زينة الغلابي يكتب:

الجنوبيون في حرب بلا ضمانات.. لماذا يُطلب منهم القتال مجددا؟

لماذا يتم التسويق للحرب وكأنها غاية متحققة في ذاتها؟. إذا لم تكن للحرب أهداف إستراتيجية واضحة ومحددة، وتوقيت زمني قصير إلى متوسط المدى بعده يتم الإعلان بكل شفافية مع الشعب الذي تم إقحامه في ازمة إنسانية واقتصادية بالغة الضرر، إما عن فشل التقدم نحو ما قامت لأجله الحرب بالأصل، أو تحقيق منجز يمكن البناء عليه في عملية التفاوض والتسوية فيما بعد.

لكن مالهدف من شحذ كل الجبهات، واستهلاك القوات الواقعة في مناطق آمنة، و قطع الآلاف الكيلومترات وترك مواقعها جنوبًا فارغة، متجهة نحو مناطق ذو كثافة سكانية عالية!، لمجرد أن الحوثيين قرروا المناوشة والتقدم بضع كيلومترات في مدن تخضع نصفها لسيطرتهم بالأساس منذ سنوات.

عندما قامت الحرب في العام ٢٠١٥ بهدف استعادة الشرعية اليمنية، كانت الشرعية هي ذاتها الشرعية التي يرفضها الجنوبيون منذ ٢٠٠٧، وعندما قام التحالف بدعم التشكيلات العسكرية في الجنوب، كانت أيضا هي ذاتها الدول الراعية التي تجد في استقلال الجنوب إشكالية حدودية وسياسية، وكانت قوات صالح أو الإخوان المسلمين ( حزب الإصلاح) ايضا في ذهنية الجنوبيين اعداء تاريخيين للمشروع الجنوبي المنادي بالاستقلال.

لم يكن للجنوبيين أي ضمانات في مشاركة سياسيّة مستقبلية ككتلة واحدة، وأوجدوا لها مكانا بالسلم تارة والتصعيد تارة أخرى تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي، وتطوير العلاقات السياسية فيما بعد مع شركاء المعركة المحليين تحت مظلة الشرعية.

واليوم وبعد نحو احدى عشر عامًا، لم يتغير في الخارطة السياسية والعسكرية شيئًا، سوى زيادة في تفريغ التشكيلات العسكرية، وإنشاء مكونات سياسية جديدة وبديلة، والبقاء على الموقف الضبابي من اهداف الحرب التي كان المقرر لها- حسب المتحدث باسم قوات التحالف - أن تنتهي بعد أشهر .. واليوم تدخل في عقدٍ كامل.

بالإضافة إلى تنامي متسارع في قدرات المليشيا الحوثية في التصنيع العسكري، وافتقار القوات العسكرية في الجهة المقابلة للدعم الذي يسدّ الهوة بين فارق القوتين، وانشغال التحالف في تصفية بعضه على الساحة اليمنية ونقل الخلاف حوّل ليبيا والسودان إلى صحراء حضرموت، وتصفية تامة لمكون سياسي يلتف حوله الملايين من الجنوبيين، ولعب دورا محوريا في الملف الأمني والعسكري طيلة السنوات الماضية.

لا أجد ما يبرر حماسة الكثير من الجنوبيين في الذهاب نحو خيار الحرب، ودماء أحبائهم في حضرموت لم تجف بعد، وهذه ليست مبالغة مشحونة بالعاطفة، لكن لكل قوة عسكرية بطبيعة الحال عقيدة قتالية، فما هي عقيدة جنودنا بالقتال نيابة عن أهالي الأرض الأصليين( وهم كُثر .. للغاية ) وجيرانهم أيضًا، إلا إذا كانت هناك حاجة ماسة للتعبئة! .

ولكل حرب أيضا مبرراتها، واليوم، وشريحة واسعة من الجنوبيين يشعرون بأنفصالهم النفسي عن احلام " المعركة الواحدة "، و " الأهداف النبيلة المشتركة "، مالذي يجعل من خيار عدم الانخراط في مناوشات الحوثي في الأطراف، يستحق مُساءلة أخلاقية، يُلزم الجنوبيين بدفعها، أو تبريرها، أو الموافقة على الذهاب نحو الحرب بكل طاقاتهم المهزومة نفسيًا بعد أحداث يناير هذا العام.