التصعيد يعبر الحدود..
هجمات الحوثيين تعطل منشآت سعودية وتقتل أطفالاً في مخيم بمأرب
وسّع الحوثيون نطاق هجماتهم من الجبهات اليمنية إلى منشآت الطاقة والمدن جنوب السعودية، بالتزامن مع قصف مخيم للنازحين في مأرب. وبينما توعد التحالف برد عسكري حازم، دعا طارق صالح إلى فتح الجبهات، معتبراً أن المواجهة تتجه من حماية باب المندب إلى الضغط باتجاه صنعاء.
انتقلت المواجهة بين السعودية والحوثيين إلى مستوى أكثر خطورة، بعدما أقرت الرياض بتضرر عدد من منشآت الطاقة وتوقف بعض عملياتها مؤقتاً، في حين أسفر هجوم آخر على مخيم للنازحين في محافظة مأرب عن مقتل طفلين وإصابة 15 شخصاً، معظمهم أطفال.
وأعلنت وزارة الطاقة السعودية، الثلاثاء، أن عدداً من منشآت ومرافق القطاع في المنطقة الجنوبية تعرض لهجمات أدت إلى اندلاع حرائق في مواقع عدة، وتوقف مؤقت لبعض العمليات التشغيلية، وسط تحركات لاحتواء النيران وتأمين المواقع وتقييم الأضرار.
ونقلت وكالة الأنباء السعودية عن مصدر مسؤول في الوزارة قوله إن الجهات المختصة تتعامل مع تداعيات الهجمات، وتتخذ الإجراءات الضرورية لضمان سلامة المنشآت والعاملين واستمرار العمل وفق الخطط التشغيلية المعتمدة.
ولم تحدد الوزارة أسماء جميع المنشآت المستهدفة أو طبيعة العمليات التي توقفت، كما لم توضح حجم التأثير في إنتاج النفط أو تكريره ونقله. غير أن الاعتراف بتوقف عمليات تشغيلية يمثل تطوراً لافتاً مقارنة بالبيانات السابقة التي كانت تركز على احتواء الحرائق واستمرار الإمدادات.
وتحدثت تقارير دولية عن تعرض مرافق تابعة لشركة أرامكو في جازان لهجوم جديد، بعد نحو شهر من هجوم سابق استهدف مصفاة المنطقة. ولم تصدر الشركة بياناً مستقلاً يحدد حجم الأضرار أو تأثيرها في الإنتاج.
وقال تحالف دعم الشرعية في اليمن إن الهجمات الحوثية طالت أعياناً مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأسفرت عن إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال.
ووصف المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، التصعيد بأنه خطير ويعكس «نهجاً عدائياً وغير مسؤول»، مؤكداً أن قيادة القوات المشتركة ستتخذ الإجراءات العملياتية اللازمة لردع الحوثيين وتحييد مصادر التهديد.
وقال المالكي إن التحالف سيواجه الهجمات «بكل حزم» دفاعاً عن سيادة المملكة ومقدراتها الوطنية وسلامة المواطنين والمقيمين، في صياغة تمهد لتنفيذ ضربات ضد منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة ومراكز القيادة ومخازن الأسلحة داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأدانت وزارة الخارجية السعودية بأشد العبارات استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية، وجددت رفضها للنهج العدائي للحوثيين، محذرة من استمرار الهجمات على المدنيين والسفن التجارية في البحر الأحمر.
وأكدت الخارجية حق المملكة في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها، ودعت إلى وقف التصعيد والتهديدات التي تستهدف أمن الملاحة. ويمنح البيان الغطاء السياسي للتحرك العسكري الذي لوّح به التحالف، كما يضع الهجمات ضمن إطار أوسع يتصل بحماية إمدادات الطاقة والتجارة الدولية.
ولم يعلن الحوثيون على الفور تفاصيل الأسلحة المستخدمة أو عدد الأهداف، لكن مسؤولين في الجماعة وصفوا الهجمات بأنها رد على الغارات الجوية والعمليات البرية التي تنفذها القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية في الجوف والبيضاء وتعز والحديدة.
وتشير المدن الأربع التي شملتها الهجمات إلى عملية متعددة المسارات استهدفت نطاقاً واسعاً من جنوب المملكة. وتضم هذه المدن مطارات وقواعد عسكرية ومنشآت للطاقة وشبكات كهرباء ومياه، إضافة إلى مناطق سكنية كثيفة.
ولا توجد حصيلة معلنة لعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أطلقها الحوثيون، أو عدد المقذوفات التي اعترضتها الدفاعات السعودية. لكن سقوط عشرات المصابين واندلاع حرائق في منشآت حيوية يشيران إلى وصول جزء من الهجوم إلى أهدافه، أو سقوط شظايا الصواريخ والطائرات المعترضة في مناطق مأهولة.
ويعيد الهجوم إلى الواجهة قدرة الحوثيين على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لفرض كلفة اقتصادية وأمنية داخل السعودية، بعدما راهنت الرياض خلال السنوات الماضية على التهدئة والاتصالات المباشرة لتجنيب أراضيها آثار الحرب.
وتزامن القصف على السعودية مع هجوم حوثي على مخيم أسداس للنازحين في مديرية رغوان، شمال محافظة مأرب، ما أظهر أن التصعيد لا يقتصر على تبادل الضربات بين مواقع عسكرية ومنشآت اقتصادية، بل يمتد إلى تجمعات مدنية شديدة الهشاشة.
وقال مدير إدارة النازحين في رغوان، حسين صالح الحواني، إن الهجوم أسفر عن مقتل طفل في السابعة وطفلة في الخامسة، وإصابة 15 شخصاً، بينهم ثمانية أطفال.
وأضاف أن القصف أدى إلى احتراق وتدمير 16 مسكناً بمحتوياتها، وتضرر ثلاث سيارات دُمرت إحداها بالكامل، فيما أصبحت 23 أسرة بحاجة إلى مأوى ومساعدات عاجلة.
وقال إعلام محافظة مأرب إن المخيم استُهدف بصاروخ باليستي. ولم يصدر الحوثيون تعليقاً يقر بالهجوم أو يوضح طبيعة الهدف الذي كانوا يسعون إلى إصابته، كما لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من مسار الصاروخ.
غير أن غياب أي موقع عسكري معلن داخل المخيم، وارتفاع عدد الأطفال بين الضحايا، يثيران تساؤلات بشأن المعلومات التي بُني عليها الهجوم ومدى التزام الجماعة بقواعد التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.
ويمثل استهداف مخيم للنازحين حلقة شديدة القسوة في جولة القتال الحالية. فالأسر الموجودة في المخيم غادرت مناطقها أصلاً هرباً من الحرب، ثم وجدت نفسها أمام الصواريخ في الموقع الذي لجأت إليه بحثاً عن الأمان.
كما يضع الهجوم المنظمات الإنسانية أمام حاجة عاجلة لتوفير مساكن بديلة ومواد إيواء وغذاء ورعاية صحية للأسر المتضررة، في وقت تعاني فيه خطة الاستجابة الإنسانية لليمن نقصاً حاداً في التمويل.
وتحمل هجمات الثلاثاء رسالة مزدوجة: الضغط على السعودية عبر منشآت الطاقة والمدن الجنوبية، واستهداف مناطق خصوم الحوثيين داخل اليمن بالصواريخ بعيدة المدى. ويتيح هذا النمط للجماعة الجمع بين الرد الإقليمي والاستنزاف الداخلي، لكنه يرفع في المقابل احتمالات تعرضها لحملة جوية واسعة.
وتأتي الهجمات بعد أيام من المواجهات العنيفة في غرب تعز وجنوب الحديدة، حيث حاول الحوثيون التقدم نحو مواقع المقاومة الوطنية والقوات المشتركة في الكدحة ومقبنة والبرح وسقم وأرياف حيس.
وردت المقاومة الوطنية، مسنودة بوحدات من ألوية العمالقة الجنوبية، بهجمات مضادة قالت إنها استعادت خلالها مواقع في ريف حيس ومفرق البرح ومرتفعات في غرب تعز، قبل أن توسع القوات المناهضة للحوثيين عملياتها إلى الجوف والبيضاء ومأرب والضالع.
وفي هذا السياق، قال عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية طارق صالح إن المواجهة مع الحوثيين والمشروع الإيراني لم تعد مرتبطة بجبهة واحدة، وإن فتح المحاور في مناطق مختلفة يعزز قدرة القوات على الصمود ويمنع الجماعة من حشد قواتها في اتجاه واحد.
وأضاف أن قوات الساحل الغربي تمكنت من كسر خطة إيرانية للسيطرة على باب المندب، معتبراً أن المعارك التي شهدتها الحديدة وغرب تعز أوقفت محاولة حوثية للضغط على الطريق الرابط بين مدينة تعز وميناء المخا.
وجاءت تصريحاته خلال زيارة لجرحى المعارك في مستشفيات المخا، بينهم قائد الفرقة الخامسة في المقاومة الوطنية العميد الركن عدي العماد.
وقال طارق صالح إن الهدف النهائي للعمليات هو الوصول إلى صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة، في خطاب يرفع سقف المواجهة من الدفاع عن الساحل إلى تبني مسار هجومي مفتوح.
ويعكس الحديث عن تحرير صنعاء تحولاً في خطاب القوى المناهضة للحوثيين بعد سنوات من الجمود العسكري. لكن القدرة على تحويله إلى خطة عملية ستظل مرتبطة بتوحيد القيادة العسكرية، واستمرار الإسناد الجوي، وتأمين التمويل والتعزيزات، وتجاوز الخلافات بين التشكيلات المختلفة.
فالمقاومة الوطنية تسيطر على قطاعات واسعة من الساحل الغربي، بينما تنتشر ألوية العمالقة في عدد من الجبهات، وتوجد في تعز والجوف ومأرب تشكيلات يمنية محلية موالية للسعودية لا تعمل جميعها تحت قيادة عمليات موحدة.
وقد يساعد فتح جبهات متعددة على تشتيت القوات الحوثية، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى توزيع قوات الطرف الآخر بصورة تفقده القدرة على تحقيق تقدم ثابت، خصوصاً إذا اقتصرت العمليات على اختراقات مؤقتة لا تتوافر لها خطوط إمداد وحماية جوية كافية.
ويبرز ذلك في محافظة البيضاء، حيث حققت ألوية العمالقة تقدماً في مواقع حدودية مع يافع، ثم أعادت تموضع بعض وحداتها بعد مواجهات وقصف حوثي مكثف. وتقول مصادر قريبة من العمالقة إن التحرك كان تكتيكياً، بينما يصفه الحوثيون بأنه انسحاب بعد فشل الهجوم.
وفي الجوف، أعلنت القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية تحقيق تقدم باتجاه معسكر اللبنات ومناطق قريبة من مدينة الحزم. غير أن الغارة التي أصابت الإصلاحية المركزية في الحزم وأسفرت، وفق الحوثيين، عن مقتل سبعة أشخاص، بينهم طفل، أضافت بعداً إنسانياً جديداً للتصعيد.
واتهمت الجماعة السعودية بتنفيذ الغارة، فيما لم تعلن الرياض مسؤوليتها عنها. واستخدم الحوثيون الحادثة لتبرير ضرباتهم داخل المملكة، قائلين إن استهداف المنشآت السعودية يأتي رداً على عودة القصف الجوي.
ويكشف تسلسل الهجمات والردود انهيار الفصل الذي حاولت الرياض إقامته بين أمن أراضيها والحرب داخل اليمن. فقد سعت السعودية إلى تثبيت تهدئة تمنع الحوثيين من استهداف حدودها ومنشآتها، من دون الوصول إلى تسوية تنهي سيطرة الجماعة أو توحد القوى المناهضة لها.
لكن الحوثيين احتفظوا بترسانتهم وبقدرتهم على استخدام المنشآت الاقتصادية السعودية ورقة للردع والضغط. ومع عودة الغارات وفتح الجبهات، انتقلت الجماعة سريعاً إلى مهاجمة العمق السعودي بدلاً من الاكتفاء بالرد داخل اليمن.
ويضع استهداف قطاع الطاقة الرياض أمام خيارات صعبة. فالرد المحدود قد لا يكون كافياً لاستعادة الردع، بينما يمكن لحملة جوية واسعة أن تدفع الحوثيين إلى إطلاق موجات أكبر من الصواريخ والمسيّرات على المنشآت النفطية والمطارات.
كما أن توسيع القصف داخل اليمن يحمل خطر سقوط مدنيين، وهو ما يسمح للجماعة بتقديم الحرب باعتبارها مواجهة مع السعودية، بدلاً من صراع داخلي يتعلق بسيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة وهجماتها على تعز والساحل.
ولا تظهر بيانات وزارات الطاقة والخارجية والتحالف أن الرياض حسمت خيار العودة إلى حرب مفتوحة، لكنها توضح أن سقف الرد السعودي ارتفع. فقد انتقلت المملكة من تأكيد احتواء الهجمات إلى الإقرار بتوقف عمليات في منشآت حيوية، وإعلان حقها في الرد وتحييد مصادر التهديد.
وتتجاوز تداعيات الهجوم الحدود السعودية واليمنية. فأي توقف طويل في منشآت النفط أو اتساع للهجمات على موانئ البحر الأحمر يمكن أن يرفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن، خصوصاً مع استمرار التوتر في مضيق هرمز.
وتستفيد إيران من توزيع الضغط بين هرمز وباب المندب، إذ تستطيع عبر الحوثيين تهديد الملاحة والمنشآت السعودية بعيداً عن أراضيها. لكن اتساع الأضرار قد يدفع قوى دولية إلى التعامل مع الجماعة بوصفها تهديداً مباشراً لأمن الطاقة العالمي، وليس طرفاً محلياً في الحرب اليمنية فقط.
وكان المبعوث الأممي هانس غروندبرغ دعا جميع الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، محذراً من أن العودة إلى القتال واسع النطاق ستفاقم الأزمة الإنسانية وتقوض فرص التسوية السياسية.
إلا أن الهجمات على السعودية ومخيم النازحين في مأرب تجعل العودة السريعة إلى التهدئة أكثر صعوبة. فالمملكة أصبحت أمام ضغط داخلي للرد بعد إصابة عشرات المدنيين وتضرر منشآت الطاقة، بينما يقدم الحوثيون الغارات داخل اليمن باعتبارها مبرراً لاستمرار عملياتهم عبر الحدود.
وتشير التطورات إلى أن الطرفين دخلا مرحلة اختبار للإرادة والقدرة على تحمل الكلفة. فالرياض تريد استعادة الردع من دون الغرق مجدداً في حرب استنزاف، والحوثيون يسعون إلى إثبات أن أي تدخل سعودي داخل اليمن سيقابله تهديد مباشر للاقتصاد والمدن السعودية.
أما المدنيون على جانبي الحدود فيتحملون الكلفة الأولى. ففي جنوب السعودية أصيب 73 شخصاً وتضررت منشآت مدنية واقتصادية، وفي مأرب قُتل طفلان وتحولت مساكن نازحين إلى ركام.
وبينما يرفع التحالف لغة التهديد ويطرح طارق صالح خيار توسيع الجبهات وصولاً إلى صنعاء، يبقى السؤال متعلقاً بما إذا كانت الجولة الحالية ستعيد رسم خطوط السيطرة، أم ستعيد إنتاج الحرب نفسها على مساحة أوسع، بصواريخ أكثر دقة وكلفة إنسانية واقتصادية أشد.



