د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):
تحولات المشهد الإيراني: من زنازين الداخل إلى أروقة الدبلوماسية الدولية في باريس
تتحول العاصمة الفرنسية باريس في العشرين من يونيو إلى مركز ثقل استراتيجي للمقاومة الوطنية الإيرانية، حيث يستعد أكثر من مائة ألف إيراني في الشتات لتنظيم تظاهرة كبرى تتجاوز في أبعادها مجرد الاحتجاج التقليدي. يأتي هذا الحدث، المتزامن مع الذكرى الخامسة والأربعين لانطلاق المقاومة، وسط سياق جيوسياسي معقد، ليشكل منصة دولية لتحدي سياسات نظام الملالي وتفكيك دعايات الاستقرار الزائفة التي يسوق لها للتغطية على أزماته الداخلية والإقليمية العميقة.
تصاعد الإرهاب الحكومي ورعب النظام البنيوي
يمر الداخل الإيراني حالياً بواحدة من الفترات الأكثر دموية؛ إذ أطلق النظام حملة إعدامات مكثفة طالت عشرات المعارضين، وفي مقدمتهم الكوادر المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. ويؤكد التحليل الاستراتيجي لهذا التصعيد أن لجوء النظام إلى القتل الممنهج لا يعكس قوة، بل يكشف عن رعب بنيوي من وجود معارضة منظمة قادرة على قيادة الغضب الشعبي وتحويله إلى حراك سياسي مؤسسي. ولم تقتصر آلة القمع على الرموز السياسية، بل امتدت لتستهدف شباب الانتفاضة والأبطال الرياضيين الذين شاركوا في احتجاجات يناير 2026، في محاولة لقطع الطريق أمام أي ثورة شعبية جديدة بعد أن بلغت الفجوة بين الجيل الشاب والنظام نقطة لا عودة.
برنامج المواد العشر: الرؤية السياسية لبناء دولة المستقبل
في مواجهة آلة القمع، يبرز المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كبديل سياسي ناضج ومستعد لقيادة المرحلة الانتقالية، مستنداً إلى أربعة عقود ونصف من النضال المستمر والريادة الميدانية. وتأتي خطة النقاط العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي كوثيقة سياسية حظيت بتأييد واسع في الأوساط البرلمانية الدولية في أوروبا والولايات المتحدة. ولا تكتفي هذه الخطة بنقد الواقع، بل تقدم خارطة طريق واضحة لتأسيس جمهورية ديمقراطية تقوم على فصل الدين عن السلطة، وتحقيق المساواة الجندرية، وحماية حقوق المواطنة والأقليات القومية، بالإضافة إلى الالتزام بإلغاء عقوبة الإعدام وتفكيك البرنامج النووي المثيل للجدل، مما يجعل المقاومة شريكاً دولياً موثوقاً لتعزيز السلام الإقليمي بدلاً من سياسة تصدير الأزمات.
"الطريق الثالث": خيار الشعب الحتمي لرفض الاستبداد والمهادنة
منذ اندلاع الصراع العسكري في فبراير الماضي، حاول النظام استخدام التوترات الخارجية كستار دخاني لتكثيف قمع الداخل، إلا أن التطورات الأخيرة أثبتت فشل سياسات الاسترضاء الغربية. وفي هذا الإطار، يتبلور موقف شعبي ودولي حاسم يرفض العودة إلى الماضي؛ إذ يرى المراقبون أن بقايا نظام الشاه البائد لا يمثلون بديلاً ديمقراطياً، بل يجسدون وجهاً آخر للاستبداد الذي ثار ضده الشعب تاريخياً، والذين يحاولون اليوم، بدعم من قوى رجعية، إعادة إنتاج نظام الديكتاتورية السابقة. ومن هنا تبرز شرعية "الطريق الثالث" الذي يمثله المجلس الوطني للمقاومة، كخيار يرفض الحرب والتدخل العسكري الخارجي من جهة، ويرفض المهادنة العقمية مع النظام من جهة أخرى، مراهناً بالكامل على قوة الشارع المنظم كأداة وحيدة للتغيير.
حشد باريس: العد التنازلي ونهاية عهود الاستبداد المزدوج
إن الحشد المرتقب في باريس، بمشاركة نواب ومسؤولين بارزين من ضفتي الأطلسي، يبعث برسالة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي بات مقتنعاً بجاهزية الحكومة المؤقتة التي أعلن المجلس الوطني عن استعدادها لإدارة البلاد. هذه الجاهزية التنظيمية التي صُقلت عبر عقود تجعل من المقاومة الطرف الأقوى في معادلة التغيير. لم يعد السؤال اليوم "هل يسقط النظام؟" بل "من هو البديل؟"، وتأتي تظاهرات باريس لتقدم الإجابة العملية: البديل هو جمهورية حرة تطوي صفحة الاستبداد الثنائي للتاريخ المتمثل في "التاج والعمامة"، وتؤسس لواقع جيوسياسي جديد يؤكد أن استقرار الشرق الأوسط يمر حتماً عبر طهران ديمقراطية، منزوعة السلاح النووي، ومتصالحة مع العالم.


