الافتتاحية
تحالف على الورق.. والجنوب وحيداً في مواجهة الحوثيين
يفتح العدد 181 من صحيفة «اليوم الثامن» ملف الحرب اليمنية من زاوية لا تحظى عادةً بما يكفي من النقاش: من يملك القرار، ومن يتحمل نتائجه، ومن يُدفع إلى الجبهة كلما أخفقت الحسابات السياسية والعسكرية؟ فالتطورات المتلاحقة في الساحل الغربي وباب المندب ومأرب، والهجمات التي طالت الأراضي السعودية، تكشف أن الأزمة دخلت طوراً أشد تعقيداً، وأن الأخطاء التي تراكمت خلال السنوات الماضية بدأت تظهر دفعة واحدة، بينما تظل القوات الجنوبية في مقدمة من يدفعون الثمن.
تتصدر العدد واقعة بالغة الخطورة، إذ تقول مصادر عسكرية لـ«اليوم الثامن» إن خمس غارات سعودية أصابت مواقع للقوات الجنوبية في جبهة كهبوب، في الوقت الذي كانت فيه هذه القوات تخوض معارك دفاعية لوقف تقدم الحوثيين نحو المرتفعات المطلة على باب المندب. وإذا كانت هذه الغارات قد وقعت نتيجة خطأ في تحديد الأهداف، فإن وصفها بالخطأ لا يعفي أحداً من المسؤولية، لأن الحرب لا تُدار بالنوايا، ولأن حياة المقاتلين لا يمكن اختزالها في بيان مقتضب أو تبرير عسكري عابر.
القوات الجنوبية الموجودة في كهبوب ورأس العارة والسقيا لا تخوض معركة هامشية، بل تقف أمام محاولة حوثية للسيطرة على مواقع تمنح الجماعة نفوذاً مباشراً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومع ذلك، تجد هذه القوات نفسها محاصرة بين هجوم حوثي من جهة، وسوء إدارة جوية من جهة أخرى، فيما لا تزال الأخبار المتداولة عن استعادة جزيرة ميون تفتقر إلى التأكيد الميداني. وهذه الصورة تلخص أزمة المعسكر المناهض للحوثيين: ضجيج إعلامي واسع، ووقائع على الأرض تتحملها قوات تقاتل بإمكانات محدودة ومن دون غطاء سياسي يوازي حجم تضحياتها.
يطرح العدد سؤال المسؤولية السعودية بوضوح. فالرياض قادت التحالف، وأشرفت على ترتيباته العسكرية والسياسية، وتولت إدارة العلاقة مع مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، وامتلكت التأثير الأكبر في قرارات التعيين والتمويل والتحريك. لذلك يصعب قبول الرواية التي تقدم المملكة بوصفها طرفاً خارجياً يساعد عند الحاجة، ثم تنفي عنها المسؤولية عندما تنهار الجبهات أو تتبدل موازين القوة.
هذا التناقض يظهر في خطاب حكومة المنفى اليمنية، ولا سيما في المقابلة التي أجرتها وزيرة الخارجية أفراح الزوبة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية. فقد دافعت الوزيرة عن الدور السعودي، وتحدثت عن إعادة تنظيم القدرات وتوحيد الجهود والردع المتكامل، لكنها لم تقدم إجابة صريحة عن أسباب سقوط مواقع الساحل الغربي، ولم تحدد الجهة التي أدارت المعركة، أو المسؤول الذي اتخذ قرارات الانسحاب، أو حجم الإسناد الذي وفرته قيادة التحالف للقوات الموجودة هناك.
وعندما تطلب الحكومة دعماً روسياً ومصرياً، ثم تشترط أن يكون هذا الدعم تحت المظلة السعودية، فإنها لا تتصرف كسلطة تبحث عن إنقاذ ما تبقى من الأرض، بل كإدارة مقيدة بسقف سياسي لا تستطيع تجاوزه. الأكثر إثارة للاستغراب أن الحكومة تبدو معنية بتبرئة الرياض أكثر من اهتمامها بكشف أسباب الهزيمة. إنها تدافع عن صاحب القرار، بينما تعجز عن الدفاع عن البلاد التي يفترض أنها تمثلها.
العدد لا يكتفي بمناقشة التطورات الميدانية، بل يتابع انتقال المواجهة إلى الداخل السعودي. الهجمات الحوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، والحديث عن إسقاط مقاتلة سعودية من طراز «إف-15» وأسر طياريها، وفقاً لمصادر خاصة بالصحيفة، يضعان الحملة الجوية أمام اختبار مختلف. فالسعودية التي بنت جانباً أساسياً من تدخلها في اليمن على التفوق الجوي تجد نفسها أمام جماعة طورت قدراتها الصاروخية والدفاعية، وأصبحت قادرة على تهديد المدن والمنشآت والقواعد، وربما الطائرات المأهولة أيضاً.
حتى اللحظة، لا يزال الصمت السعودي يحيط بمصير المقاتلة وطاقمها، فيما يمنح غياب الرواية الرسمية الحوثيين مساحةً واسعة لفرض روايتهم وتوظيف الحادث عسكرياً وسياسياً. وإذا تأكد أسر الطيارين، فسيمتلك الحوثيون ورقة تفاوضية حساسة، يمكن استخدامها في أي محادثات تتعلق بالهدنة أو الأسرى أو القيود المفروضة على الموانئ والمطارات.
أمام هذا التصعيد، تتحرك الرياض في أكثر من اتجاه. تكشف مواد العدد عن طلب سعودي لهدنة تستمر أسبوعين، وعن استعانة بالصين وباكستان للضغط على إيران ودفعها إلى كبح الحوثيين. وهذه التحركات تعكس حجم القلق السعودي، لكنها تكشف أيضاً حدود القوة العسكرية عندما لا تستند إلى استراتيجية سياسية واضحة. فبعد سنوات من الحرب، تعود الرياض إلى طهران بصورة غير مباشرة، وتطلب من بكين وإسلام آباد التدخل لحماية منشآتها وحدودها ومصالحها.
المشكلة أن الهدنة، إذا جرى التعامل معها كفرصة لترتيب الأوراق السعودية وحدها، لن تعالج أصل الأزمة. وقد تتحول إلى مهلة يستفيد منها الحوثيون لإعادة الانتشار وتثبيت مواقعهم في الساحل ومأرب، بينما تبقى القوات الجنوبية منتشرة على خطوط التماس، مستعدةً لخوض جولة جديدة من دون أن تعرف ما الذي ستحصل عليه سياسياً في نهايتها.
تكشف أزمة باب المندب كذلك هشاشة التحالف البحري الذي أعلنت السعودية قيادته. فجيبوتي، وهي دولة مشاطئة للمضيق وعضو مؤسس في التحالف، قالت إنه لا يوجد تهديد مباشر للملاحة الدولية حتى الآن. هذا الموقف يبتعد عن الخطاب السعودي الذي يسعى إلى تقديم ما يحدث باعتباره خطراً دولياً عاجلاً، ويشير إلى أن التحالف لا يزال إطاراً سياسياً أكثر منه قوةً عملياتية قادرةً على التدخل.
الدول تتحرك وفق مصالحها. جيبوتي تحمي موانئها ومكانتها اللوجستية، والدول الأوروبية تراقب طرق التجارة، والصين تقلق على إمدادات الطاقة، والولايات المتحدة تحسب خطواتها وفق صراعها الأوسع مع إيران، وإسرائيل ترى في المواجهة فرصةً لتعاون استخباراتي مع السعودية. وحده الجنوب يُطلب منه أن يتعامل مع المعركة باعتبارها واجباً مفتوحاً، وأن يقدم المقاتلين والمواقع والتضحيات من دون مقابل سياسي واضح.
وتتناول الصحيفة ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية عن تعاون استخباراتي غير مباشر بين تل أبيب والرياض عبر القيادة المركزية الأمريكية لمواجهة الحوثيين. كما تعرض قراءةً عبرية ترى أن المصالح الأمنية المشتركة قد تفتح باباً جديداً أمام مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي. لكن هذا التعاون، مهما بلغت فائدته الاستخباراتية، لا يعالج الخلل القائم داخل اليمن، ولا يعيد بناء الجبهات التي أضعفتها التنافسات، ولا يمنح القوات الجنوبية موقعها المستحق في القرار.
فالرياض تستطيع أن تطلب المعلومات من إسرائيل، والضغط من الصين، والوساطة من باكستان، والمساندة من الولايات المتحدة، لكنها لن تتمكن من بناء جبهة مستقرة إذا واصلت التعامل مع الجنوب بوصفه مخزناً للمقاتلين لا شريكاً سياسياً. ولا يمكن مطالبة الجنوبيين بالدفاع عن باب المندب والساحل، ثم تجاهل حقهم في تحديد مستقبل أرضهم، أو إبقاء قضيتهم معلقةً بانتظار تسوية بين السعودية والحوثيين.
وفي خلفية هذه التطورات، يفتح العدد نقاشاً أوسع عن السعودية نفسها، وعن الفارق بين سياسة راكمت النفوذ بالحذر والدبلوماسية، ومرحلة جديدة اتسمت بمركزية القرار والاندفاع نحو صراعات لم تُحسب نهاياتها. لقد بنى الملوك السعوديون المتعاقبون رصيداً سياسياً ودينياً واقتصادياً كبيراً، لكن المكانة لا تُحفظ بالموارد وحدها، بل بالقدرة على كسب ثقة الحلفاء وتجنب تحويل الشركاء إلى ضحايا للقرارات المرتبكة.
وحين تصيب الطائرات السعودية القوات التي يفترض أنها تقاتل معها، وحين تتقدم جماعة الحوثيين نحو المضيق، وحين تستنجد الحكومة بدول أخرى بشرط بقاء كل شيء تحت المظلة السعودية، يصبح السؤال عن القيادة الحالية مشروعاً وضرورياً: هل تحافظ الرياض على الرصيد الذي ورثته، أم تبدده في حرب تتغير أهدافها كلما تغيرت المخاطر؟
ومع ثقل الملف السياسي والعسكري، يترك العدد مساحةً لصورة أخرى من الحياة. عودة الكابتن عفراء محبوب إلى مجال الطيران بعد سنوات من الانتظار تروي حكاية امرأة عدنية قاومت الظروف والحرب، وتمسكت بحلمها حتى استعادت موقعها. قصتها ليست بعيدةً عن جوهر العدد؛ إنها تعبير عن مجتمع يحاول النهوض كلما دفعته الحرب إلى الخلف.
كما يتناول العدد توسع شركة «الراعبي» من الطاقة الشمسية إلى السيارات الكهربائية ومحطات الشحن، في محاولة لتحويل أزمة الكهرباء والوقود إلى فرصة استثمارية. ويحتفي رياضياً بفوز العين الإماراتي على النصر السعودي برباعية نظيفة، في مباراة أثبت فيها الفريق الإماراتي أن وضوح الخطة والانضباط وحسن استثمار الإمكانات تصنع النتيجة، وهي دروس تبدو غائبةً إلى حد بعيد عن إدارة الحرب اليمنية.
في العدد 181، تتجاور الحرب والدبلوماسية والاقتصاد والرياضة والنجاح الفردي، لكنها تلتقي عند معنى واحد: النتائج لا تصنعها الشعارات، بل وضوح الهدف وكفاءة الإدارة وتحمل المسؤولية. وهذا ما يحتاج إليه الجنوب اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالمرحلة المقبلة قد تحمل حرباً أوسع أو هدنةً هشة أو صفقةً إقليمية جديدة، وفي كل الاحتمالات ينبغي ألا يبقى الجنوب الطرف الذي يقاتل ولا يقرر، ويدفع ولا يحصل، ويحمي الممرات والمصالح بينما تؤجل قضيته.
المطلوب ليس إعفاء الحوثيين من مسؤولية هجماتهم وتمددهم، ولا الوقوف على الحياد أمام الخطر الذي يمثلونه، وإنما رفض تحويل هذه المخاطر إلى غطاء يعفي أصحاب القرار من المحاسبة. فمن قاد التحالف وأدار الحرب واختار الحلفاء وفرض المسؤولين عليه أن يجيب عن نتائج خياراته. ومن يريد من القوات الجنوبية أن تواصل القتال عليه أن يعترف بحق الجنوب في القرار وفي المستقبل. أما استمرار المعادلة القديمة، التي تمنح الرياض سلطة القيادة وتترك للجنوب فاتورة الدم، فلن يؤدي إلا إلى هزيمة جديدة، وربما إلى خسارة ما تبقى من الأرض والثقة معاً.

