راشد شاتيلا يكتب لـ(اليوم الثامن):

أمةٌ لا تموت لماذا ما زال العالم العربي قادراً على صناعة المستقبل؟

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه موازين القوى، يعتقد البعض أن العالم العربي أصبح مجرد ساحة للأزمات والصراعات والتحديات. غير أن قراءةً أعمق للتاريخ وللواقع تكشف حقيقة مختلفة تماماً: فالأمم العريقة قد تتعثر، لكنها لا تموت، والشعوب التي تمتلك جذوراً حضارية عميقة تستطيع دائماً أن تعيد اكتشاف قوتها وأن تكتب فصولاً جديدة من نهضتها.

يمتد العالم العربي من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، حاملاً معه تنوعاً ثقافياً وإنسانياً وجغرافياً فريداً. وعلى هذه الأرض نشأت حضارات تركت بصمات خالدة في الفكر والعلم والأدب والفلسفة والاقتصاد. ولم يكن العرب في يوم من الأيام مجرد شهود على التاريخ، بل كانوا من صانعيه ومؤثريه.

ورغم ما شهدته المنطقة خلال العقود الأخيرة من أزمات وحروب وانقسامات، فإن جوهر القوة العربية ما زال قائماً. فالعالم العربي يمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموقعاً استراتيجياً استثنائياً، وأهم من ذلك كله يمتلك ملايين الشباب الذين يشكلون أكبر طاقة بشرية قادرة على إحداث التغيير إذا توفرت لهم البيئة المناسبة.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه العرب اليوم لا يكمن في نقص الإمكانات، بل في كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع تنموية وعلمية واقتصادية قادرة على المنافسة عالمياً. فالعصر الحديث لا يعترف إلا بالأمم التي تستثمر في التعليم والبحث العلمي والابتكار، وتمنح شبابها الفرصة ليكونوا شركاء في صناعة القرار والمستقبل.

ومن هنا، فإن النهضة العربية المنشودة لا تبدأ من الثروات وحدها، بل تبدأ من الإنسان العربي نفسه. تبدأ من المدرسة التي تصنع المعرفة، ومن الجامعة التي تفتح آفاق الإبداع، ومن المؤسسات التي تكافئ الكفاءة، ومن مجتمع يؤمن بأن النجاح لا يولد من الصدفة بل من العمل والاجتهاد.

وفي قلب هذا المشهد العربي، يقف لبنان بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية العربية الثقافية والفكرية. فعلى الرغم من كل ما واجهه من أزمات، ظل لبنان مساحة للحوار والإبداع والانفتاح، ومركزاً للفكر والإعلام والثقافة. وما يحتاجه اليوم هو ما يحتاجه العالم العربي بأسره: استعادة الثقة بالمستقبل.

إن الشعوب التي تفقد الأمل تفقد قدرتها على التقدم، أما الشعوب التي تؤمن بنفسها فتستطيع تحويل الأزمات إلى فرص. والعالم العربي يمتلك كل المقومات التي تجعله شريكاً أساسياً في صناعة القرن الحادي والعشرين إذا أحسن استثمار موارده البشرية والعلمية والاقتصادية.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم العظيمة لا تُقاس بحجم التحديات التي تواجهها، بل بحجم الإرادة التي تمتلكها لتجاوزها. والعرب، رغم كل الصعوبات، ما زالوا يملكون تلك الإرادة، وما زالوا قادرين على بناء نموذج تنموي وحضاري يليق بتاريخهم ويستجيب لتطلعات أجيالهم الجديدة.

إن المستقبل ليس هدية تُمنح للشعوب، بل إنجاز تصنعه الشعوب بنفسها. وعندما يصبح العلم والعمل والوحدة والتكامل أولويات حقيقية، لن يكون الحديث عن النهضة العربية مجرد حلم، بل مشروعاً واقعياً يمكن تحقيقه.

فالأمة التي أنارت صفحات التاريخ قادرة على أن تضيء صفحات المستقبل أيضاً، متى آمنت بنفسها، ووحدت جهودها، وجعلت من الإنسان العربي محور نهضتها الكبرى.