي بأبشع الأوصاف. الصفقة التي روّج لها ترامب في نوفمبر 2025 كانت مجرد كلام انتخابي فارغ في البداية، لكن حتى لو تقدمت، فالبنتاغون والكونغرس سيوقفونها أو يحولونها إلى نسخة "مخففة" مهلهلة لا تساوي حتى طائرات الـF-15 القديمة، بل ربما يلغونها كلياً إذا استمر الخطاب التحريضي الرسمي والشعبي في الانتشار. فكيف يُعطى سلاح متقدم لمن يحتفل بالكراهية ويهاجم السلام؟
والأدهى: العلاقة بين ترامب نفسه وولي العهد محمد بن سلمان أصبحت باردة جداً بعد الزيارة الشهيرة لواشنطن في نوفمبر 2025. عقد ترامب آمالاً عظيمة على تلك الزيارة لإقناع الرياض بالتطبيع مع إسرائيل فوراً، حتى أن ميلانيا ترامب ارتدت فستاناً أخضر زمردياً (لون علم السعودية) في العشاء الرسمي تكريماً لولي العهد، في إشارة دبلوماسية ناعمة واضحة للتقارب والأمل في صفقة تاريخية. لكن بن سلمان رفض الضغط، وأكد أن "الرأي العام السعودي غير جاهز" بعد حرب غزة، وتمسك بربط أي تطبيع بحل الدولتين ودولة فلسطينية. المحادثات كانت "متوترة"، وخرج ترامب "محبطاً وغاضباً" حسب تقارير مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين (مثل قناة 12 وأكسيوس). هذا الرفض أثار غضب ترامب، الذي كان يرى في التطبيع السعودي-الإسرائيلي تتويجاً لإرثه، فأصبحت العلاقة الشخصية باردة، والثقة مهزوزة، مما يعزز من احتمال وقف الصفقات العسكرية المتقدمة كعقاب غير مباشر.
إذا استمرت السعودية – نظاماً وشعباً – في هذا النهج الذي يجمع بين الرؤية 2030 البراقة على الورق وبين التطرف الإعلامي والديني والشعبي في الواقع، فستصبح منبوذة دولياً أكثر من أي وقت مضى.
أوروبا ستفرض عقوبات على الاستثمارات السعودية بتهمة "تمويل خطاب الكراهية"، والولايات المتحدة – خاصة في عهد إدارة ديمقراطية أو حتى جمهورية – ستضغط لتغيير النظام تدريجياً: دعم لمعارضين، تجميد أصول، تحريض داخلي، وربما "ثورة داخلية" تحت شعار "حقوق الإنسان والتسامح". لن يقف الأمر عند صفقة طائرات؛ سيكون عقاباً شاملاً لدولة أصرت على أن تبقى في عصر الظلام بينما الآخرون يتقدمون.
يا من يدعون "الإمارات في قلوبنا" ويهاجمونها بشراسة لأنها اختارت السلام والتطبيع: أنتم أنفسكم – شعباً ونظاماً – من يضع السعودية في قفص العزلة! حقدكم على التقدم، غيرتكم من دولة بنت نفسها دون نفط يفيض، إساءتكم المتكررة للإمارات وشعبها، وتمسككم بتحالفات مع الإخوان والمتطرفين، هو ما سيحرمكم من F-35، من أمن حقيقي، من مستقبل. ستظلون تتاجرون بالشعارات القومية والدينية والكراهية، بينما الإمارات تبني المدن والاقتصاد والسلام، وتكسب احترام العالم.
السعودية في قلوبنا؟ لا، لم تعد كذلك بعد كل هذه الإساءات والحقد. أما النظام والشعب الذي يصر على معاداة السامية المقنعة، والذي يهدد بإفشال كل صفقة عسكرية متقدمة، فهو خنجر في خاصرة التقدم، ومطية غبية ركبها المتطرفون لإبقاء الأمة متخلفة ومعزولة.
والله يهدي أو يأخذ الأمر إلى من يصلح.
والله المستعان.


