د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
المسارات السياسية في إيران.. ونظام الملالي أقرب إلى الزوال
في خضم التجاذبات الدولية حول الملف النووي الإيراني.. غالباً ما يغفل المحللون عن طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا لو حدث اختلال مفاجئ في ميزان القوى الداخلي في إيران؟ وهذه الغفلة القديمة المعاصرة تشير إلى أن الغرب ونظامه العالمي لم يكن في يوم من الأيام يسعى إلى المس بقوى الاستبداد الحاكمة في إيران سواء كان نظام الشاه الاستبدادي المخلوع أو خليفته نظام الملالي.. وربما لدى الغرب اليوم من لا يزال يفكر بالطريقة ذاتها من موقع نفوذ يرى في نظام الملالي ضرورة إقليمية لابد منها.
إن القراءة الاستراتيجية للمشهد الإيراني اليوم لا تتعلق فقط باحتمالية السقوط بل بطبيعة "اليوم التالي" وأثره على التوازنات الإقليمية والدولية، وإن التغيير في إيران ليس مجرد حدث محلي بل هو بمثابة زلزال جيوسياسي سيُعيد رسم خارطة التحالفات في الشرق الأوسط.
مستقبل إيران وإعادة تعريف الهوية الجيوسياسية إقليمياً
في حال حدوث تحول جذري في بنية الحكم ستواجه إيران خياراً استراتيجياً فورياً يتمثل في التحول من "دولة مستبدة" تصدّر الطغيان والأزمات إلى "دولة وطنية" تركز على التنمية وإعادة الإعمار، وإن السيناريو الأول المتوقع هو الانكفاء نحو الداخل حيث ستكون الحكومة الانتقالية أمام ضغوط شعبية هائلة للمطالبة بـ فصل الدين عن السلطة، وتوجيه العوائد النفطية المهدورة في صراعات إقليمية نحو التنمية الداخلية؛ هذا التحول سيؤدي بالضرورة إلى انحسار الدور الإيراني في بؤر التوتر التقليدية مما يفرغ الاستراتيجيات التوسعية للنظام الحالي من محتواها ويخلق فراغاً جيوسياسياً ستسعى القوى الإقليمية والدولية لملئه.
تداعيات انهيار "محور التمدد"
تعتمد السياسة الخارجية الإيرانية الحالية على ما يُعرف بـ "العمق الاستراتيجي" في دول الجوار، ولكن في ظل تغيير ميزان القوى الداخلي ستجد هذه الأذرع نفسها أمام نقص حاد في التمويل والدعم اللوجستي.
إن انهيار المنظومة المركزية في طهران سيعني بالضرورة "تفكيكاً طوعياً" للشبكات الموالية لها في الخارج؛ إذ ستتجه القوى السياسية الناشئة في إيران نحو إعادة تطبيع العلاقات مع المحيط العربي والدولي، وإن هذا المسار سيحول إيران من "عنصر تهديد" إلى "شريك إقليمي" محتمل.. الأمر الذي سيُنهي عقوداً من سياسات التجييش التي أرهقت كاهل الميزانية الوطنية.
تحدي الاستقرار.. من "الدولة المستبدة" إلى "الدولة المؤسسية"
السيناريو الأكثر تعقيداً يكمن في كيفية انتقال السلطة دون الدخول في فوضى أمنية.. وإن نجاح التغيير ليتوقف على وجود بديل ديمقراطي جاهز يمتلك هيكلاً تنظيمياً وقدرة على إدارة مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية.
إن تجارب انهيار الأنظمة الاستبدادية في المنطقة كما حدث في سوريا بعد زوال نظام الأسد تفرض على المقاومة الإيرانية تحدياً مزدوجاً يتجلى في الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة لمنع الانهيار الشامل، وفي الوقت ذاته اجتثاث جذور وبقايا النظام الدكتاتوري الذي كان قائماً.. هذا التوازن الدقيق هو الذي سيحدد ما إذا كانت إيران ستتجه نحو الاستقرار الديمقراطي أم ستغرق في مخاض طويل من التجاذبات، وهذا ما يجعل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إلى التأكيد دائما على ضرورة التغيير من داخل بعيدا عن سيناريوهات التدخل العسكري الخارجي.
الجانب الاقتصادي.. إيران كقوة ناشئة لا "كدولة محاصرة"
من منظور اقتصادي سيؤدي التغيير في ميزان القوى إلى رفع العقوبات الدولية بشكل تدريجي مما سيفتح الأبواب أمام استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة والبنية التحتية.. إذ تمتلك إيران مقومات جغرافية واقتصادية تؤهلها لتكون مركزاً تجارياً إقليمياً وعالميا، وإن التحول من اقتصاد "الريع العسكري" إلى اقتصاد السوق التنافسي سيجعل من إيران قوة إقليمية فاعلة، ولكن هذه المرة عبر بوابة التنمية الاقتصادية لا عبر بوابة التهديدات العسكرية.
حتمية التغيير كمدخل للاستقرار
ختاماً.. يمكن القول بأن القوى السياسية لا تقبل الفراغ؛ كما أن التغيير في إيران ليس مجرد ضرورة أمنية بل هو حاجة استراتيجية ملحة لإنهاء حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة منذ عقود.. وإن السيناريوهات المستقبلية تؤكد أن استعادة الدولة الإيرانية لسيادتها الوطنية بعيداً عن أيديولوجيا "الولي الفقيه" هو الطريق الوحيد لإنهاء التوتر في مضيق هرمز والمنطقة والعالم وإغلاق ملف التهديد النووي بشكل نهائي.
إن إيران المستقبل لن تكون "خصماً" بل ستكون عضواً فاعلاً في المنظومة الدولية إذا ما نجحت في الانتقال من قبضة النظام الثيوقراطي إلى رحاب الدولة الحديثة وهذا الأمر مرهون بموقف قوى المنظومة الدولية تلك.



