رئيس التحرير يكتب:

السعودية تستدعي الجهاديين إلى اليمن.. هل تعيد إنتاج الكارثة السورية؟

تعود السعودية إلى الوصفة التي تتقنها كلما أخفقت جيوشها ووكلاؤها: استدعاء الدين إلى ساحة الحرب، وجمع المقاتلين الإسلامويين تحت راية مواجهة «الكفار والروافض». حدث ذلك في أفغانستان وسوريا، وتظهر اليوم مؤشرات إلى محاولة تكراره في اليمن، بعدما مُنيت الرياض بهزيمة عسكرية كشفت ضعف قواتها وانهيار رهاناتها في الساحل الغربي.

خرجت الإمارات من المعادلة، وأُقصي المجلس الانتقالي الجنوبي، وفُككت الترتيبات العسكرية التي منحت المعركة ضد الحوثيين والتنظيمات المتطرفة قدراً من الانضباط والوضوح. وعندما انفردت السعودية بإدارة الملف، ظهر الفرق بين بناء قوات وطنية تقاتل من أجل أرض ومشروع سياسي، وبين جمع تشكيلات تبحث عن الراتب أو تنتظر التوجيه من غرفة عمليات خارجية.

لم تكن هزيمة الساحل الغربي صغيرة أو قابلة للتغطية ببيان عسكري. تحدثت «رويترز» عن إخفاق استخباراتي سعودي وانهيار للقوات المحلية التي تعتمد عليها الرياض، بعدما تمكن الحوثيون من حشد نحو مئة ألف مقاتل من دون أن تكتشفهم منظومة المراقبة السعودية في الوقت المناسب. ثم جاءت الضربة، وسقطت المواقع، ووصل الحوثيون إلى مناطق استراتيجية قرب باب المندب، واستولوا على أسلحة قدمتها السعودية والولايات المتحدة لحلفائهما.

هذه الهزيمة هي مدخل فهم ما يحدث الآن. فالرياض لا تبحث فقط عن قوات جديدة؛ إنها تبحث عن طريقة لتغطية فشل عسكري وسياسي كامل. ولهذا بدأت اللغة تتغير.. عادت مفردات المذهب والتكفير والدفاع عن المقدسات، وظهرت تقارير عن محاولات لجلب مقاتلين من الخارج، في مشهد يعيد إلى الذاكرة الطريقة التي أُديرت بها الحرب السورية.

نقلت وسائل إعلام ومنصات سعودية عن المفتي العام الشيخ صالح الفوزان اتهامه للحوثيين بسبّ الصحابة والخروج من الإسلام، ودعا في الفتوى إلى الاستعداد لقتال الحوثيين على اعتبار انهم خرجوا عن الدين الإسلامي. لكن توقيت تلك الفتوى وطريقة توظيفها لا يحتاجان إلى كثير من الشرح، بل أصبح من الواضح أن المطلوب هو نقل المعركة من كونها صراعاً سياسياً وعسكرياً مع جماعة مسلحة إلى حرب بين السنة والشيعة.

وهنا تبدأ الكارثة.. الحوثيون جماعة دينية مسلحة استولت على صنعاء بالقوة، وصادرت الدولة، وأقامت سلطة قمعية تستند إلى السلاح والسلالة. هذه حقائق لا تحتاج إلى فتوى. لكن مواجهة الحوثي باعتباره مشروعاً انقلابياً شيء، وتكفير بيئته الاجتماعية والمذهبية شيء آخر. الأول يمكن أن يبني جبهة وطنية، أما الثاني فيمنح الحوثيين المبرر الذي يريدونه لتقديم أنفسهم بوصفهم حماة لمذهب مستهدف سعوديا ومن الجماعات المتطرفة.

وسبق فتوى المفتي السعودي الفوزان، أن شنت منصات سعودية حملة واسعة عن محاولة حوثية لاستهداف مكة المكرمة. قالت الرياض إن دفاعاتها اعترضت طائرة مسيّرة جنوب مكة، بينما نفى الحوثيون استهداف الأماكن المقدسة، والمرئيات التي نشرها السعوديون لما زعموا انه استهداف مكة، يعود إلى صواريخ أطلقها الحوثيون العام الماضي 2025م، باتجاه إسرائيل واعترضتها الدفاعات السعودية فوق المدينة المنورة وليس في مكة.

لكن هذه المزاعم التي انتشرت وروج لها بشكل كبير جداً، كانت مدخلا للتعبئة على أساس مذهبي ضد الحوثيين، وهو الأمر الذي كانت السعودية قد بدأت صراعها مع الحوثيين من خلال تجييش الجماعات الإسلامية من سلفية واخوان مسلمين وتنظيمي القاعدة وداعش، لدعم الأذرع المحلية الموالية للسعودية في مواجهة الحوثيين، لكن الرياض سرعان ما أوقفت تلك الحرب المذهبية بعد ان وقعت اتفاقا مع إيران، اعقبه زيارة السفير السعودي الى صنعاء في العام 2023م، لتعلن نهاية الصراع المذهبي وذهب محمد بن سلمان إلى التأكيد ان الحوثيين "أقرب إلى بلاده من إيران"، وتبعته بعد النخب السعودية التي كانت تبرر الحرب السعودية على الجنوب في يناير الماضي، على ان المجلس الانتقالي الجنوبي لم يختار العلاقة مع الرياض مثل ما فعل الحوثيون في شمال اليمن، الذي قال السعوديون إنهم بدأوا التخلي عن علاقتهم بإيران.

اليوم الرياض تحتاج إلى غطاء ديني لمعركة لم تعد قادرة على إقناع اليمنيين بخوضها نيابة عنها. فالجنوبيون لا يريدون العودة إلى حرب في الشمال بعد أن قصفت السعودية قواتهم، وفككت مؤسساتهم، ورفضت الاعتراف بقضيتهم. وقوات الساحل الغربي خرجت من هزيمة ثقيلة، بينما بقيت قوات الإخوان في مأرب وتعز أقل اندفاعاً إلى الحرب التي تتحدث عنها الرياض.

من سيقاتل إذن؟.

وسائل إعلام تركية قالت إن السعودية طلبت من الرئيس السوري أحمد الشرع إرسال مقاتلين سوريين إلى اليمن، لكن دمشق رفضت تنظيم قوة رسمية وإرسالها، لكنها لا تستطيع منع من يقرر الذهاب بصورة فردية إلى هناك، وربما قد يراها الرئيس السوري أحمد الشرع فرصة للتخلص من الكثير من مقاتلي الفصائل المتطرفة..

وهذه ليست مسألة هامشية. سوريا تضم مقاتلين جُمِعوا خلال سنوات الحرب من دول ومشارب متعددة، وبعضهم لا يزال يحمل العقيدة الجهادية نفسها التي نقلته من بلاده إلى ساحات القتال.. وفتح الباب أمام انتقال هؤلاء «فرادى» إلى اليمن يعني إنشاء مسار تجنيد لا تعترف به دولة ولا تتحمل مسؤوليته حكومة، لكنه يؤدي الغرض العسكري لمن يدفع ويوجه.

هكذا بدأت الكوارث السابقة. لا يذهب المقاتل الأجنبي إلى بلد ممزق ليبني دولة مدنية أو يعيد مؤسساتها. يأتي محملاً بعقيدته، وبقائمة أعدائه، وبمشروع يتجاوز حدود البلد الذي يقاتل فيه.. وحين تنتهي المهمة التي جُلب من أجلها، لا يعود إلى منزله ببساطة.. يبحث عن عدو جديد، أو منطقة جديدة، أو جماعة يمول عبرها حرباً أخرى.

جربت سوريا هذا الطريق.. بدأت الحكاية بتسليح المعارضة، وانتهت بمدن تسيطر عليها جماعات متصارعة، وبـ«داعش» و«النصرة» وسيارات مفخخة وأسواق للنخاسة وعمليات إرهابية مصورة.. دفعت سوريا الثمن، ثم حاول كل ممول أن يتبرأ من المخلوق الذي ساهم في صناعته.

هل تريد السعودية نقل التجربة نفسها إلى اليمن؟

يعرف اليمن تنظيم «القاعدة» جيداً، ولا يحتاج إلى مقاتلين جدد كي يتذكر جرائمه.. فقد تأسس تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» عام 2009 نتيجة اندماج عناصر يمنية وسعودية، بشهادة لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي، وكانت العناصر السعودية جزءاً أصيلاً من بنية التنظيم منذ ولادته.

وسبق أن قاد السعودي خالد باطرفي التنظيم حتى إعلان وفاته عام 2024، فيما كان أسامة بن لادن سعودياً.. وتؤكد وثائق أمريكية وأممية أن عدداً من القيادات السعودية لعب أدواراً مؤثرة في التنظيم داخل اليمن.

الجنسية وحدها لا تثبت صلة تلك القيادات بالمخابرات السعودية، لكن ذلك لا يلغي السؤال عن طبيعة البيئة التي سمحت بانتقال هذا العدد من المتشددين السعوديين إلى اليمن، ولا عن الجهات التي غضت الطرف عن حركتهم أو حاولت توظيف العداء بينهم وبين الحوثيين.

المشكلة ليست فقط في أن السعودية قد ترسل مقاتلين متشددين.. الأخطر أنها قد تعيد فتح المجال أمام تنظيمات تعرف كيف تختبئ خلف الحرب، ثم تتمدد داخل الفراغات الأمنية.

في أبين وشبوة وحضرموت، خاضت القوات الجنوبية، بدعم إماراتي، معارك قاسية ضد «القاعدة». قُتل جنود وضباط، وفُككت معسكرات، وطُرد التنظيم من المكلا ومناطق أخرى كان يستخدمها للتجنيد والتمويل. وفي وادي عومران بأبين، دخلت القوات الجنوبية مواجهة طويلة مع خلاياه وعبواته الناسفة.

بعد إقصاء المجلس الانتقالي وخروج الإمارات، تراجعت تلك المعارك بصورة لافتة. وفي المقابل، عادت تحركات عناصر وقيادات متشددة وظهورها في مناطق سبق تحريرها.. هذا لا يكفي وحده لإثبات تنسيق سعودي مباشر مع «القاعدة»، لكنه يجعل الصمت السعودي سؤالاً مشروعاً: أين ذهبت الحرب على التنظيم؟ ولماذا اختفى هذا الملف من الأولويات بمجرد انتقال القرار الأمني إلى الرياض؟.

السعودية تقول إنها شريك في مكافحة الإرهاب، لكن السياسات السعودية عكس ما تقوله البيانات، بل ما ينتج على الأرض، فحين فككت السعودية، القوات الجنوبية التي قاتلت التنظيم، ويُستدعى الخطاب التكفيري، ويُبحث عن مقاتلين من سوريا، فإن النتيجة الموضوعية هي خلق بيئة مثالية لعودة الجهادية، بصرف النظر عن النيات المعلنة.

منذ يناير وحتى اليوم، أنتجت السعودية واقعا خصبا للجماعات المتطرفة «القاعدة وداعش»، فلا شيء صنعته الرياض سوى إعادة انتاج هذه الجماعات المتطرفة، فالسلطات المحلية والمركزية "حكومة في المنفى"، قرارها مصادر من قبل السلطات السعودية التي أنكرت القضية الجنوبية بدلاً من حلها.

في المقابل، يملك الحوثيون قيادة مركزية، وسلسلة أوامر واضحة، وعقيدة قتالية، ومشروعاً سياسياً، ودعماً إيرانياً.. قد يكون مشروعهم خطيراً وعنصرياً وعدائياً، لكنه مشروع متماسك.. ولا يمكن مواجهة هذا التماسك بمجموعات جهادية متفرقة تتقاتل اليوم إلى جانبك وقد تنقلب عليك غداً.

السعودية لا تريد الاعتراف بهذه الحقيقة لأنها ستضطر عندها إلى مراجعة كل ما فعلته منذ خروج الإمارات.. ستضطر إلى الاعتراف بأنها فككت القوى الأكثر قدرة على القتال، وعاقبت الجنوب الذي كان شريكاً في مواجهة الحوثيين والإرهاب، وتركت جبهات الإخوان يعبثون بالمدن الجنوبية المحررة، ثم صنعت سلطة محلية لا يعرف أعضاؤها إن كانوا رؤساء دولة أم موظفين لدى السفير السعودي.

عندما كانت الإمارات حاضرة، وصلت القوات المناهضة للحوثيين إلى الكيلو 16 عند أبواب الحديدة، وثبتت وجودها في باب المندب والساحل الغربي. وفي الجنوب، تحررت عدن والمكلا، وخسر «القاعدة» مدناً ومصادر تمويل ومناطق نفوذ.

بعد خروج الإمارات، انهارت قوات الساحل الغربي في أول اختبار كبير، القوات الموالية للسعودية بدت ضعيفة التجهيز والتنسيق، لأنها اعتمدت على اقصاء الشركاء والحلفاء، وفتحت الطريق أمام عودة التنظيمات المتطرفة، قبل ان تجد نفسها تضطر إلى سحب قواتها من ميناء المخأ الاستراتيجي قبل سيطرة الحوثيين عليه، لترمي بالهزيمة على القوات المحلية في حين أن نتيجة تلك المعركة كانت "هزيمة سعودية أمام إيران".

الحروب السعودية ضد إيران –كما يصنفها السعوديون أنفسهم- أموال كثيرة، تشكيلات كثيرة، بيانات كثيرة، وعند أول اختبار حقيقي لا يبقى في الميدان شيء، وإيران تكسب المعركة دون أي بيانات او تصريحات، وتترك للرياض حرية منح الصراع "صبغة مذهبية".

وهذا ما تريد الرياض فعله معالجة الهزيمة باستدعاء الدين والجهاديين. تريد أن تقنع المقاتل السوري أو الأجنبي بأن الحوثي «رافضي كافر»، بعدما عجزت عن إقناع الجنوبي بأنه يجب أن يموت لتحرير صنعاء بينما تقصف السعودية بلاده وتحرمه من حقه في استعادة دولته.

لكن تحويل الحرب إلى مواجهة مذهبية سيخدم الحوثيين أكثر مما يضرهم. سيقولون لأتباعهم إنهم يدافعون عن مذهبهم في مواجهة حملة تكفيرية تقودها السعودية. وسيوظفون كل فتوى وكل مقاتل أجنبي لتجنيد آلاف اليمنيين. وعندها لن تكون الحرب على جماعة انقلابية، بل حرباً أهلية دينية لا يعرف أحد كيف تنتهي.

كما أن العالم لن يتعامل بسهولة مع انتقال مقاتلين متشددين إلى اليمن. فإذا ثبت أن الرياض نظمت أو موّلت هذا التدفق، فستواجه سؤالاً لا تستطيع صفقات العلاقات العامة الإجابة عنه: كيف تدّعي دولة محاربة الإرهاب بينما تستدعي البيئة البشرية والفكرية نفسها التي أنجبت «القاعدة» و«داعش»؟

قد يجلب المال السعودي آلاف المقاتلين. وقد توفر الفتوى غطاءً مؤقتاً. وقد تبدأ الحرب بضجيج إعلامي عن تحرير صنعاء والدفاع عن مكة. لكن المقاتلين العقائديين لا يبنون دولة، والتنظيمات المتشددة لا تنسحب عندما تنتهي المهمة، والحرب المذهبية لا تبقى داخل الحدود التي يرسمها ممولوها.

السؤال ليس ما إذا كانت هذه الجماعات تستطيع قتال الحوثيين. تستطيع أن تقاتل، وتفجر، وتقتل، وتقطع الرؤوس. السؤال هو: ماذا سيبقى من اليمن بعد أن تنتهي المعركة، ومن سيعيد هؤلاء إلى البلدان التي جاءوا منها؟

لقد جرّبت السعودية الوصفة نفسها في ساحات سابقة، وكانت النتيجة دولاً مدمرة وتنظيمات خرجت عن السيطرة. وإذا كررتها في اليمن، فلن تحقق نصراً عجزت عنه جيوشها، بل ستضيف إلى الحوثيين خطراً آخر، وتضع الجنوب بين جماعة سلالية مسلحة من الشمال وجماعات جهادية تستدعيها الرياض من الخارج.

اليمن لا يحتاج إلى «سنة جهاديين» في مواجهة «شيعة الحوثي». يحتاج إلى مشروع وطني، وإلى قوات تنتمي إلى أرضها، وإلى الاعتراف بأن الجنوب ليس خزّاناً بشرياً لحروب السعودية، وأن القوى التي حققت الانتصارات مع الإمارات لا يمكن استبدالها بمقاتلين عابرين للحدود.

أما إذا أصرت الرياض على الطريق الآخر، فستكون قد نقلت اليمن من حرب على انقلاب حوثي إلى حرب بين تنظيمات عقائدية. وعندها لن يكون السؤال: هل ستنتصر السعودية؟

سيكون السؤال: كم دولة ستحتاج المنطقة إلى إنقاذها من النتائج؟

 

#صالح_أبوعوذل