إمبراطورية على حافة الخطر..

من جرف الصخر إلى باب المندب.. منشق إيراني يكشف استراتيجية «الضربة الأولى»

يرسم القيادي الإيراني المنشق عن فيلق القدس جابر رجبي صورة لنظام أضعفته الضغوط لكنه بات أكثر استعداداً للمغامرة، متحدثاً عن تحول نحو «الضربة الأولى»، ومعسكر إيراني مغلق في العراق، وخطة خطرة لحزب الله، ومساعٍ لاستخدام الحوثيين لنقل المواجهة من المياه الإيرانية إلى باب المندب وبحر العرب.

القيادي الإيراني المنشق عن فيلق القدس جابر رجبي - سكاي نيوز عربية

أبوظبي

 قال القيادي الإيراني المنشق عن فيلق القدس جابر رجبي إن النظام الإيراني أصبح أضعف مما كان عليه، لكنه بات في الوقت نفسه أكثر خطورة، محذراً من أن شعور القيادة في طهران باقتراب «ساعة الصفر» قد يدفعها إلى التخلي عن سياسة الرد المحسوب والانتقال إلى توجيه الضربة الأولى.

وأضاف رجبي، في مقابلة مع برنامج «السؤال الصعب» على قناة سكاي نيوز عربية، أن النظام لم يعد يتعامل مع الضغوط العسكرية والاقتصادية باعتبارها أزمات قابلة للاحتواء، بل ينظر إليها بوصفها تهديداً لبقائه، الأمر الذي يعيد تشكيل حساباته في إيران والعراق ولبنان واليمن ودول الخليج.

وتضمنت المقابلة ادعاءات شديدة الحساسية بشأن القيادة الإيرانية وتحركات فيلق القدس والفصائل الموالية لطهران، غير أن رجبي لم يقدم وثائق أو أدلة مستقلة تثبت جانباً كبيراً منها. ومع ذلك، تكتسب شهادته أهمية من خلفيته التي يقول إنها أتاحت له معرفة آليات التفكير داخل المنظومة الأمنية الإيرانية، ومن حديثه عن مواقع وشخصيات ووقائع شارك فيها أو اطلع عليها خلال عمله السابق.

ويرى رجبي أن الخطأ في قراءة إيران يبدأ من الخلط بين ضعف الدولة وخطورة النظام. فالتراجع الاقتصادي وتضرر القدرات العسكرية وانكشاف شبكات النفوذ لا تعني، وفق تقديره، أن طهران أصبحت أقل اندفاعاً، بل قد تدفعها إلى خيارات أكثر تطرفاً إذا اقتنعت بأن الانتظار سيحرمها من القدرة على الرد.

وقال إن القيادة الإيرانية تناقش الانتقال من استراتيجية «الضربة الثانية»، التي تقوم على امتصاص الهجوم ثم الرد عليه، إلى استراتيجية «الضربة الأولى»، بسبب مخاوف من أن تكون الضربة المقبلة واسعة إلى درجة تفقد معها إيران القدرة على تنفيذ رد مؤثر.

ويختلف هذا التصور عن مفهوم الضربة الاستباقية التقليدية، بحسب رجبي، لأنه لا يرتبط بالضرورة بوجود هجوم وشيك يمكن إثباته، بل بقناعة سياسية وأمنية بأن المواجهة قادمة، وأن المبادرة إليها قد تكون أقل كلفة من انتظارها.

ويكشف هذا التحول المفترض عن مأزق استراتيجي تواجهه طهران. فالامتناع عن التصعيد يسمح للضغوط الاقتصادية والعسكرية بالتراكم، بينما قد تمنح المبادرة بالهجوم خصومها المبرر لشن حملة أوسع تستهدف ما تبقى من قدراتها العسكرية ومنشآتها الحيوية.

وقال رجبي إن القيادة الإيرانية باتت مقتنعة بأن قنوات التفاوض والوساطات المعلنة لا تمثل المسار الحقيقي للاتصالات، وأن الدول الكبرى توصلت إلى تفاهمات أوسع بشأن مستقبل النظام ودوره الإقليمي. واستثنى روسيا، التي قال إنها ما زالت توفر مظلة سياسية لطهران، لكنها تتفاوض في الوقت نفسه على موقع إيران ضمن تسويات دولية أكبر.

وزعم أن موسكو أصبحت القناة الرئيسية للاتصالات غير المعلنة بشأن الملفين النووي والإيراني، وأن مجموعة تعمل من داخل السفارة الإيرانية في العاصمة الروسية تدير جانباً من هذه المفاوضات.

وذهب رجبي إلى القول إن الاتصالات بين واشنطن وموسكو تتجاوز البرنامج النووي إلى مقايضات دولية تشمل أوكرانيا وإيران، في إطار ما وصفه بخريطة جديدة لتبادل التنازلات بين القوى الكبرى. ولم تقدم الولايات المتحدة أو روسيا ما يؤكد وجود مثل هذه المقايضة.

وتبدو هذه الرواية أقرب إلى قراءة داخلية لمخاوف النظام الإيراني منها إلى اتفاق يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة مكتملة. لكنها تعكس قلقاً إيرانياً متزايداً من احتمال أن تستخدم موسكو علاقتها بطهران ورقة تفاوض في ملفاتها مع الولايات المتحدة، خصوصاً إذا رأت أن الحفاظ على النظام الإيراني لم يعد يحقق العائد الاستراتيجي نفسه.

وفي ملف القيادة الإيرانية، قال رجبي إن مجتبى خامنئي، الذي يصفه بأنه الحاكم الفعلي وصاحب النفوذ الأكبر داخل دوائر القرار، لا يزال حياً ويتنقل بين مواقع في قم ويزد ومشهد، نافياً الروايات التي تحدثت عن مقتله أو خروجه الكامل من المشهد.

وأضاف أن غياب مجتبى خامنئي أو فقدانه السيطرة سيطلق صراعات داخلية قد تتخذ طابعاً دموياً، لأن تماسك النظام يعتمد على توازن بين مراكز قوة سياسية وعسكرية واقتصادية تتنافس داخل إطار تحكمه المؤسسة الأمنية.

وزعم رجبي أن مسؤولاً باكستانياً نقل إلى شخصيات إيرانية معلومات تظهر معرفة الولايات المتحدة بأماكن وجود مجتبى خامنئي وتحركاته. وفسر ذلك بأنه رسالة ردع مفادها أن واشنطن تعرف موقع الرجل، لكنها لا ترغب في استهدافه في الوقت الراهن.

كما قال إن صورة متداولة تجمع مجتبى خامنئي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان صُنعت باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإن مقطعاً آخر ظهر فيه خامنئي يعود إلى اجتماع قديم في مدينة قم. لكنه أكد أن اجتماعاً بين الرجلين عُقد بالفعل في مكتب أحد المراجع الدينية، معتبراً أن المادة البصرية المنشورة لا توثق ذلك اللقاء.

ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من هذه التفاصيل، لكنها تفتح نافذة على أزمة الثقة التي تحيط بالإعلام الإيراني، حيث يدفع الغموض بشأن القيادة وتقييد المعلومات إلى انتشار الصور القديمة والمواد المعدلة والروايات المتعارضة.

وربط رجبي تشدد القيادة الجديدة بإدراك النظام أن الوسائل التي استخدمها طوال عقود لم تعد كافية. فإيران، حين كانت ترى نفسها في موقع قوة، اعتمدت على شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة لتنفيذ الضغط بعيداً عن أراضيها، مع الاحتفاظ بمسافة تسمح لها بإنكار المسؤولية أو التحكم في درجة التصعيد.

أما عندما يصبح بقاء النظام نفسه موضع تهديد، فإن المسافة بين طهران ووكلائها تتقلص، ويتحول هؤلاء من أدوات نفوذ قابلة للضبط إلى أوراق أخيرة قد تستخدم بصورة أكثر عنفاً، حتى لو ترتبت على ذلك خسائر كبيرة في الدول التي يعملون داخلها.

وفي الجانب الاقتصادي، قال رجبي إن الضغوط بلغت مستوى يمس الوجبات اليومية للإيرانيين، وإن المجتمع انقسم عملياً بين أقلية صغيرة مرتبطة بالسلطة وأكثرية تواجه تراجعاً حاداً في مستوى المعيشة.

وأضاف أن أزمة المياه والكهرباء والغاز تفاقمت على الرغم من امتلاك إيران موارد كبيرة، مشيراً إلى انقطاعات تمتد ساعات وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.

غير أنه لم يعز الأزمة بأكملها إلى العقوبات، بل قال إن الفساد وتحويل موارد الدولة إلى الحرس الثوري والمشاريع الأمنية والعسكرية يمنعان وصول السلع والثروة إلى المواطنين. فالمشكلة، وفق روايته، لا تكمن دائماً في اختفاء الموارد، وإنما في إعادة توزيعها وفق أولويات حماية النظام.

وحذر من أن العقوبات، إذا لم تستهدف الشبكات المالية والتجارية الفعلية للحرس الثوري، ستثقل المجتمع أكثر مما تضر المؤسسة العسكرية. وقال إن الحرس يمتلك مصالح غير مباشرة في مصارف وشركات ومحافظ إلكترونية، إلى جانب علاقات مع تجار وشبكات اقتصادية تعمل في أوروبا وبريطانيا.

ووفق هذا التقدير، فإن العقوبات التقليدية يمكن أن ترفع كلفة المعيشة وتقلص قدرة الدولة على توفير الخدمات، لكنها لا تفكك بالضرورة اقتصاد الحرس الموازي، ما لم تترافق مع تعاون مالي واستخباراتي بين أوروبا والولايات المتحدة ودول المنطقة.

وانتقل رجبي إلى العراق، الذي وصفه بأنه أحد أهم ميادين الصراع على القرار الإيراني خارج الحدود. وقال إن النقاش بشأن حصر السلاح يركز على عدد الأسلحة والفصائل، بينما تكمن المسألة الأساسية في هوية الجهة التي تمتلك قرار استخدامها.

وأوضح أن عدداً من الجماعات المسلحة أصبح جزءاً من مؤسسات الدولة العراقية، لكن ارتباط قرارها العسكري بطهران يجعل دمجها الإداري غير كافٍ لاستعادة السيادة. فالسلاح الموجود داخل مؤسسة رسمية يمكن أن يبقى أداة خارجية إذا ظل قرار إطلاقه بيد جهة غير عراقية.

وقال إن إيران تسعى إلى قطع الجسور الاقتصادية والسياسية بين العراق ومحيطه العربي، لأنها تخشى أن توفر العلاقات مع السعودية والإمارات ودول المنطقة بدائل تقلص حاجة بغداد إليها.

وتقوم الاستراتيجية الإيرانية، وفق وصفه، على إبقاء العراق داخل دائرة اعتماد مغلقة، ثم التحكم في قنوات خروجه منها. فكل توسع في التجارة والاستثمار والربط الكهربائي والعلاقات العربية يمنح الدولة العراقية هامشاً أكبر للتحرك، ويقلل قدرة طهران على استخدام الاقتصاد والطاقة والفصائل لفرض خياراتها.

وكانت أكثر إفادات رجبي خطورة حديثه عن منطقة جرف الصخر جنوب بغداد، التي قال إنه دخلها سابقاً، وشارك في نقل معدات لتصنيع الصواريخ إليها حين كان يعتقد أن المهمة تندرج ضمن مواجهة تنظيم داعش.

وزعم أن المنطقة تحولت إلى مساحة أمنية مغلقة أشبه بدولة داخل الدولة، تضم معسكرات لمختلف الفصائل وأجهزة مراقبة وتجسس وسجناً، إلى جانب منشأة إيرانية خاصة يعمل فيها ما بين مئتين وثلاثمئة شخص وترتبط بفيلق القدس.

وأضاف أن الدخول إلى بعض أجزاء المنطقة محظور حتى على قيادات عراقية وفصائلية، وأن أهمية جرف الصخر بالنسبة إلى طهران تتجاوز أي موقع آخر خارج إيران.

ولا تتوافر أدلة مستقلة تؤكد الأعداد أو طبيعة المنشآت التي تحدث عنها، لكن استمرار منع سكان المنطقة من العودة إليها، والغموض المحيط بالوجود العسكري فيها، جعلاها طوال سنوات موضع اتهامات وتساؤلات سياسية وأمنية داخل العراق.

وحذر رجبي من أن الفصائل المدعومة إيرانياً مستعدة لخوض «حرب شيعية–شيعية» لمنع خسارة جرف الصخر، في إشارة إلى احتمال الصدام مع قوى عراقية شيعية تطالب بإعادة المنطقة إلى سلطة الدولة وعودة سكانها.

ويشير هذا التحذير إلى أن الخطر في العراق لا يقتصر على مواجهة بين الفصائل وخصومها التقليديين، بل قد ينتقل إلى داخل البيئة الشيعية نفسها إذا تعارض مشروع الدولة مع البنية العسكرية والاقتصادية التي بنتها إيران منذ سنوات.

وفي لبنان، قال رجبي إن جهات إيرانية طلبت من حزب الله التخطيط لعملية واسعة تستعيد نموذج الهجمات التي نُسبت إلى عماد مغنية ضد القوات الأميركية في ثمانينيات القرن الماضي، لكن بحجم وتأثير أكبر من هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وزعم أن التصور يقوم على تنفيذ عملية نوعية والتوغل داخل مدن أو بلدات إسرائيلية وإيقاع خسائر كبيرة، على أمل إرباك الحكومة الإسرائيلية وإجبارها على التراجع من الأراضي اللبنانية.

وقال إن هذا التوجه لا يحتاج إلى استعادة حزب الله كامل قوته العسكرية التقليدية، لأنه يعتمد على مجموعة محدودة تنفذ عملية مركزة بعد إعداد سري، وليس على مواجهة واسعة تبدأ بتحريك وحدات عسكرية كبيرة.

وتظل هذه المزاعم غير مؤكدة، وقد تكون جزءاً من تقدير أمني أو تحذير سياسي، إلا أن خطورتها تنبع من أن أي عملية بهذا الحجم ستضع لبنان أمام رد إسرائيلي واسع، بصرف النظر عن قدرة حزب الله على تحمل المواجهة.

وقال رجبي إن الشعب اللبناني سيكون أول من يدفع الثمن إذا نُفذت الخطة، وإن النار التي قد تندلع بعدها ستكون أكبر من قدرة الأطراف المحلية على احتوائها.

واستعاد تجربته مع هجوم السابع من أكتوبر، قائلاً إنه سمع قبل وقوعه نقاشات إيرانية عن عملية «ستغير التاريخ»، لكنه لم يدرك وقتها حجمها أو يوجه تحذيراً كافياً بشأنها. وأضاف أن النتائج أثبتت أن الفلسطينيين والمنطقة دفعوا كلفة أكبر كثيراً من المكاسب التي توقعتها الأطراف التي خططت للهجوم.

ولا تثبت هذه الإفادة علم إيران المسبق بتفاصيل هجوم السابع من أكتوبر، لكنها تعكس اعتقاد رجبي بأن منظومة النفوذ الإيرانية كانت تتوقع حدثاً كبيراً أو تتهيأ لاستثماره.

وفي حديثه عن الخليج، قال إن إيران تقيس خطواتها وفق التكلفة، وتتقدم عندما ترى خصومها ضعفاء وتتراجع عندما تكتشف أن الرد قد يصل إلى القيادات والمصالح المؤثرة داخل النظام.

واستخدم الإمارات مثالاً على خطأ التقديرات الإيرانية، قائلاً إن دوائر في طهران اعتقدت أن إطلاق صاروخ واحد قد يدفع المقيمين إلى المغادرة ويربك الدولة، لكنها فوجئت بقدرة الإمارات على امتصاص التهديد ورفع كلفته الاقتصادية والسياسية.

وأضاف أن ثقل الإمارات في شبكات التجارة والمال يجعل تهديدها بوقف التعاملات الاقتصادية قادراً على إحداث ضغط مباشر داخل إيران، بخلاف التصور الإيراني التقليدي الذي ينظر إلى الدول العربية الخليجية باعتبارها غير راغبة في المواجهة.

ويرى رجبي أن السلوك الإيراني لا تحكمه الأيديولوجيا وحدها، بل مزيج من العقيدة وحسابات الربح والخسارة. وحين تصبح تكلفة التصعيد قابلة للوصول إلى مراكز السلطة والمال، تتراجع طهران أو تبحث عن مسار غير مباشر.

ولهذا تحتفظ إيران، بحسب حديثه، بالحوثيين باعتبارهم «الورقة الأخيرة القوية» في شبكتها الإقليمية، خصوصاً بعد تعرض حلفائها الآخرين لضغوط عسكرية وسياسية متزايدة.

وقال إن يوسف شهلايي، القيادي في فيلق القدس الذي تتهمه الولايات المتحدة بإدارة عمليات خارجية، عاد إلى اليمن، وإن عودته سبقت التصعيد الحوثي الأخير. ولم يقدم رجبي تفاصيل تثبت مكان وجوده أو توقيت وصوله.

وأضاف أن الحوثيين يتحركون ضمن تصور إيراني يهدف إلى إبعاد ساحة المواجهة عن المياه والسواحل الإيرانية، ونقلها إلى بحر العرب وباب المندب، حيث يمكن تعطيل التجارة الدولية ورفع كلفة الضغط على طهران من دون تعريض مضيق هرمز والمنشآت الإيرانية مباشرة لخطر الحرب.

وتنسجم هذه القراءة مع القيمة الاستراتيجية التي اكتسبها الحوثيون خلال حرب البحر الأحمر. فالجماعة تمتلك موقعاً يسمح لها بتهديد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، بينما تستطيع إيران استخدام نشاطها كورقة تفاوض وضغط مع الاحتفاظ بمسافة سياسية عن الهجمات.

وقال رجبي إن العلاقات بين الحوثيين وروسيا أصبحت مباشرة، وإن ملف الجماعة دخل ضمن المفاوضات الجارية عبر موسكو. وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تعني أن الحوثيين لم يعودوا ورقة إيرانية فقط، بل طرفاً يحاول بناء قنوات مستقلة مع قوة دولية قادرة على منحه دعماً سياسياً وتقنياً.

وتوقع أن يبدأ تحول أكثر وضوحاً في نشاط الحوثيين منتصف الشهر المقبل، قائلاً إن مفاوضات وترتيبات تجري بين إيران وحلفائها. ولم يحدد طبيعة التحرك المتوقع، لكنه ربطه بمحاولة نقل المواجهة إلى بحر العرب.

وتكتسب هذه الإشارة خطورة في ضوء التصعيد العسكري المتجدد على الساحل الغربي لليمن وفي تعز، واستخدام الحوثيين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة ضد القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية والمقاومة الوطنية.

كما يهدد أي توسع في النشاط البحري خطوط الملاحة القريبة من باب المندب وميناء المخا وخليج عدن، وقد يعيد استدعاء الأساطيل الدولية إلى مواجهة مفتوحة يصعب ضبط حدودها.

وتكشف المقابلة، في مجملها، صورة لنظام يحاول التعويض عن تآكل قدراته التقليدية باستخدام مسارح خارجية متعددة. ففي العراق يتمسك بمناطق نفوذ أمنية مغلقة، وفي لبنان يراهن على عملية نوعية تعيد خلط الأوراق، وفي اليمن يحتفظ بقدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، بينما يستخدم روسيا ممراً للتفاوض مع الولايات المتحدة.

لكن هذا الانتشار لا يعني أن طهران تملك سيطرة كاملة على النتائج. فكل جبهة تحمل خطر الانفلات: الحرب الشيعية–الشيعية في العراق قد تنهي الغطاء الاجتماعي للفصائل، وعملية كبيرة لحزب الله قد تدمر ما تبقى من لبنان، والتصعيد الحوثي قد يستدعي حملة عسكرية دولية أوسع، والضربة الإيرانية الأولى قد تمنح خصوم النظام المبرر لاستهدافه مباشرة.

وتكمن المفارقة التي طرحها رجبي في أن إيران لم تعد قوية بما يكفي لفرض مشروعها الإقليمي، لكنها لا تزال تملك من الأدوات ما يكفي لإشعال أزمات كبرى. وهذا الفارق هو ما يجعل المرحلة الراهنة أكثر خطراً؛ لأن القوة الواثقة تميل إلى إدارة نفوذها، بينما قد تستخدم السلطة المحاصرة أوراقها قبل أن تفقدها.

أما الداخل الإيراني، فيظل نقطة الضعف الأكثر تأثيراً. فقد قال رجبي إن سقوط النظام يتطلب دعماً حقيقياً للمجتمع الإيراني، وإن التغيير لن يأتي من المعارضة الخارجية وحدها، بل يحتاج إلى تحولات داخل مؤسسات السلطة نفسها.

وأضاف أن مسؤولين وقادة داخل النظام يترددون في الانشقاق بسبب انعدام الثقة بالولايات المتحدة وخشيتهم من التخلي عنهم بعد تحركهم. ويكشف ذلك أن الخوف لا يزال يمسك ببنية النظام، لكنه يكشف أيضاً وجود أفراد داخله يفكرون في مستقبلهم خارج المنظومة الحالية.

وفي النهاية، لا تقدم مقابلة رجبي خريطة مثبتة لما ستفعله إيران، بقدر ما تقدم إنذاراً بشأن الكيفية التي قد تتصرف بها قيادة ترى أن الوقت يعمل ضدها. وتظل مزاعمه عن معسكر جرف الصخر وخطة حزب الله وتحركات الحوثيين بحاجة إلى تحقق مستقل، لكن الرابط بينها واضح: نقل المعركة إلى ساحات الآخرين، ورفع الكلفة على الخصوم، وتأخير لحظة المواجهة داخل إيران.

وإذا كان توصيفه دقيقاً، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت طهران سترد على الضغوط، بل أي ساحة ستختارها لتوجيه «الضربة الأولى»، ومن سيكون الشعب الذي سيدفع ثمنها قبل أن تصل نتائجها إلى النظام الإيراني نفسه.