رولا القط تكتب ل(اليوم الثامن):

الفجوة بين الخطاب والسياسة في السلوك الإيراني

منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، قدّمت إيران نفسها بوصفها مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا عابرًا للحدود، يرفع شعارات كبرى مثل تحرير القدس، ونصرة المستضعفين، ومواجهة الهيمنة الأمريكية. غير أن هذا الخطاب، على امتداده الزمني، يطرح اليوم سؤالًا ملحًا: إلى أي مدى تحققت هذه الشعارات فعليًا على أرض الواقع؟

المشكلة لا تكمن في الشعارات بحد ذاتها، بل في المسافة التي تفصلها عن الممارسة. فخلال العقود الماضية، بدا واضحًا أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تتحرك دائمًا وفق ما تعلنه، بل وفق حسابات أكثر تعقيدًا ترتبط بالمصلحة والنفوذ وتوازنات القوة.

في غزة، مثلًا، حيث ترفع طهران راية دعم “المقاومة”، ظهرت فجوة لافتة بين الخطاب والفعل. فبينما تمتلك إيران وحلفاؤها قدرات عسكرية معتبرة، لم تُستخدم هذه الإمكانات بشكل مباشر في اللحظات الأكثر حرجًا. هذا التباين يفتح باب التساؤل: هل تحكمت اعتبارات الردع وتجنّب المواجهة الشاملة في القرار، أم أن الأولويات الجيوسياسية كانت أعلى من الالتزامات الأيديولوجية.
 

المشهد ذاته يتكرر في شعار “نصرة المستضعفين”، الذي شكّل أحد أعمدة الخطاب الإيراني منذ الثورة. غير أن الواقع كشف عن انتقائية واضحة في تطبيق هذا الشعار، خصوصًا خلال أحداث الربيع العربي، حيث دعمت طهران أطرافًا بعينها دون غيرها، وفق اعتبارات تتجاوز البعد الإنساني أو المبدئي، لتدخل في حسابات التحالف والولاء السياسي.

أما في الملف النووي، فتبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فبين فتوى تحرّم امتلاك السلاح النووي، وخطاب سياسي يتسم بالتحدي، يتحرك البرنامج النووي الإيراني في مساحة رمادية. لا هو مشروع معلن للتسلح، ولا هو برنامج مدني خالص، بل ورقة ضغط تُستخدم في التفاوض، ضمن استراتيجية تقوم على الغموض أكثر مما تقوم على الوضوح.

لكن هذا المسار لم يكن بلا كلفة. فرفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات عالية، دون بلوغ العتبة العسكرية، وضع إيران في منطقة وسطى مكلفة: عقوبات اقتصادية قاسية، وعزلة دولية متزايدة، دون تحقيق اختراق استراتيجي حاسم.

وعلى مستوى النفوذ الإقليمي، أنفقت طهران مليارات الدولارات لبناء شبكة من الحلفاء تمتد من لبنان إلى اليمن. ورغم أن هذا النفوذ منحها قدرة واضحة على التأثير والإزعاج، إلا أن نتائجه لم تصل إلى مستوى التحول الاستراتيجي الكبير الذي بشّر به الخطاب الرسمي. بل إن بعض هذه الساحات شهدت انتكاسات وأزمات داخلية، تطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذا الاستثمار طويل الأمد.

في المقابل، بقيت الشعارات الكبرى — إسقاط إسرائيل وإنهاء الوجود الأمريكي — بعيدة عن التحقق. فإسرائيل لا تزال قائمة، بل أكثر حضورًا، والوجود الأمريكي مستمر بأشكال متعددة. وبين هذا وذاك، دفعت شخصيات محورية في المشروع الإيراني أثمانًا باهظة في سياق الصراع المفتوح في المنطقة.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن النظام الإيراني يستفيد من حالة التوتر الإقليمي. فالحروب والأزمات تمنحه فرصة لإعادة ترتيب الداخل، واحتواء الخلافات، وتعزيز قبضته الأمنية تحت عنوان “الخطر الخارجي”. كما تُستخدم هذه الظروف لتشديد الإجراءات ضد المعارضين، في سياق يتداخل فيه الأمني بالسياسي بشكل واضح.

في المحصلة، تكشف التجربة الإيرانية عن فجوة حقيقية بين الخطاب والممارسة، ليست طارئة أو ظرفية، بل تكاد تكون جزءًا من بنية القرار السياسي نفسه. فإيران نجحت في بناء نفوذ إقليمي مؤثر، لكنها لم تتمكن من تحويله إلى قوة قادرة على تحقيق أهدافها الكبرى كما تُعلنها.

وبين ضخامة الشعارات وتعقيد الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت المشكلة في الأهداف، أم في الأدوات، أم في المسافة التي تفصل بين ما يُقال وما يُفعل؟