صالح أبوعوذل يكتب لـ(اليوم الثامن):

أكتشاف أمريكي خطير في اليمن: «الحوثيون هم الحوثيون والحكومة شرعية والسعودية السعودية»

تابعت بيانا صادرا عن السفارة الأمريكية لدى اليمن في العاصمة السعودية الرياض، وأصبت بالدهشة، وصرخت Oh my God، كيف تم اكتشاف أن الحوثيين في اليمن هم الحوثيون في اليمن؟ وأن على اليمنيين أن يتقاتلوا إلى ما لا نهاية، لأن الأمريكي اكتشف أخيرا أن الحوثيين «هم الحوثيون»؟ وهذا الاكتشاف الأمريكي الخطير يتطلب حربا لعقد آخر، والأزمة ستكون أشد، والسعوديون يدربون الطيارين على القصف العشوائي في بلد أصبح حقل تجارب للقوات الجوية السعودية.

وعلى المراقب العربي والدولي ألا يستغرب لماذا السفارة الأمريكية لدى اليمن في دولة ثانية، لأنه أمام عدوى العبث الذي أصبح ينتقل بين السفارات الغربية والشرقية لدى اليمن، المغتربة خارج بلد يعاني من وطأة الحرب منذ عقد ونصف.

في الـ2 من يناير الماضي، أطلق السعوديون حملة عسكرية عدوانية على الجنوب، وكانت الفتاوى الدينية التكفيرية هي المشرعن الأول لها، والدفاع عن طاعة ولي الأمر في بلد يفترض أنه جمهوري ديمقراطي. لا أدري ماذا كان يفعل السفير الأمريكي يومها والسعودية تقصف بطائراتها حضرموت والمهرة والضالع، وهددت بقصف عدن، العاصمة.

لو أن الولايات المتحدة، أو أي من الدول الغربية الفاعلة في الأزمة اليمنية، لديها جدية في إنهاء الأزمة ومعالجتها، لما فضلوا الإقامة في الرياض بدلا من عدن التي تحررت بعد نحو 120 يوما من انطلاق العملية العسكرية «عاصفة الحزم».

ربما قال السعوديون لهم إنهم لا يريدون «أن تكون عدن هرجيسا أخرى».. كانت الأحقاد اليمنية - السعودية قد تقاطعت في مسألة أن على الجنوبيين الانتظار نصف قرن حتى نتخلص من المشكلة اليمنية في صنعاء مع جماعة الحوثيين، وبعدين سيحلون قضيتهم بشروط السعودية "دولة اتحادية تحت سلطة الحوثيين والإخوان أو فصل حضرموت".

أرادت واشنطن أن تنظر إلى الأزمة اليمنية من النافذة السعودية، ففي الوقت الذي كان الجنوب يحارب الإرهاب، كانت الأسلحة الأمريكية تتسلل إلى التنظيمات المتطرفة والإرهابية من القرن الأفريقي، ومن معابر برية وبحرية تحرسها قوات سعودية وأخرى محلية موالية لها، ثم توسع الأمر وأصبح أشد فروع القاعدة تطرفا في الجزيرة العربية يحصل على الطائرات المسيرة، مثله مثل أي جماعة مسلحة في العالم تستطيع أن تمتلك «طائرات مسيرة»، في حين أن سفراء واشنطن يكتفون فقط بالنظر من تلك النافذة، فالتنظيمات والجماعات المسلحة، إن لم تكن حليفة، سوف يتم تحييدها، هكذا هي الرؤية السعودية.

قال السعوديون للأمريكيين: توقفوا عن ضربات تحالف «حارس الازدهار»، نحن نمتلك مفتاح الحوثيين، وأنهم لن يعتدوا على المصالح الأمريكية. كان السعوديون الذين قادوا حربا مكلفة في العام 2015م دمرت البنية التحتية في اليمن، بهدف تحييد الحوثيين واستعادة الدولة اليمنية من قبضة الانقلابيين الذين أطاحوا بسلطة آخر رئيس شرعي في البلاد، عبدربه منصور هادي، الذي وجد نفسه لاحقا تحت الإقامة الجبرية في السعودية حتى وفاته.

لا يسمح السعوديون للمسؤولين اليمنيين بالسؤال حول مستقبل اليمن أو مصير السلطة الشرعية، التي أصبحت هي الأخرى نسخة من انقلاب الحوثيين، ولكن بإدارة سعودية. ففي بداية العام 2022م، أطاح السعوديون بهادي واستبدلوه بمجلس قيادة رئاسي يقوده رشاد العليمي، وزير الداخلية الذي عمل مع السعوديين لعقود.

لتصبح صنعاء تحت إدارة سلطة انقلابية موالية لإيران، وفي عدن، ولكن من الرياض، سلطة انقلابية موالية للسعودية، وعلى الولايات المتحدة أن تشرعن هذا العبث السعودي إلى ما لا نهاية، فلا قرار أمريكي منفصل عن الإدارة السعودية، أو هكذا يتضح لليمنيين.

قال القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى اليمن، السيد نيل هوب، إن الحوثيين هم من بدأوا الصراع، وعليهم تحمل تبعات عدوانهم، لكنه لم يقل لنا متى بدأ الحوثيون الصراع؟.

هناك تاريخ طويل، نحن نتحدث عن عقدين وعامين منذ أن بدأت جماعة الحوثيين التمرد في جبال صعدة في العام 2004م، أم انقلاب 2014م، أم حربهم على الجنوب في مارس 2015م، أم التصعيد تجاه باب المندب أثناء الحرب في قطاع غزة، أم التصعيد الحالي؟ لكن على أية حال، الاكتشاف الجيوسياسي الآخر للسفارة الأمريكية هو أن «الحكومة اليمنية هي الحكومة الشرعية».

وتكتمل الملحمة الأمريكية بالاكتشاف الثالث، وهو أن «السعودية من حقها الدفاع عن أراضيها ومواطنيها». هذه إنجازات كبيرة يا سيد نيل، شرعنة الحرب مرة أخرى للسعودية، غير أن الجنوب كان بحاجة إلى موقف مماثل حين كانت السعودية تقصفه بدون أي مبرر سوى رغبة في تحقيق مطامع توسعية قديمة.

بعد كل هذه السنوات من الحروب العبثية هنا وهناك، والمفاوضات، والوساطات، والمبعوثين، والمؤتمرات، والاجتماعات المغلقة، والمليارات التي خسرتها البلد جراء تعثر الصادرات ومصادرة الموارد إلى حسابات البنك الأهلي السعودي في جدة، احتاجت واشنطن إلى بيان رسمي لتخبر اليمنيين بأن الحوثي حوثي، والحكومة حكومة، والسعودية السعودية!، وتبشرهم بأن السعودية ستعيد قصف اليمن مرة أخرى.

لكن لم تجب السفارة على سؤال من قاتل الحوثيين والتنظيمات الإرهابية طوال السنوات الماضية: ماذا ستعطوننا مقابل هذه الحرب؟.

 لم تقل لهم ما الضمانات السياسية بعد انتهاء المعركة؟ ولم تقل ماذا عن شكل الدولة؟، ولا قالت ماذا عن الجنوب؟ ولا حتى سألت السؤال البسيط: ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب؟ وما مصير جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات التابعة لها، من القاعدة إلى السرورية إلى النهضة إلى الوهابية الجهادية، إلى غيرها من الجماعات الإسلامية المسلحة وشديدة التطرف؟

كل ما في الأمر أن واشنطن أعطت السعودية رخصة جديدة لقصف اليمن، وعودة الاقتتال، وتركت لهم مهمة اكتشاف ثمن القتال ومكافأته السياسية بأنفسهم، ويبدو أن على اليمنيين الانتظار ربع قرن آخر حتى يأتي السفير الأمريكي القادم ليخبرهم من هم الذين قاتلوا الحوثيين، وكيف يتقاسم السعوديون والإيرانيون "الكعكة".

والأطرف أن البيان يتحدث عن «إنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب»، وكأن اليمنيين كانوا ينتظرون منذ سنوات الإذن الأمريكي لاكتشاف أن الحوثيين مشكلة، وأنهم جماعة إرهابية، في حين أن السعودية، التي هي السعودية، لم تتغير، تمد لهم يد السلام والاستسلام منذ فبراير 2016م، بل إن سعادة السفير السعودي تحمل مشقة السفر في نهار رمضان ليتناول السلتة اليمنية على المائدة الحوثية في القصر الجمهوري بصنعاء.

نعتقد أن الأمريكيين يسعون إلى استنزاف السعودية، ولكن هذا الاستنزاف لا يسمح بأن يكون على حساب دماء اليمنيين والبنية التحتية، فالحرب التي تأجلت عقدا من الزمن، وعودتها اليوم في ظل ما يمتلكه الحوثيون من قوة كبيرة، هو إدخال البلد في نفق مظلم جديد، وهو ما تريده السعودية، التي هدفها الوحيد هو ما أفصحت عنه تلك الحرب التي شنتها في يناير الماضي على الجنوب، حليف الحرب الوحيد على الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، ولا شيء غير هذا الهدف.

الهدف السعودي في الجنوب هو الهيمنة على الثروات النفطية، والوصول إلى شريط بحر العرب بطرق غير شرعية، ولسان حال الولايات المتحدة يقول: من حق السعوديين أن يفعلوا باليمن والجنوب ما يريدون، وعندها ستعد واشنطن خسائر مشاهدة اليمن من النافذة السعودية.