رولا القط تكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران.. حين يسقط الرأس تتفكك الأذرع
فهذا النظام لم يكن يومًا دولة طبيعية تتصرّف وفق منطق المصالح، بل مركزًا أيديولوجيًا لتصدير الفوضى، ورأس شبكة معقّدة من العنف العابر للحدود، غذّت النزاعات الطائفية وأعاقت أي استقرار مستدام في الشرق الأوسط طوال أربعة عقود.
بالنسبة لدول الإقليم، فإن انهيار هذا النظام يعني تفكيك البنية التي قامت عليها الميليشيات الطائفية المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. هذه الجماعات لم تنشأ بمعزل عن المركز، بل كانت امتدادًا مباشرًا لقرار سياسي وأمني صادر من طهران. لذلك، فإن أي حديث عن استقرار حقيقي في المنطقة يبقى وهمًا ما لم يُعالج أصل الأزمة، لا نتائجها. قطع أذرع النفوذ دون المساس بالمركز أثبت فشله مرارًا.
إيران ما بعد “ولاية الفقيه” ليست سؤالًا نظريًا، بل ضرورة سياسية وأمنية. البديل المنطقي هو دولة طبيعية، غير نووية، تحكمها المؤسسات لا العقيدة، وتقوم علاقاتها الخارجية على مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين. هذا التحول لا يخدم الشعب الإيراني وحده، بل ينعكس مباشرة على أمن الخليج، واستقرار المشرق، وسلامة طرق التجارة والطاقة العالمية.
على المستوى الدولي، فإن نهاية الفاشية الدينية في إيران تعني سقوط أخطر نموذج لإرهاب الدولة المنظم، وانتهاء مرحلة الابتزاز النووي التي شلّت إرادة المجتمع الدولي لسنوات. التعامل مع إيران ديمقراطية تحكمها سيادة القانون سيحوّلها من مصدر تهديد دائم إلى طرف مسؤول يمكن إدماجه في منظومة الأمن والسلم الدوليين.
داخليًا، تتجه الأوضاع في إيران نحو لحظة حسم تاريخية. نحن أمام معادلة صفرية واضحة: نظام استنفد كل أدوات القمع والشرعية، وشعب تجاوز حاجز الخوف ولم يعد مستعدًا لإعادة إنتاج الاستبداد بأي صيغة كانت. محاولات النظام لإعادة ترميم نفسه لم تعد مقنعة، لأن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل وجودية.
المشهد القادم مرشّح لتصاعد العصيان المدني والمواجهات المفتوحة، وصولًا إلى انهيار الأجهزة القمعية، وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تُدار بمنطق الدولة، لا بمنطق الثأر أو الانتقام. الهدف هو تأسيس نظام سياسي يعكس إرادة المجتمع، ويمهّد لانتخابات حرة، ويضع أسس جمهورية ديمقراطية حديثة.
إن غياب رأس الهرم في نظام ديكتاتوري مطلق لا يُعد تفصيلًا عابرًا، بل ضربة مباشرة للبنية التي يقوم عليها النظام. هذا النوع من الأنظمة يرتكز على الولاء للفرد لا للمؤسسات، ومع تلاشي هذا الرابط تبدأ مراكز القوة بالتفكك، وتتحول الدولة العميقة إلى عبء على نفسها.
الأثر الأعمق لهذا التحوّل أنه يكسر الهالة الأمنية التي طالما استند إليها النظام، ويبعث برسالة حاسمة إلى الشارع الإيراني: الخوف لم يعد قدرًا، والسلطة ليست أبدية. وعندما يسقط الخوف، تصبح كل الأنظمة الهشّة قابلة للسقوط.

