"الرياض بين فخ التهدئة وضرورة الردع"..

الحرب الإيرانية تضع السعودية بين القوة والهشاشة… الانخراط في الحرب أفضل من الاستسلام

تتجه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، مع تصاعد الضغوط على دول الخليج للانخراط في المواجهة. وبين حسابات الردع والمخاطر الاقتصادية والأمنية، تبدو المنطقة أمام اختبار حاسم قد يعيد تشكيل توازناتها الإقليمية بشكل جذري.

وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال زيارة أخيرة إلى إيران - أرشيف وكالة الأنباء السعودية "واس"

الرياض

تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم أمام معادلة معقدة لم تعد تحتمل التأجيل، إذ باتت خياراتها محصورة بين مسارين كلاهما يحمل كلفة عالية: الانخراط المباشر في الحرب ضد إيران، أو الاستمرار في سياسة التهدئة رغم الضربات المتكررة التي تطال عمقها الحيوي.

فعلى مدار الفترة الأخيرة، تعرضت مناطق حيوية داخل المملكة، لا سيما في المنطقة الشرقية والعاصمة الرياض، لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما وضع القيادة السعودية تحت ضغط متزايد داخليًا وخارجيًا لإعادة النظر في قواعد الاشتباك التي التزمت بها منذ بداية التصعيد. ولم يعد السؤال المطروح داخل دوائر القرار هو ما إذا كانت المملكة قادرة على الرد، بل متى وكيف، وبأي سقف سياسي وعسكري.

في المقابل، تدرك الرياض أن الانخراط الكامل في الحرب لن يكون خطوة تكتيكية عابرة، بل تحولًا استراتيجيًا قد يفتح الباب أمام مواجهة طويلة ومفتوحة مع إيران، تتجاوز حدود الضربات المحدودة إلى استهداف متبادل للبنية التحتية الحيوية، وعلى رأسها منشآت الطاقة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد السعودي وسوق الطاقة العالمي.

ومع ذلك، فإن خيار التهدئة لم يعد مريحًا كما كان في السابق. فاستمرار الضربات دون رد حاسم قد يُفسَّر على أنه تراجع في قدرة الردع، وهو ما تسعى الرياض إلى تجنبه، خاصة في ظل سعيها لترسيخ موقعها كقوة إقليمية قادرة على حماية مصالحها وأمنها القومي.

يزيد من تعقيد المشهد أن المملكة، رغم هذا التصعيد، لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، بعد أن أعادت استئنافها قبل فترة قصيرة عقب قطيعة استمرت لثمانية أعوام. هذا المسار الدبلوماسي يمنح الرياض هامشًا للمناورة، لكنه في الوقت ذاته يقيّد خياراتها العسكرية، إذ إن أي تصعيد واسع قد ينسف ما تحقق من تهدئة نسبية في العلاقات الثنائية.

وبين هذين المسارين، تبدو السعودية وكأنها تسير على حافة دقيقة: لا تريد الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستنزفها، ولا تستطيع في الوقت نفسه القبول باستمرار استهدافها دون رد يعيد رسم خطوط الردع.

في النهاية، قد لا يكون القرار السعودي مرتبطًا فقط بحجم الضربات، بل بتقدير أوسع لمآلات الصراع في المنطقة، ودور الولايات المتحدة، ومواقف الحلفاء، وقدرة إيران على الاستمرار في التصعيد. وهي معادلة تجعل من كل خطوة قادمة محسوبة بدقة، لأن أي خطأ في التقدير قد يغيّر شكل الصراع في الشرق الأوسط بالكامل.

وتشير معطيات متقاطعة من مصادر إعلامية ودبلوماسية إلى أن الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المخاطر الاقتصادية والأمنية الإقليمية، خصوصًا بالنسبة لدول الخليج العربي.

وفي هذا السياق، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو مواصلة الحرب، معتبرًا أن هذه المواجهة تمثل “فرصة تاريخية” لإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط، وذلك وفقًا لمسؤولين أمريكيين مطلعين على المحادثات.

وأفادت الصحيفة ذاتها أن الأمير محمد، خلال سلسلة من الاتصالات، شدد على ضرورة استمرار الضغط العسكري على طهران، باعتبار أن إسقاط النظام الإيراني هو السبيل الوحيد لإنهاء التهديد طويل الأمد الذي تمثله إيران لدول الخليج.

ويعكس هذا التوجه تباينًا في الرؤية بين الحلفاء؛ إذ يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفق تحليلات نقلتها الصحيفة، أن إضعاف إيران أو دفعها نحو حالة فوضى داخلية قد يكون كافيًا لتحقيق أهداف إسرائيل الأمنية، بينما تنظر السعودية إلى هذا السيناريو باعتباره تهديدًا مباشرًا قد يؤدي إلى فوضى إقليمية على حدودها.

في المقابل، حذر مسؤولون أمريكيون وسعوديون من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تصعيد إيراني يستهدف منشآت النفط في الخليج، ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى الانخراط في حرب طويلة الأمد يصعب الخروج منها.

وتعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة التذبذب في الموقف الأمريكي، حيث أشار في منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي إلى وجود “محادثات مثمرة” مع إيران، رغم نفي طهران لذلك، وهو ما يعكس غموض الاستراتيجية الأمريكية بين التصعيد والبحث عن مخرج سياسي.

اقتصاديًا، تشير التقارير إلى أن الحرب أحدثت اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة، إذ تسببت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة في تعطيل منشآت حيوية داخل السعودية، ما أثر بشكل مباشر على استقرار سوق النفط العالمي.

ورغم ذلك، نفت الحكومة السعودية سعيها لإطالة أمد الحرب، مؤكدة في بيان رسمي أنها تدعم الحلول السلمية، لكنها في الوقت ذاته تركز على حماية أمنها الوطني في مواجهة الهجمات المتكررة.

وتشير معطيات ميدانية إلى حجم التصعيد، حيث أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض مئات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية التي استهدفت مناطق حيوية، خصوصًا في الرياض والمنطقة الشرقية.

لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على الجانب العسكري، إذ تواجه السعودية ضغوطًا اقتصادية متزايدة، في ظل مشاريعها الطموحة المرتبطة برؤية 2030، والتي تعتمد بشكل أساسي على الاستقرار الإقليمي لجذب الاستثمارات والسياحة.

وترى الصحيفة أن أي حرب طويلة مع إيران قد تقوض هذه الخطط، خاصة في ظل توقعات بعجز مالي مستمر نتيجة الإنفاق الكبير على المشاريع الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن محللين استخباراتيين أن الأمير محمد بن سلمان يرى في الحرب فرصة لتعزيز النفوذ السعودي إقليميًا، مع اعتقاده أن المملكة قادرة على حماية نفسها حتى في حال استمرار الصراع.

لكن هذا التقدير لا يحظى بإجماع، إذ يرى بعض المسؤولين أن أي انسحاب أمريكي مفاجئ من الحرب قد يترك السعودية ودول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران، وهو سيناريو تخشاه الرياض بشدة.

وفي السياق ذاته، تؤكد تقارير أن السعودية تمتلك منظومات دفاع جوي متقدمة، بما في ذلك صواريخ “باتريوت”، لكنها تواجه تحديًا يتمثل في النقص العالمي في هذه الأنظمة، ما قد يحد من قدرتها على التصدي لهجمات مكثفة طويلة الأمد.

كما أن الهجمات الإيرانية لم تقتصر على البنية التحتية، بل طالت مواقع دبلوماسية وأهدافًا مدنية، ما أدى إلى سقوط ضحايا، بينهم عمال أجانب، وهو ما يعكس طبيعة التصعيد غير التقليدي في هذه الحرب.

إقليميًا، تشير التطورات إلى تراجع الثقة بين دول الخليج وإيران، حيث قال المتحدث باسم الخارجية القطرية إن بلاده لا تشارك حاليًا في أي جهود وساطة، في تحول لافت عن الدور التقليدي للدوحة في الوساطات الإقليمية.

وأوضح أن الأولوية الحالية لقطر تتمثل في حماية أمنها الداخلي بعد الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية، بما في ذلك مدينة رأس لفان الصناعية، التي تُعد أكبر مركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم.

وأدت هذه الضربات إلى ارتفاع أسعار الغاز عالميًا، مع توقعات بأن تستغرق عمليات الإصلاح سنوات، ما يعكس التأثير العميق للحرب على أسواق الطاقة الدولية.

وفي السياق ذاته، أكد مسؤولون قطريون أن الحرب أدت إلى انهيار مفهوم الأمن الإقليمي التقليدي في الخليج، ما يستدعي إعادة تقييم شاملة لمنظومة الدفاع الجماعي بين دول مجلس التعاون.

على الصعيد الدولي، برزت باكستان كطرف يسعى للعب دور الوسيط، حيث عرض رئيس الوزراء شهباز شريف استضافة محادثات بين الولايات المتحدة وإيران، مستفيدًا من علاقات بلاده مع الطرفين.

وتتمتع باكستان بميزات تجعلها وسيطًا محتملًا، من بينها موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة، إضافة إلى كونها دولة لا تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، ما يخفف من احتمالات استهدافها.

غير أن هذا الدور لا يخلو من تحديات داخلية، إذ تواجه الحكومة الباكستانية ضغوطًا شعبية وانتقادات بسبب تقاربها مع واشنطن، في ظل تصاعد المشاعر المناهضة للولايات المتحدة داخل البلاد.

وفي المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى صراع معقد متعدد الأبعاد، تتداخل فيه حسابات الطاقة والسياسة والأمن، وسط غياب مسار واضح لإنهائها.

ويرى مراقبون أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب ستستمر، بل إلى أي مدى يمكن احتواؤها قبل أن تتحول إلى صراع إقليمي شامل يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بالكامل.