ولاء عمران تكتب لـ(اليوم الثامن):

الأردن: على خطى الأنبياء .. وفي رحاب النشامى

لم أذهب إلى الأردن وفي ذهني برنامج سياحي، ولم أحمل قائمة بالأماكن التي يجب أن أزورها. كانت الرحلة في بدايتها مرتبطة بمهرجان جرش، ذلك المهرجان الذي استطاع، على مدى أربعين دورة، أن يرسخ مكانته بوصفه واحدًا من أهم التظاهرات الثقافية والفنية في الوطن العربي. لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أعود إلى القاهرة وأنا أحمل صورة أخرى للأردن ، صورة لا تصنعها المسارح ولا المهرجانات وحدها.
في مدينة السلط، وقفت على قمة جبل، وأشار لي أحدهم: هنا فلسطين، والقدس تبعد نحو ستة وثمانين كيلومترًا.”
لم أكن بحاجة إلى منظار رأيتها بعيني المجردة ورغم ذلك كانت المسافة أقرب إلى القلب منها إلى العين.
ظللت أحدق في الأفق طويلًا. كنت أعرف أن هناك، خلف تلك الجبال، مدينة تهفو إليها قلوب ملايين العرب والمسلمين. في تلك اللحظة شعرت أن الكيلومترات ليست دائمًا مقياسًا للقرب، وأن بعض الأماكن تسكن الإنسان حتى لو حالت بينه وبينها الحدود.
أحببت الأردن ، هذا البلد الذي لا يقف على هامش التاريخ، بل في قلبه. يجاور فلسطين، ويحمل في أرضه آثار الأنبياء، ويحفظ أسماء الصحابة، ويمنح زائره شعورًا غريبًا بالسكينة، كأنه يذكرك، من دون كلمات، بأن هذه الأرض مرت عليها رسالات السماء.

من جرش بدأت الرحلة ،وبدا المهرجان وكأنه رسالة تقول إن الأمم التي تعرف قيمة تاريخها، تعرف أيضًا كيف تصنع حاضرها. كان المسرح الروماني يحتضن جمهورًا جاء من أماكن مختلفة، بينما بقيت الأعمدة القديمة ثابتة في مكانها، وكأنها شاهد على أن الزمن قد يغيّر الوجوه، لكنه لا يستطيع أن يمحو هوية المكان.

ذهبت إلى مدينة الكرك وهناك وقفت في المكان الذي وقعت فيه أحداث غزوة مؤتة، أخبرني أهل المدينة أنهم قديما كانوا يسمعون صهيل الخيول وصليل السيوف يومي الإثنين والخميس من كل أسبوع ، لكن مع امتداد العمران والحداثة إختفى الصوت ، اقشعر جسدي وأنا أقف في المكان وأسترجع أسماء صاحبت طفولتنا جميعًا ، الصحابة الأجلاء ، زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة.
قرأنا عنهم في كتب السيرة، وحفظنا كيف حمل كل واحد منهم الراية بعد صاحبه حتى استشهد، لكن الوقوف في المكان الذي ارتبط بتلك المعركة يختلف كثيرًا عن القراءة عنها. هناك تشعر أن التاريخ ليس شيئًا بعيدًا، وأن أسماء الرجال العظام لا تزال حاضرة في وجدان الناس قبل أن تكون مكتوبة على شواهد المقامات.
وقفت أمام مقام جعفر الطيار طويلًا. تذكرت ذلك الرجل الذي عاد من الهجرة إلى الحبشة، ثم مضى إلى مؤتة ليضرب أروع أمثلة الفداء، حتى بشره النبي ﷺ بأن الله أبدله عن ذراعيه جناحين يطير بهما في الجنة. وتذكرت زيدًا الذي حمل الراية حتى آخر لحظة، وعبدالله بن رواحة الذي انتصر على تردده قبل أن يتقدم إلى الشهادة.
وفي اليوم التالي، كانت الرحلة إلى وادي شعيب ، كلما اقتربت من الوادي، بدأ الضجيج يبتعد. هناك شيء في المكان يدفع الإنسان إلى الصمت. ليس خوفًا، وإنما احترامًا وإجلالا .
دخلت مقام نبي الله شعيب عليه السلام، وجلست دقائق لا أقول شيئًا. لم تكن لدي طلبات كثيرة، ولم أحمل أمنيات طويلة، لكنني شعرت براحة لا أعرف لها تفسيرًا.
ثم كانت زيارة مقام نبي الله أيوب عليه السلام ، كل إنسان مر بضيق في حياته يعرف ماذا يعني اسم أيوب. لذلك لم تكن الزيارة فسحة وانتقال من مكان إلى آخر، لكن كانت تذكيرًا بأن الصبر ليس كلمة نرددها، وإنما طريق سار عليه نبي كريم حتى آخر لحظة، فكان الجزاء من جنس اليقين.
وأنا أتنقل بين هذه الأماكن، كنت أفكر في حجم الإرث الذي يملكه الأردن.
هنا مقامات لأنبياء وصحابة، وهنا مؤتة، وهنا المغطس، حيث تعمد السيد المسيح عيسى عليه السلام وفق الموروث المسيحي، وهو أحد أهم المواقع الدينية في العالم. وهذا كله يجعل الأردن واحدًا من أغنى بلدان المنطقة في مجال السياحة الدينية، ليس للمسلمين وحدهم، لكن للمسيحيين أيضًا.
ورغم ذلك، ما زلت أرى أن هذا الكنز لا يحظى بما يستحقه من التعريف في العالم العربي. كثيرون يعرفون الأردن بمهرجان جرش أو بالبحر الميت أو البتراء، لكنهم لا يعرفون أن هناك رحلة أخرى، أكثر هدوءًا، وأكثر عمقًا، تأخذ الزائر إلى أماكن ارتبطت بتاريخ الأنبياء والرسل والصحابة، وتترك في نفسه أثرًا لا يصنعه أي برنامج سياحي ،لكن الحديث عن الأردن سيبقى ناقصًا إذا اقتصر على الأماكن.
أكثر ما بقي معي بعد انتهاء الرحلة هم الناس "النشامى "ولم أفهم معنى الكلمة الحقيقي إلا هناك.
لم أشعر في أي لحظة أنني غريبة. في كل مكان وجدت ترحيبًا صادقًا، وحرصًا على المساعدة، وابتسامة لا تبدو مجاملة، لكنها جزءًا من طبيعة الناس. لم يكن الكرم  واجب، ولم يكن الاحتفاء بالضيف أمرًا يُصنع من أجل الصورة، بل كان سلوكًا تلقائيًا لمسته في كل من التقيتهم.
وربما لهذا السبب خرجت من الأردن وأنا أشعر أن أجمل ما فيه ليس ما شيدته الحضارات، وإنما الإنسان الذي حافظ على هذا الإرث، وتعامل معه بمحبة واحترام، وفتح قلبه لكل من جاء إليه.
عدت من الأردن وأنا أحمل يقينًا واحدًا…أن بعض الرحلات تنتهي بمجرد العودة إلى البيت، وبعضها يبدأ بعد العودة.
أما الأردن، فقد بقي في داخلي ، بقي في صورة القدس البعيدة القريبة وأنا أقف في السلط، وفي رهبة مؤتة، وفي سكينة وادي شعيب، وفي وجوه النشامى الذين جعلوا الغريب يشعر أنه بين أهله.
ولذلك، إذا سألني أحدهم يومًا: ماذا رأيت في الأردن؟
لن أبدأ بالحديث عن الآثار، ولا عن المهرجانات، ولا عن المقامات…سأقول ببساطة:
رأيت بلدًا يعرف كيف يحفظ تاريخه، ويكرم ضيفه، ويمنح زائره سلامًا يبقى معه طويلًا بعد أن يغادره.