رئيس التحرير يكتب:

هل تسعى السعودية لتفكيك "المقاومة الوطنية اليمنية" بسلاح الحوثيين؟

يمطر الحوثيون الموالون لإيران، ميناء المخا الاستراتيجي المطل على باب المندب، بصواريخ وطائرات مسيرة على مدار الساعة، في الوقت الذي يراقب السعوديون المشهد، الأمر الذي يوحي بأنهم يرون أن الحرب الحوثية هي في الأساس «حرب تخدم السعودية وتحالفاتها الجديدة»، ولماذا ترتفع الأصوات اليمنية الرافضة للوجود السعودي، وكذا الساخطة من الوجود ذاته في ظل غياب أي مساندة للمقاومة الوطنية والقوات التهامية في الساحل الغربي.

في ظل هذه الحرب على ميناء المخا، ما جدوى الوجود السعودي؟ هل تريد الرياض أن توصل اليمنيين إلى "قناعة" تقول إن حرب الحوثيين على المخا هي جزء من مؤامرة سعودية ـ إخوانية لإزاحة المقاومة الوطنية والقوات التهامية من المشهدين العسكري والسياسي؟.

منذ اليوم الأول للحديث عن التصعيد العسكري السعودي، والحديث عن ألف طائرة مسيرة بحوزة الأذرع السعودية في اليمن (قوات الإخوان المسلمين والسلفية الوهابية)، يتأكد لأي مراقب أن السعودية لا تريد استئناف الحرب، وأنها فقط تريد تمرير صفقة خارطة الطريق وتحقيق الاتفاق مع الحوثيين؛ لأن الرياض ـ على ما يبدو ـ لا تملك الجرأة على المضي فيها، في ظل وجود قوات عسكرية قد تعرقل خارطة الطريق، او قد تطالب بحصتها من الاتفاق، وفكرة الرياض تكمن في خلق اتفاقا في اليمن "بين الحوثيين والإخوان".

وأمام هذه التطورات، أعتقد أن الفريق طارق صالح مطالب بالخروج بموقف صريح وواضح، يضع اليمنيين أمام ما يحدث.. هل الحرب فقط ضد المقاومة الوطنية والقوات التهامية؟ أم أنها حرب شاملة؟ ويكشف حقيقة الموقف السعودي؟ لأن موقف مجلس رشاد العليمي لا يمثل إلا ما تريده السعودية؟

خلال الأيام الماضية، قالت السعودية إنها أنشأت تحالفين؛ الأول للدول المشاطئة للبحر الأحمر، والآخر تحالف إسلامي سني، لكن سرعان ما تراجع السعوديون عن فكرة أنه «تحالف سني في مواجهة تحالف شيعي تتزعمه إيران».

ويمكن فهم هذا التراجع السعودي على لسان ممدوح المهيني، مدير عام قناتي العربية والحدث، وهو أحد صناع السياسة الإعلامية السعودية والمقرب من ولي العهد محمد بن سلمان، أي أن حديثه هو بناءً على موجهات ما يريده ابن سلمان.

يقول المهيني إن «الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لاتفاقية مكة للدفاع المشترك، هي اتفاقية غير هجومية وغير توسعية وليست موجهة لأحد، بل تحالف يدفع نحو مزيد من الاستقرار في منطقة عانت طويلاً من الفوضى والأزمات، ويسهم في تهيئة بيئة آمنة للتنمية والازدهار لعقود مقبلة، بعيداً عن مخاطر الحروب والصراعات، وهذا في مصلحة الجميع».

أي أن هذا التحالف ليس ضد إيران، وهو ما يعني أنهم لا يريدون من أنقرة وإسلام آباد إسناد التوجه السعودي المعلن لإخراج الحوثيين من صنعاء. وفي الوقت نفسه، يشير حديث المهيني إلى أن هذا التحالف المفترض «ليس ضد إسرائيل»، ولا ضد أي دول عربية.

وذهب المهيني بعيداً إلى تشبيه الارتماء السعودي في حضن الخصم اللدود «تركيا»، بهدف إنهاء عقود من القلاقل؛ لأنه سيجعل اندلاع الحروب مسألة أكثر صعوبة.

تبدو التفسيرات السعودية المكثفة لحالة الارتماء السعودي في أحضان تركيا وباكستان بأنه «غير هجومي»، و«غير توسعي»، و«ليس موجهاً لأحد».. إذاً، ما هو دور هذا التحالف؟ وإذا ما افترضنا أن الرياض، وهي تقدم تفسيرات لهذا التحالف، فهذا يعني أن «مشكلة السعودية مع إيران انتهت بالاتفاق مع واحدة من أهم حلفاء طهران، إسلام آباد».

لكن الحديث السعودي «المبالغ» عن هذا التحالف، والذهاب نحو تشبيهه بـ«الناتو»، هو محاولة للهروب من مشكلة داخلية وانقسام حول كلفة الحرب اليمنية التي لم تنته حتى اليوم، وأصبحت كلفة إنهاء هذه الحرب بالنسبة لإدارة ولي العهد السعودي «باهظة جداً»، ناهيك عن أن خروجها من الملف اليمني دون هزيمة الحوثيين هو الإقرار بـ«هزيمة أمام إيران وأذرعها»، والارتماء في تحالف مع إيران الجريحة، قد يخفف "كلفة الحرب الباهضة تلك في مواجهة الداخل السعودي الذي يرى دولته تنهزم امام جماعة يمنية مسلحة".

فالضربة التي وجهتها الرياض في اتجاه فصائل الحشد الشعبي في العراق بدت وكأنها خطوة حرب انفرادية، أو خديعة أمريكية لإقحام السعودية في الحرب ضد إيران.. التراجع السعودي عن تلك العملية، والترحيب بوساطة إيرانية لحل إشكالية الضربة من خلال الاعتذار وتعويض الحشد الشعبي والفصائل التي جرى استهدافها، بـ7 مليار دولار أمريكي، والالتزام بتقديم دعم سنوي لهذه الفصائل بـ1 مليار دولار أمريكي، هي محاولة لامتصاص «ردة فعل تلك الجماعات التي لا تزال تناور ولم تقرر بعد الرد على الضربة السعودية أو الإعلان أن القضية قد تمت تسويتها».

ما يمكن فهمه من التحالفات السعودية «الطارئة مع خصوم سابقين كتركيا» هو أن الرياض تسعى للخروج من صيغة «الاستسلام امام إيران»، الى خلق توصيفات جديدة "التحالفات الإسلامية"، ضمن محور «سني شيعي»، لمحاولة الهرب من أزمة انقسام داخلية جديدة؛ فالرياض التي ظلت على مدى ربع قرن تدعو دولاً عربية تتهمها بالتحالف مع إيران إلى العودة إلى الحضن العربي، والحضن العربي الذي كان السعوديون يرسمون حدوده، أصبح الرياض خارجه، فهي لم تكتف بإعادة الحياة إلى روح «الإسلاميين والمتطرفين» الذين كانت تنتظرهم خطوة تصنيف أمريكية واسعة "تضعهم على قوائم الإرهاب"، فمنذ الـ2 من يناير الماضي على الجنوب، وتفكيك قوات مكافحة الإرهاب، ظهر التنظيم الدولي لجماعة الاخوان المسلمين، يبارك الحرب السعودية، وكرر مباركته مرة أخرى بـ"إعلان اتفاق مكة مع تركيا وباكستان".

يبدو لي اليوم أن محاولة ولي العهد محمد بن سلمان  لإزاحة جماعة الإخوان المسلمين قد باءت بالفشل.. فالرجل الذي بدأ قوياً عقب إزاحة ولي العهد الأمير محمد بن نايف، وذهب إلى وصف تركيا وجماعة الإخوان المسلمين بـ«مثلث الشر»، عاد الآن إلى التحالف مع هذا المثلث.. قد لا يبدو الأمر فيه تناقضاً بالنسبة للسعوديين، ولكن الأمر هو بحد ذاته تراجع عن "مشروع حاكم العرش المنتصر"، الذي يريد التغلب على نظام جماعة الإخوان المسلمين المتغلغل في العرش.

لقد شنت حرباً على القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وهددت بقصف عدن، وقصفت فعلاً الضالع. لكن حيال تلك الحرب التي ستظل عالقة في الذهنية الجنوبية، وتأكيداً على عدم مشروعية التدخلات السعودية، يتعزز لدى الغالبية العظمى من اليمنيين الذين كانوا يعتقدون أن «الجارة الكبرى» يمكن أن تصل باليمنيين إلى سلام واستقرار، ولكن الواقع اليوم يشي بأن الرياض تريد الذهاب باليمن نحو منزلق خطير، «تسليم البلد كلها للحوثيين»، لأنها على وشك ضمان المصالحة مع إيران بالتحالف مع «باكستان»، وعلاقة تضاف إلى رعاية الصين لاتفاق بكين 2023م.

واليمن يمكن أن يكون هدية سعودية لاتفاق إسلامي أوسع «سني ـ شيعي». ومهما كانت المبررات السعودية وتقديم رسائل تطمين تجاه المحور الآخر المناهض لإيران، فإن السعودية عادت إلى حضن الإسلام السياسي من أوسع أبوابه؛ لا تحالف سني في مواجهة الشيعة، ولكن تحالف إسلامي أوسع، تكون فيه الكلمة الأولى لمحور "الاخوان وإيران وأذرعها".

فالخطوات السعودية منذ يناير (الحرب السعودية على الجنوب)، وما تلاها وصولاً إلى اتفاقية مكة، كانت جماعة الإخوان المسلمين (التنظيم الدولي) المرحب الأوحد بكل هذه الخطوات، وهو تأكيد على أن النهج السعودي الحالي، وربما المستقبلي، لا يتقاطع مع النهج الإخواني، ولكن يسيران في طريق واحد، يضاف إليه المحور الشيعي.

واليمن قد يكون الاختبار الحقيقي لهذا التحالف: «المصالحة بين الإخوان في اليمن والحوثيين»، بتدخل فصائل فلسطينية إخوانية على علاقة وثيقة بالإخوان «لتوقيع مصالحة بين إخوان اليمن والحوثيين». وقد يكون هذا التحالف المفترض مدخلاً لانسحاب السعودية دون أي تبعات لما خلّفه التدخل العسكري في اليمن.

منذ ربع قرن والسعودية تتدخل في اليمن عسكرياً، فالتدخل ليس وليد عاصفة الحزم، إذ تدخلت السعودية عسكرياً في حروب صعدة الستة (2004 ـ 2006). ماذا نتج عن هذا التدخل؟ «توسيع نطاق الصراع من جبال مران إلى كل صعدة، ولاحقاً عمران وصنعاء والحديدة والبيضاء وتعز والجنوب».

«هل نجحت السعودية في حربها باليمن؟ "الإجابة قطعية: لا".. لكن بالنظر إلى ما يحدث اليوم في الساحل الغربي، فهي معركة حوثية للسيطرة على باب المندب، لكن الإدارة السعودية تقدمها على أنها جزء من استراتيجية "إزاحة القوى العسكرية الوطنية والبعيدة عن النفوذ السعودي".. وإلا لماذا لم تساند السعودية المقاومة الوطنية والقوات التهامية في هذه المعركة.

 لكن بالنظر الى ما يحدث في الساحل الغربي، والصمت السعودي حيال تلك الحرب مع انها سبق وحرضت على خوض حرب أوسع ضد الحوثيين بدعوى استعادة صنعاء، لكن تلك الحرب لم يتحمس لها اليمنيون بالنظر إلى الموقف السعودي الأخير من المجلس الانتقالي الجنوبي، ترى الكثير من القوى اليمنية ان السعودية تريد استنزافها في حرب لم تعد لها أي اهداف وطنية، سوى انها تريد انتزاع اليمن من الحوثيين للإخوان او الضغط على الحوثيين للقبول بتسوية سياسية يصبح فيها الطرفان شركاء في السلطة والنفوذ وهو ما بات يرسم على أرض الواقع بخطوات سعودية تطبخ في الرياض بحبر حلفاء طهران الذين يريدون الحكم يؤل في نهاية المطاف لجماعة تكون أقرب لنظام ولاية الفقيه وحليفة للحوثيين في اليمن.