دبلوماسية الهزيمة في المنفى..
أفراح الزوبة تبرئ الرياض من هزيمة الساحل وتستدعي موسكو والقاهرة تحت مظلتها في اليمن
قدمت وزيرة الخارجية أفراح الزوبة رواية سياسية تدافع عن شرعية الحكومة وعن الدور السعودي، لكنها لم تفسر انهيار جبهة الساحل أو تحدد المسؤولين عنه. وبين طلب الدعم الروسي والمصري والتمسك بمرجعيات تجاوزتها الحرب، كشفت المقابلة أزمة سلطة تبحث عن الحماية أكثر من بحثها عن إجابات.
وزيرة خارجية حكومة المنفى اليمنية أفراح الزوبة - أرشيف
قالت وزيرة خارجية حكومة المنفى اليمنية أفراح الزوبة إن حكومتها تعمل على احتواء تداعيات التقدم الحوثي في الساحل الغربي، وإعادة تنظيم القدرات العسكرية، وتوحيد الجهود لاستعادة زمام المبادرة، مؤكدة أن سيطرة الجماعة على مواقع ساحلية لا تمنحها شرعية سياسية أو حقاً قانونياً في التحكم بالملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر.
وقدمت الزوبة، في مقابلة موسعة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية، تصوراً حكومياً يقوم على ما وصفته بـ«الردع المتكامل»، ويجمع بين إعادة بناء الجاهزية العسكرية، والتحرك الدبلوماسي، ومكافحة تهريب الأسلحة، وتبادل المعلومات البحرية، ودعم خفر السواحل، وحشد موقف دولي يحمي الممرات البحرية ويمنع الحوثيين من تحويلها إلى وسيلة ضغط سياسي واقتصادي.
غير أن المقابلة لم تقدم تفسيراً واضحاً لأسباب انهيار جبهة الساحل، ولم تحدد الجهات التي كانت تدير العمليات أو القيادات المسؤولة عن الانسحاب وفقدان المواقع. كما تجنبت الوزيرة توضيح ما إذا كانت الحكومة قد طلبت إسناداً جوياً سعودياً أوسع، أو ما إذا كانت الرياض قد تلقت تحذيرات مسبقة بشأن الحشود الحوثية والاستعدادات للهجوم.
وفي مقابل الغموض الذي أحاط بالمسؤولية العسكرية، دافعت الزوبة بصورة صريحة عن السعودية، ووصفتها بالشريك الراسخ والركيزة الأساسية لأمن اليمن والمنطقة، من دون مناقشة مسؤولية المملكة بوصفها قائدة التحالف والمشرفة على جانب واسع من الترتيبات العسكرية والسياسية والمالية داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وجاءت مقابلة وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين في حكومة مجلس القيادة الرئاسي أفراح الزوبة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية في توقيت بالغ الحساسية، بعد تقدم الحوثيين في الساحل الغربي واقترابهم من إعادة تشكيل موازين القوة حول باب المندب، لكن الحوار الذي امتد إلى أحد عشر سؤالاً لم يقدم تفسيراً واضحاً لما حدث، بقدر ما حاول إعادة بناء الرواية الرسمية وحماية السعودية من تبعات الإخفاق العسكري.
تناولت المقابلة التطورات الميدانية، والأزمة الإنسانية، وأمن الملاحة، وفرص التسوية، والتدخلات الخارجية، والعلاقات مع السعودية ومصر وروسيا. غير أن هذا الاتساع أخفى فراغاً أساسياً: لا توجد إجابة محددة عن أسباب سقوط المواقع، ولا عن الجهات التي كانت تدير الجبهة، ولا عن مستوى الإسناد الذي قُدم للقوات، ولا عن المسؤول السياسي أو العسكري الذي اتخذ قرارات الانسحاب وإعادة التموضع.
بدأت الوزيرة حديثها بالتأكيد أن الدولة قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، مستندة إلى تصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ثم انتقلت إلى القول إن قيادة الجيش تعمل على «استيعاب التداعيات» و«إعادة تنظيم القدرات» و«توحيد الجهود لاستعادة زمام المبادرة».
تبدو هذه العبارات، للوهلة الأولى، اعترافاً بوجود خلل، لكنها صيغت بطريقة تمنع تحويل الاعتراف إلى مساءلة. فـ«التداعيات» لا تخبر الجمهور بما حدث، و«إعادة تنظيم القدرات» لا تشرح لماذا فقدت القوات تنظيمها، و«معالجة أوجه القصور» لا تحدد ما إذا كان القصور استخباراتياً أم قيادياً أم لوجستياً أم سياسياً.
لم تذكر الزوبة أسماء المواقع التي خسرتها القوات المناهضة للحوثيين، ولم تحدد توقيت انهيار خطوط الدفاع أو حجم الخسائر، ولم تقل ما إذا كانت الحكومة قد تلقت تحذيرات مسبقة عن الحشود الحوثية. كما لم توضح طبيعة العلاقة بين قيادة وزارة الدفاع والقوات المنتشرة في الساحل وغرف العمليات التي يشرف عليها التحالف بقيادة السعودية.
وبهذا انتقلت المقابلة من السؤال عن الهزيمة إلى التأكيد المتكرر لشرعية الحكومة. فبدلاً من الإجابة عن سبب انهيار الجبهة، ركزت الوزيرة على أن تقدم الحوثيين لا يمنحهم الحق في فرض مستقبل اليمن بقوة السلاح.
لا خلاف على أن السيطرة العسكرية لا تمنح شرعية سياسية أو قانونية، لكن نزع الشرعية عن الحوثيين لا يعفي الجهات التي تولت قيادة المعسكر المناهض لهم من تفسير إخفاقها. فالشرعية صفة سياسية وقانونية، وليست بديلاً عن الكفاءة أو المساءلة أو القدرة على حماية الأرض.
تكشف لغة الوزيرة عن محاولة واضحة لتحويل الهزيمة من واقعة قابلة للتحقيق والمحاسبة إلى محطة جديدة في مواجهة مفتوحة. وعندما توضع الخسارة داخل مسار طويل من الصراع، يصبح من السهل تقديمها بوصفها «تداعيات» مؤقتة، لا نتيجة قرارات وأخطاء يمكن تحديد أصحابها.
ولم تشر المقابلة إلى فتح تحقيق عسكري، أو تشكيل لجنة لمراجعة ما حدث، أو مساءلة القيادات التي كانت مسؤولة عن الساحل. تحدثت الزوبة عن المراجعة المؤسسية، لكنها أبقتها في نطاق الخطاب العام، من دون جدول زمني أو جهة مكلفة أو معايير يمكن من خلالها قياس النتائج.
وكان الدفاع عن السعودية أكثر وضوحاً من الحديث عن المسؤولية اليمنية. فقد وصفت الوزيرة المملكة بأنها شريك راسخ، وركيزة لأمن اليمن والمنطقة، وأشادت بقيادتها لتحالف دعم الشرعية وما قدمته من دعم وتضحيات.
لكنها لم تناقش أسباب محدودية التدخل السعودي خلال معارك الساحل، ولم توضح ما إذا كانت الرياض قد تلقت طلباً لتقديم إسناد جوي أوسع، أو لماذا لم يستخدم التحالف قدراته لمنع الحوثيين من الاقتراب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا الصمت يكتسب أهمية لأن السعودية ليست دولة داعمة تقف خارج بنية القرار اليمني. فمنذ عام 2015، قادت الرياض التحالف العسكري، وأشرفت على جانب واسع من ترتيبات القوات والتمويل والتعيينات، واستضافت قيادة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، وأدارت الخلافات بين مكونات المعسكر المناهض للحوثيين.
وإذا كانت السعودية تمارس هذا الحجم من النفوذ، فلا يمكن التعامل مع انهيار الجبهة باعتباره شأناً يمنياً داخلياً خالصاً، ثم تقديم المملكة بوصفها داعماً خارج دائرة المسؤولية. فالسلطة تقتضي المساءلة، ومن يدير التحالف وترتيباته العسكرية لا يستطيع الاحتفاظ بصلاحيات القيادة والتخلي عن تبعات النتائج.
حاولت الزوبة تجاوز هذه الإشكالية بالقول إن الأزمة ليست بين السعودية والحوثيين، بل بين مشروع الدولة الوطنية و«مشروع اللادولة». وهذا التوصيف يعبر عن الموقف الرسمي للحكومة، لكنه لا يقدم الصورة كاملة.
فخلال السنوات الماضية، أجرت الرياض والحوثيون مفاوضات مباشرة وغير مباشرة، وأصبح وقف الهجمات على الأراضي السعودية وأمن الحدود جزءاً رئيسياً من مسار التسوية. كما تعامل الحوثيون مع المملكة باعتبارها الطرف المقابل في الحرب، بينما سعت الرياض إلى الانتقال من موقع القائد العسكري للتحالف إلى الوسيط أو الضامن.
هذا التحول هو أحد أكثر التناقضات وضوحاً في الملف اليمني. فالسعودية قادت الحرب، واختارت جانباً من القيادات، وأدارت جانباً كبيراً من التمويل والعمليات، ثم بدأت تقدم نفسها طرفاً يعمل على تقريب وجهات النظر بين اليمنيين. ومع ذلك، لم تواجه الوزيرة هذا التناقض، بل تبنت الصيغة السعودية كاملة وأخرجت الرياض من بنية الصراع.
وعندما سُئلت عن الأرضية المشتركة بين الحوثيين والسعودية، كان يمكن أن تتحدث عن ملفات عملية مثل أمن الحدود، ووقف الهجمات العابرة لها، وصرف الرواتب، وفتح الطرق، والموانئ، ومطار صنعاء، واستئناف صادرات النفط، وترتيبات وقف إطلاق النار.
لكن الإجابة تحولت إلى إشادة بالشراكة مع المملكة وما قدمته من دعم وتضحيات، ثم وضعت شروطاً عامة لأي تفاهم، من بينها إنهاء الانقلاب واحترام مؤسسات الدولة والتخلي عن فرض الإرادة بالسلاح.
المفارقة أن الوزيرة أقرت لاحقاً بوجود أسس يمكن البناء عليها، وحددتها في وقف الاعتداءات على السعودية واحترام أمنها وعدم استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الجوار. وهذا الترتيب يكشف أن أمن المملكة أصبح نقطة مركزية في أي تفاهم، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بشكل الدولة اليمنية ومستقبل الجنوب وتوزيع السلطة والثروة خارج الإجابة.
وقدمت الزوبة مفهوم «الردع المتكامل» باعتباره النهج الذي ستواجه به الحكومة التصعيد الحوثي. غير أن المصطلح ظل عنواناً بلا مضمون تنفيذي. لم تحدد الوزيرة مكوناته، ولا القوات التي ستطبقه، ولا طبيعة المهام العسكرية والأمنية والدبلوماسية المرتبطة به، ولا موعد بدء تنفيذه.
ومن دون تعريف واضح، يبدو «الردع المتكامل» محاولة لغوية لإظهار امتلاك استراتيجية، لا إعلاناً عن خطة قابلة للقياس. فالردع لا يتحقق بالوصف، وإنما بقدرة عسكرية وسياسية تجعل كلفة الهجوم أعلى من مكاسبه، وهو ما لم يظهر في معركة الساحل.
تعاني الحكومة هنا مشكلة مزدوجة. فهي تتحدث عن استعادة زمام المبادرة بينما توجد قيادتها السياسية خارج البلاد، وتعتمد في تمويلها وحركتها وقرارها على السعودية. وتتحدث عن قرار وطني مستقل في وقت أصبحت فيه قدرتها على الحرب أو التفاوض مرتبطة بتقديرات عواصم أخرى.
ويكشف هذا التناقض الفجوة بين خطاب الدولة وواقع حكومة مجلس القيادة الرئاسي المقيمة في المنفى الاختياري بالسعودية. فالوزيرة تتحدث عن مؤسسات تمتلك قرارها، لكن حكومتها لا تستطيع تنفيذ تحرك عسكري أو سياسي كبير من دون موافقة الرياض أو دعمها.
وفي ملف الملاحة، قدمت الزوبة حجة قانونية واضحة، مفادها أن السيطرة العسكرية على موقع لا تمنح الحوثيين حق التحكم بالمضيق، وأن عبور السفن تحت التهديد لا يعني صيانة حرية الملاحة.
هذه الحجة صحيحة من حيث المبدأ، لأن السيادة القانونية لا تنتقل تلقائياً بتغير السيطرة العسكرية. إلا أن السفن وشركات التأمين لا تبني قراراتها على الاعتراف السياسي وحده، بل على مصدر التهديد الفعلي ومدى قرب الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة من خطوط الملاحة.
ولذلك، كان يفترض أن تشرح الوزيرة ما الذي تغير عسكرياً حول المضيق، وما القدرات التي انتقلت إلى الحوثيين بعد تقدمهم، وهل أصبحوا قادرين على نشر رادارات ومنصات صاروخية أو وحدات بحرية في مواقع أقرب إلى السفن.
بدلاً من ذلك، تحدثت عن تبادل المعلومات البحرية، وأمن الموانئ، وتدريب خفر السواحل، ومكافحة التهريب، وتتبع شبكات التمويل. وهي أدوات ضرورية، لكنها لا تسد الفراغ البري والعسكري الذي أتاح للحوثيين الوصول إلى الساحل.
ولا تستطيع قوات خفر السواحل، مهما تحسنت قدراتها، استعادة مدن أو مرتفعات أو جزر تسيطر عليها قوة مسلحة. كما أن تبادل المعلومات لا يعوض غياب تشكيلات برية متماسكة، ولا يجيب عن السؤال المتعلق بمصير القوات التي كانت تؤمن الساحل قبل تفكيكها أو إعادة ترتيبها.
وأقرت الزوبة بأن الحكومة لا تستطيع بإمكاناتها الحالية ضمان أمن المجال البحري وحدها. كان هذا من أكثر أجزاء المقابلة صراحة، لأنه كشف محدودية القدرات الفعلية خلف الخطاب السيادي. لكنها استخدمت هذا الإقرار لطلب شراكات دولية تبني القدرة اليمنية، من دون تحديد شكل هذه الشراكات أو الجهة التي ستتولى قيادتها.
وفي حديثها عن التهديدات العابرة للبحر الأحمر، اتهمت الحوثيين ببناء شبكات تعاون مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي وتبادل الخبرات والتدريب معها. غير أن المقابلة لم تقدم أدلة أو أسماء أو وقائع محددة تتيح فحص هذا الاتهام، ليبقى ضمن التحذير السياسي الذي يحتاج إلى إسناد مستقل.
أما الجانب الإنساني، فجاء بصياغة عامة لا تتناسب مع حجم الأزمة. تحدثت الوزيرة عن نزوح عشرات الآلاف، وضغوط على المأوى والمياه والغذاء والصحة والتعليم، لكنها لم تذكر أرقاماً دقيقة أو مناطق النزوح أو الجهات التي قدمت هذه التقديرات.
وأكدت التزام الحكومة بحماية المدنيين والتحقيق في أي انتهاك ذي صدقية. غير أن حديثها عن المساءلة لم يحدد مؤسسة التحقيق، ولم يوضح ما إذا كانت المراجعة ستشمل أعمال القوات التابعة للحكومة والتحالف، أم ستقتصر على الانتهاكات المنسوبة إلى الحوثيين.
فالالتزام بالقانون الدولي لا يكتسب قيمته من الإعلان عنه، بل من وجود آليات مستقلة وشفافة للتحقيق والمحاسبة. وما دام تحديد الانتهاك والمسؤول عنه خاضعاً للأطراف المشاركة في الحرب، فإن خطاب المساءلة يظل معرضاً للانتقائية.
وفي مناقشة التدخلات الخارجية، رسمت الزوبة خطاً فاصلاً بين الدعم السعودي، الذي وصفته بإسناد الدولة، والدعم الإيراني الذي يعزز سلطة جماعة مسلحة.
هذا التمييز مفهوم من موقع حكومة تعترف بها الأمم المتحدة وتواجه جماعة انقلبت على مؤسسات الدولة. لكنه لا يكفي وحده لتقييم آثار التدخلات. فالمعيار لا يتعلق بالصفة القانونية فقط، بل بالنتائج التي أحدثها كل تدخل في مؤسسات الدولة ووحدة القرار العسكري والسياسي.
والسؤال الذي لم تجب عنه المقابلة هو ما إذا كان الدعم السعودي قد بنى مؤسسة يمنية موحدة بالفعل، أم أنتج منظومة تعتمد على الخارج، وعمق تعدد مراكز القرار، وأبقى القوات موزعة بين تشكيلات وقيادات ومرجعيات متنافسة.
بعد أكثر من عقد على بدء الحرب، ما تزال مؤسسات الحكومة تعمل من خارج البلاد، وما يزال القرار العسكري موزعاً، وما تزال القوات غير مندمجة تحت قيادة وطنية واحدة. لذلك لا يمكن قياس التدخل السعودي وفق النية المعلنة وحدها، بل وفق الدولة التي كان يفترض أن يساعد على استعادتها ولم تستعد حتى الآن.
وتكشف إجابات الوزيرة عن تناقض إضافي في التعامل مع روسيا. فقد أشادت بالمواقف الروسية الداعمة لحرية الملاحة، ودعت موسكو إلى الإسهام في تشكيل موقف دولي متماسك، وتحدثت عن تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية معها.
لكنها تجنبت مناقشة التباينات الفعلية بين موسكو والحكومة بشأن الحصار والقيود المفروضة على الموانئ والمطارات وطريقة معالجة الأزمة. وعندما تناولت الدعوات الروسية إلى رفع القيود التي تؤثر في وصول المساعدات، وافقت على المبدأ الإنساني، ثم أعادت ربطه بمراقبة السلاح وشبكات التمويل الحوثية.
تعكس هذه الصياغة محاولة لاستقطاب دعم روسي من دون تقديم تنازل سياسي. فالحكومة تريد من موسكو مساندة موقفها في مجلس الأمن ودعم حرية الملاحة والضغط على الحوثيين، لكنها تتمسك بالمرجعيات نفسها التي فقدت كثيراً من قدرتها على تفسير الواقع بعد سنوات من تغير موازين القوى.
وفي مقدمة هذه المرجعيات قرار مجلس الأمن 2216، الذي ما تزال الحكومة تقدمه مدخلاً إلزامياً للحل. صدر القرار عام 2015 في ظرف عسكري وسياسي مختلف، وطالب الحوثيين بالانسحاب وتسليم السلاح واستعادة مؤسسات الدولة.
غير أن التمسك الحرفي به بعد أكثر من عقد، ومن دون تقديم تصور انتقالي يعترف بالتغيرات التي طرأت على الأرض، يحول المرجعية إلى شعار تفاوضي أكثر من كونها خريطة قابلة للتطبيق.
لا يعني ذلك إسقاط القرار أو منح الحوثيين شرعية على ما استولوا عليه بالقوة، لكنه يعني أن ترديد المرجعيات من دون خطة للوصول إلى أهدافها لا يصنع تسوية. فالحكومة التي فقدت مساحات جديدة لا تستطيع الاكتفاء بالمطالبة بالعودة إلى وضع سابق لم تعد تملك أدوات فرضه.
وفي السؤال المتعلق بقرب التوصل إلى اتفاق قبل اتساع الحرب الإقليمية، قللت الزوبة من أهمية المسار الذي أُعلن في ديسمبر/كانون الأول 2023، وقالت إن الحديث عن قرب توقيع اتفاق ليس دقيقاً.
وأقرت بأن الإجراءات المطروحة شملت وقف إطلاق النار والرواتب واستئناف صادرات النفط وفتح الطرق وتخفيف القيود على المطار والموانئ، لكنها وصفتها بأنها مسار قيد البناء، لا تسوية نهائية.
يحاول هذا التفسير تحميل الحوثيين المسؤولية الأساسية عن تعطيل الاتفاق، لكنه يتجنب مناقشة أثر المفاوضات السعودية المباشرة معهم، والخلاف بين أولويات الرياض وأولويات الحكومة، وما إذا كانت التسوية المقترحة قد صيغت أصلاً لحماية أمن المملكة أكثر من إعادة بناء الدولة اليمنية.
كما رفضت الزوبة اختزال الأزمة اليمنية في الحرب الإقليمية أو السياسات الغربية، وهو موقف يحمل قدراً من الدقة، لأن جذور الانقلاب والصراع الداخلي سبقت المواجهات اللاحقة.
لكن المقابلة لم تمنح الوزن نفسه لتأثير السياسات السعودية في تشكيل المعسكر المناهض للحوثيين أو تفكيكه. فقد انتقدت اختطاف إيران للقرار اليمني عبر الحوثيين، بينما مرّت على النفوذ السعودي الواسع داخل الحكومة ومجلس القيادة والقوات بوصفه شراكة طبيعية لا تحتاج إلى مساءلة.
هذا الاستخدام الانتقائي لمفهوم السيادة يمثل إحدى مشكلات الرواية الرسمية. فالسيادة تُستدعى لمواجهة إيران والحوثيين، لكنها تصبح أكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بالسعودية، رغم أن الحكومة تقيم على أراضيها وتعتمد على تمويلها وتخضع تحركاتها السياسية والعسكرية لسقف تفاهماتها.
الأكثر دلالة في المقابلة كان الغياب الكامل للقضية الجنوبية. تحدثت الزوبة عن «دولة واحدة» و«وحدة اليمن» و«مواطنة متساوية» واحتكار مؤسسات الدولة للسلاح، كما لو أن شكل الدولة وهويتها السياسية حُسما، ولا توجد قضية جنوبية أو مطالب باستعادة دولة الجنوب أو خلافات عميقة بين عدن والرياض.
لم تشر الوزيرة إلى موقع القوى الجنوبية من معركة الساحل، ولا إلى أثر الحرب السعودية على الجنوب مطلع العام، ولا إلى تفكيك تشكيلات عسكرية جنوبية كانت تؤدي دوراً رئيسياً في مواجهة الحوثيين وتأمين الممرات الساحلية.
ويعيد هذا التجاهل إنتاج صورة غير موجودة على الأرض، قوامها حكومة موحدة تواجه الحوثيين ضمن مشروع وطني واحد. بينما يتكون المعسكر المناهض للجماعة من قوى مختلفة في هوياتها وأهدافها وتحالفاتها، ولا تتفق على مستقبل الدولة أو شكلها أو توزيع السلطة فيها.
كما أن الحديث عن احتكار الدولة للسلاح يظل ناقصاً ما لم تحدد الحكومة المقصود بالدولة، ومن يملك حق إعادة تشكيلها، وكيف ستدمج القوات، وما العقد السياسي الذي يمكن أن تقبله القوى الجنوبية.
إقصاء القضية الجنوبية من المقابلة ليس سهواً تحريرياً، بل جزء من بناء الرواية الحكومية. فالاعتراف بها يفتح أسئلة لا تريد الحكومة مواجهتها: من يمثل الجنوب؟ وما شرعية القرارات التي اتخذتها الرياض فيه؟ وهل يمكن المطالبة باستعادة دولة يمنية موحدة بالقوة بعد أن انهارت أسس الشراكة السياسية التي قامت عليها الوحدة؟
وفي حديثها عن الدور المصري، أكدت الزوبة أن القاهرة شريك عربي أساسي، يمتلك علاقات تاريخية ومصلحة مباشرة في أمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس. لكنها لم تؤكد وجود وساطة مصرية، وتركت تفاصيلها لما يُعلن رسمياً.
الأهم أنها ربطت أي دور مصري بـ«التكامل مع الدور المحوري للسعودية» والمسار الأممي والتنسيق مع الحكومة. ويكشف هذا الشرط أن حكومة مجلس القيادة ترحب بالحضور المصري ما دام لا يتحول إلى مسار مستقل عن الرياض.
فالحكومة التي طلبت دعماً مصرياً لحماية البحر الأحمر لم تمنح القاهرة مساحة سياسية خارج المظلة السعودية. كما أن دعوتها روسيا إلى التحرك ظلت محكومة بالسقف نفسه: دعم الحكومة، والالتزام بالمرجعيات، والعمل ضمن بنية إقليمية تحتفظ فيها المملكة بالموقع المركزي.
هذه المعادلة تلخص موقع حكومة المنفى: تطلب توسيع دائرة المساندة، لكنها لا تستطيع إعادة تعريف العلاقة مع الدولة التي تحتضن قيادتها وتمول مؤسساتها وتملك النفوذ الأكبر في قراراتها.
لذلك لم تكن المقابلة محاولة لفتح نقاش حقيقي مع روسيا بقدر ما كانت طلباً لتوسيع الدعم الدولي من دون المساس بالدور السعودي. أرادت الحكومة من موسكو والقاهرة المساعدة في وقف الحوثيين، لكنها حرصت على ألا يبدو هذا الدعم بديلاً عن الرياض أو تصحيحاً لإخفاقها.
ومن زاوية الاتصال السياسي، بدت المقابلة منضبطة ومتماسكة. أعادت الوزيرة توزيع الرسائل وفق جمهورها: الدولة ما تزال قائمة، الحوثيون لا يملكون شرعية، السعودية شريك لا يتحمل مسؤولية الانهيار، روسيا تستطيع المساعدة، مصر مرحب بها تحت سقف الرياض، والمجتمع الدولي مطالب بحماية الملاحة.
لكن هذا التماسك الشكلي لا يخفي الفراغ في صلب الرواية. لم يعرف القارئ من المسؤول عن سقوط الجبهة، وما الذي تغير في الخطة العسكرية، وأين كانت قيادة التحالف، ولماذا لم يصل الإسناد، وما مصير القوات التي أعيدت هيكلتها، وكيف ستستعيد الحكومة المواقع، ومن سيقود العملية المقبلة.
وحتى المصطلحات التي استخدمتها الزوبة، من «استيعاب التداعيات» إلى «الردع المتكامل» و«توحيد الجهود»، تؤدي وظيفة سياسية أكثر مما تقدم معلومات. إنها تحافظ على صورة السلطة وتؤجل الأسئلة، لكنها لا تفسر الواقع.
ما أخفته الوزيرة كان أكثر أهمية مما أعلنته. فقد كشفت المقابلة أن الأولوية الحكومية ليست التحقيق في أسباب الهزيمة، بل منع تحولها إلى مساءلة لقيادة مجلس القيادة والرعاية السعودية.
كما كشفت أن الحكومة ما تزال تتعامل مع تغيرات عسكرية وسياسية عميقة بالأدوات الخطابية نفسها التي استخدمتها منذ عام 2015: الشرعية، والانقلاب، والمرجعيات، ووحدة الصف، والدعم الأخوي.
هذه المفردات قد تفسر الموقف القانوني، لكنها لا تفسر لماذا أصبحت الحكومة أضعف بعد أكثر من عقد، ولماذا توسعت قدرة الحوثيين، ولماذا فقدت القوات المناهضة لهم مواقع جديدة، ولماذا تبحث الرياض اليوم عن تدخلات إقليمية ودولية لحماية ممر كان حلفاؤها المحليون يؤمنونه.
وتضع المقابلة الحكومة أمام تناقض لا يمكن إخفاؤه طويلاً. فإذا كانت السعودية صاحبة الدور المحوري والركيزة الأساسية لأمن اليمن، فعليها أن تتحمل نصيبها من مسؤولية الفشل. وإذا كانت الحكومة صاحبة القرار الوطني المستقل، فعليها أن تكشف من اتخذ القرارات التي قادت إلى انهيار الساحل.
أما الجمع بين سلطة سعودية واسعة بلا مسؤولية، وحكومة يمنية بلا أدوات لكنها تدعي امتلاك القرار، فلا ينتج دولة ولا مساءلة، بل يكرس إدارة دائمة للأزمة.
وفي المحصلة، لم تكن مقابلة أفراح الزوبة حواراً يشرح ما حدث، بل وثيقة دفاع سياسي عن منظومة الحكم القائمة. استعانت الوزيرة بلغة الدولة لتغطية ضعف الحكومة، وبالشرعية لتجنب محاسبة القيادة، وبالشراكة مع السعودية لإبعاد الرياض عن دائرة المسؤولية، وبالدورين المصري والروسي للبحث عن دعم جديد لا يخرج عن المظلة السعودية.
وبقيت الأسئلة الحقيقية خارج النص الرسمي: من أسقط جبهة الساحل؟ من فكك القوى التي كانت تحميها؟ من قرر الانسحاب؟ لماذا غاب الإسناد؟ ولماذا يُطلب من القاهرة وموسكو اليوم المساعدة في إنقاذ نتائج سياسة لم تسمح لهما بالمشاركة في صياغتها؟
حتى تقدم الحكومة إجابات موثقة عن هذه الأسئلة، سيظل حديثها عن استعادة الدولة أقرب إلى الدفاع عن شرعية في المنفى، فيما يعاد رسم الجغرافيا وموازين القوة على الأرض من دون انتظار بياناتها.
المصدر: مقابلة وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية.



