رئيس التحرير يكتب:

السعودية من قائد للتحالف وصاحب القرار العسكري إلى طرف غير مسؤول عن نتائج الحرب

يبدو أن حكومة المنفى اليمنية قد عجزت كثيراً عن محاولة تبرئة السعودية، صاحبة الوصاية على المدن المحررة، من هزيمة الساحل الغربي والسيطرة الحوثية على باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية. لكن الحكومة ذاتها لا تخجل من طلب المساعدة المصرية والروسية، وحتى هذه المساعدة تُقدَّم مشروطة بأن تكون تحت مظلة السعودية، المسؤولة عن كل شيء، بما في ذلك تعيين المسؤولين الذين يدافعون اليوم عن الرياض أكثر من دفاعهم عن بلد ينهار في كل شيء.

قرأت مقابلة صحفية لوزيرة الخارجية في حكومة مجلس القيادة الرئاسي المؤقت، والمقيمة في المنفى الاختياري بالسعودية، أفراح الزوبة، مع وكالة روسية. وللحقيقة، وقفت أمام مفارقة كانت أكثر وضوحاً حيال الدور السعودي في اليمن؛ فحين يتعلق الأمر بالدعم والشرعية والانتصارات، توصف السعودية بأنها قائدة التحالف وركيزة الاستقرار، لكن عند وقوع الهزيمة، تتحول المسؤولية إلى شأن يمني داخلي، ويُختزل ما حدث في «اعتداء حوثي» و«أوجه قصور» مجهولة المصدر، أو تُرمى الاتهامات على الطرف المهزوم بأنه خائن وعميل للإمارات، التي لولاها لما تحرر الساحل الغربي لليمن.

وقفت القوات المشتركة في الساحل الغربي لأكثر من 40 يوماً، وهي تواجه القصف الصاروخي والمسيّر، وتتصدى للهجمات المتواصلة، في حين أن القيادة السعودية، التي تختبئ في الأنفاق تحت الجبال، كانت تكتب التقارير اليومية، لكن تلك التقارير لم تكن تغادر «النفق» إلى الخارج. فالتحرك السعودي الذي كان يجب أن يحدث ظل غائباً، حتى تركت القيادة السعودية مواقعها وهربت صوب البحر.

لم تُهزم القوات رغم الخذلان السعودي، بل خسرت لأنها استُنزفت في معارك متواصلة دفع الحوثيون بكل قواتهم صوب جبهتها، فقاتلت بمفردها، في حين كانت التحركات في جبهات مأرب والجوف والبيضاء هزيلة ولا تكاد تُذكر.

كان اليمنيون ينتظرون رواية مجلس القيادة الرئاسي لما جرى، حتى جاء الحديث على لسان وزيرة الخارجية أفراح الزوبة، التي لم تبرئ السعودية بإعلان مباشر، بل عبر حذف دورها من رواية الانهيار، مع الإبقاء عليها في موقع الشريك الداعم وصاحب الفضل. لكنها لم تقل لنا شيئاً عن طبيعة القيادة السعودية للجبهة، ولم تكشف مستوى الإسناد الجوي المطلوب والمقدم، ولم تذكر التحذيرات التي سبقت الهجوم، كما لم تناقش أثر إعادة هيكلة القوات وتغيير قياداتها، وهي الإجراءات التي قامت بها القيادة العسكرية السعودية بقيادة الفريق فهد بن السلمان.

أما مجلس القيادة الرئاسي اليمني المؤقت، الذي اختارته الرياض بعناية، فتقتصر مهمته على التأكيد باستمرار أن السعودية شريك في إدارة الموارد والتحكم بالجيش والقتال. لكن حين تقع الانتكاسة، تصبح مهمة هذا المجلس منح السعودية البراءة الكاملة والشاملة. فما هو الدور السعودي في اليمن في ظل الانتكاسات المتواصلة منذ بداية الصراع؟

ماذا حدث في الساحل الغربي؟ وكيف وقعت الهزيمة؟ أسئلة كثيرة تُطرح، ثم يأتي الجواب المكرر منذ سنوات طويلة: «الحوثيون انقلابيون، ونحن شرعية، والسعودية شريك، وتحالف دعم الشرعية». ويتكرر الحديث عن «انقلاب الحوثيين، ونحن الشرعية، والقرار 2216، ووحدة اليمن، وحق الدولة في استعادة مؤسساتها».

ووحدة اليمن غير موجودة حتى في المناطق التي تمارس فيها السعودية وصايتها، إذا ما تحدثنا عن الجنوب الذي جرى تحريره لأسباب عديدة: عدالة القضية الوطنية، والإسناد الإماراتي، وتحييد السعودية من أي دور في معارك عدن والجنوب، وصولاً إلى بوابة ميناء الحديدة الاستراتيجي، حيث تحققت المكاسب لتلك الأسباب.

لكن حين يُنظر إلى جبهة الشمال اليمني، حيث يُفترض وجود «إسناد سعودي»، لا يمكن الحديث سوى عن انتكاسات متواصلة، من حزم الجوف إلى ميدي وفرضة نهم وقانية في البيضاء، وصولاً إلى بيحان في شبوة. وكل هذه الانتكاسات لم تكن بالنسبة إلى الحوثيين مكاسب ميدانية فحسب، بل كانت وسائل للتسلح؛ فالسلاح الأمريكي الذي اشترته السعودية لمحاربة الحوثيين أصبح في قبضتهم. ونتحدث هنا عن تسليح سبعة ألوية في فرضة نهم وحدها.

قبل انتكاسة الساحل والمخا، كانت حكومة المنفى اليمنية تتحدث عما سمته «الردع المتكامل» والتحرير، لكن الردع لم يحدث؛ فما حدث هو الانتكاسة والهزيمة. وحين يأتي السؤال عن المسؤول حيال ذلك، تأتي الإجابة على شكل تحميل للمجتمع الدولي المسؤولية، والقول إن القتال في الداخل «يمني–يمني»، وإن السعودية بريئة، وإن أي مساندة إقليمية أو دولية يجب أن تكون تحت مظلة السعودية البريئة من كل الهزائم والانتكاسات. ناهيك عن القصف الذي يطال العمق السعودي، وتعدّه الرياض استهدافاً لمكة، وأن على ملياري مسلم الدفاع عن قبلة المسلمين.

مضت عشرة أيام على سقوط ميناء المخا وباب المندب في قبضة الحوثيين الموالين لإيران، ومنذ تلك اللحظة لم تتحرك حكومة مجلس القيادة الرئاسي، ولم نسمع عن معركة للدفاع عن المركز القانوني للدولة، مثلما رأينا البيانات والتصريحات والفتاوى الدينية حين قام المجلس الانتقالي الجنوبي بتأمين وادي وصحراء حضرموت والمهرة، ومنع تهريب الأسلحة والممنوعات.

أقام السعوديون مجلس القيادة الرئاسي ولم يقعدوه للحظة، وأعلنوا حالة الطوارئ، في حين أن سقوط المخا ونزوح مئات الأسر لم يدفع الرياض إلى إعلان حالة الطوارئ أو اتخاذ أي إجراء، وكأن ما حدث لا يعني السعودية ولا الأذرع الموالية لها.

ما يجري اليوم من تسويق للحرب هو معارك عبثية، والعبث الأكبر هو ما يصدر عن حكومة المنفى اليمنية، التي لا تكتفي بالهزيمة والانكسار، بل تسعى إلى تغييب الجنوب. فالزوبة لم تتحدث إلا عن «الدور والمظلة السعودية ووحدة اليمن والدولة الواحدة». وهذا الموقف، بطبيعة الحال، لا يمثل موقف أفراح الزوبة التي قالت ذات يوم إنها تفضل زيارة عدن بتأشيرة دخول، فهي اليوم تعبر عن الموقف السعودي الذي عمل، منذ لحظة انطلاق عاصفة الحزم في 26 مارس، على تغييب القوى الجنوبية، ويريد اليوم تغييب دور الجنوب في حماية باب المندب.

صحيح أن أفراح الزوبة أظهرت السعودية قائداً للتحالف المفترض حين عُدّدت أشكال الدعم، وشريكاً راسخاً حين نوقشت العلاقات، وركيزةً للاستقرار حين طُرح مستقبل اليمن، لكنها اختفت تماماً عندما وصل الحديث إلى أسباب انهيار الجبهة في الساحل الغربي. هكذا احتفظت الرياض بموقع القيادة، من دون أن تتحمل نصيباً من نتائجها.

تمعنت في حديثها، فلم أجد أي تفسير لأسباب الانتكاسة العسكرية، سوى أنها أخفت المتسبب أو حاولت منحه البراءة. لكنها قالت إن السبب هو «القصور»، وإنه يجري «إعادة تنظيم القدرات». عن أي قصور تتحدثين، معالي الوزيرة؟ وأي قدرات يجري تنظيمها؟

ألم يقل السعوديون لكم إن حربهم على الجنوب في يناير، وتفكيك القوات الجنوبية واستهداف الإمارات، كان هدفها إعادة تنظيم القدرات؟ وإذا كانت هذه الهزيمة قد جاءت بعد ثمانية أشهر من تلك الحرب التي أعلنتم فيها حالة الطوارئ واستدعيتم الفتاوى الدينية، فإن ذلك يعني أن حرب الرياض كانت عبثية، وأنها لا تريد الخلاص، ولا استعادة الشرعية، ولا العودة إلى صنعاء. إنها تريد العبث، ولا شيء سوى العبث، واليوم يبدو أن العبث قد وصل إلى الرياض. وهكذا، من زرع حصد.

إن لم تكن السعودية من يتحمل مسؤولية انتكاسة الجوف والبيضاء ومأرب، قبل المخا والساحل وباب المندب، فمن المسؤول عن كل هذه الانتكاسات والهزائم المتلاحقة؟

يبدو أن السعوديين لم يقتنعوا بعد بأن الضربات التي استهدفت القوات المحلية الموالية لهم في صحراء حضرموت ومأرب، ومقتل العشرات من الجنود، وضرب التعزيزات العسكرية في ميناء الوديعة، هي في الأساس هزائم سعودية، ناهيك عن الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تصل إلى العمق السعودي، بما في ذلك الرياض.

التخلص من الهزيمة يبدأ حين تواجهون الرعاة بما حصل، لا أن تمنحوهم البراءة من كل شيء. فإذا لم تكن السعودية هي المسؤولة، فأين مجلس القيادة؟ وأين وزارة الدفاع؟ وأين رئاسة الأركان وقيادة المقاومة الوطنية وقيادات القوات الموجودة في الساحل والقوى التي امتنعت عن إرسال تعزيزات من مدينة تعز؟

الحماية السياسية التي تقدمها حكومة المنفى اليمنية للسعودية هي أيضاً حماية للقيادات المحلية اليمنية الموالية لها. ولا ينبغي أن يتحمل المقاتلون على الأرض مسؤولية انتكاسة عسكرية سعودية؛ فالهزيمة سعودية، وما ذهاب السعوديين إلى دعوة المجتمعين الإقليمي والدولي لحماية باب المندب إلا إقرار بأن السعودية عاجزة عن حماية المضيق والملاحة، بعدما عملت على إقصاء شركاء التحالف العربي الذين صنعوا الانتصار دون غيرهم.

الهزيمة سعودية؛ فهي لم تكتفِ برفض طلب قيادة الساحل الحصول على إسناد جوي سعودي، بل تجاهلت التحذيرات الأولى من الحشد الحوثي. والهزيمة سعودية لأن من كان يدير غرفة العمليات في الساحل وفي شرورة هو قيادة سعودية. وإلا، فلماذا قامت القيادة العسكرية السعودية بتغيير قيادة القوات منذ حرب يناير الماضي؟ وما حجم الدعم العسكري السعودي الذي قُدم لتلك القوات منذ يناير وحتى أيام الهجوم؟

لكن سؤالاً آخر يُطرح منذ ما قبل الانتكاسة: هل كانت الأولوية السعودية تجنب التصعيد مع الحوثيين؟ وهل تعارضت حماية الحدود السعودية مع متطلبات الدفاع عن باب المندب؟