الافتتاحية
اليمن قبلة للمتطرفين والسعودية تجلب قوات سورية إلى أراضيها
لا يحتاج اليمن إلى مزيد من المقاتلين. هذه حقيقة يفترض أن تكون بديهية بعد نحو اثني عشر عاماً من الحرب، ومئات آلاف الضحايا، وانهيار الدولة، وتعدد الجيوش، وانتشار السلاح، وتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة للحسابات الإقليمية. ومع ذلك، تتصرف السعودية كأن مشكلة اليمن تكمن في نقص الرجال القادرين على حمل البنادق، لا في غياب المشروع السياسي والقيادة العسكرية والغاية الواضحة من الحرب.
خلال الأيام الماضية، كشفت تقارير دولية أن الرياض استعانت بعسكريين سوريين لتقديم التدريب والمشورة إلى القوات السعودية والوحدات اليمنية الموجودة داخل المملكة. وقالت «رويترز»، نقلاً عن مصدرين عسكريين سوريين ومسؤول أمريكي، إن عشرات العسكريين السوريين وصلوا إلى السعودية، وإن مهمتهم المعلنة تتمثل في نقل الخبرة القتالية وتحسين كفاءة القوات التي تواجه الحوثيين. وتزامن ذلك مع اتفاق دفاعي وقّعته الرياض ودمشق خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة.
نفت دمشق اتخاذ قرار بإرسال قوات إلى اليمن، ووصفت الحديث عن انتشار عسكري بأنه سابق لأوانه. هذا النفي مهم، لكنه لا يلغي السؤال الذي فتحته الاتصالات السعودية السورية: لماذا وصلت الرياض، بعد أكثر من أحد عشر عاماً من التدخل في اليمن، إلى البحث عن خبرات ومقاتلين من دولة خرجت لتوها من حرب أهلية طويلة؟
المشكلة ليست في جنسية المدربين أو العسكريين السوريين. وليست كل قوة سورية جماعة متطرفة، ولا يجوز وضع جميع الذين قاتلوا نظام بشار الأسد في خانة واحدة. لكن الجيش السوري الجديد لم يتشكل داخل مؤسسة عسكرية تقليدية مستقرة، بل خرج من فصائل مسلحة متباينة، بينها مجموعات ذات مرجعيات إسلامية ومقاتلون أجانب انتقلوا إلى سوريا خلال سنوات الحرب.
وقد تحدثت تقارير أمريكية سابقة عن مناقشات شملت احتمال الاستعانة بوحدات تضم مقاتلين إسلاميين أجانب شاركوا في الحرب السورية تحت مظلة فصائل معارضة. ورغم عدم اتخاذ قرار معلن بنشرها، فإن مجرد طرح هذا الخيار يعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر التجارب كلفة في تاريخ اليمن: استقدام المقاتلين العقائديين واستخدامهم في صراع سياسي، ثم تركهم يبحثون عن حرب جديدة بعد انتهاء المهمة الأولى.
هناك شيء غير طبيعي في أن تتحول السعودية، التي قادت تحالفاً واسعاً وتملك واحداً من أكبر الإنفاقات العسكرية في العالم، إلى دولة تبحث عن مدربين ومقاتلين من سوريا والسودان وباكستان وتركيا ومصر، كي تواجه جماعة بدأت قبل عقود حركة مسلحة صغيرة في جبال صعدة.
لا تكشف هذه التحركات قوة التحالف السعودي، بل تكشف عمق أزمته. فالدولة التي دخلت اليمن عام 2015 تحت عنوان استعادة الحكومة المعترف بها دولياً، أنفقت مليارات الدولارات على الجيوش والتشكيلات والمجالس والقيادات، لكنها لم تبنِ قوة يمنية موحدة تستطيع حماية المدن أو استعادة صنعاء أو إبعاد الحوثيين عن الحدود السعودية.
أصبح اليمن، نتيجة هذه السياسة، مكاناً مثالياً لاستقبال المقاتلين الباحثين عن وظيفة جديدة. البلد مفكك، والحدود مفتوحة، والسلطات متعددة، والسلاح متاح، والرواتب العسكرية باتت مصدراً للعيش. لا توجد مؤسسة واحدة تعرف عدد القوات أو هويات أفرادها أو مصادر تمويلها. ولا توجد قيادة تستطيع أن تضمن أن المقاتل الذي دخل اليوم تحت اسم مدرب أو مستشار لن يظهر غداً في معسكر داخل حضرموت أو المهرة أو شبوة.
السعودية لا تعالج انهيار المنظومة التي بنتها، بل تحاول ترقيعها بعناصر جديدة. وكلما فشل تشكيل، أنشأت تشكيلاً آخر. وكلما تعثر قائد، عيّنت قائداً جديداً. وكلما عجز الحلفاء اليمنيون عن تنفيذ ما تريده، بحثت عن حلفاء من خارج اليمن. هكذا تحولت الحرب من مشروع لاستعادة دولة إلى سوق للمقاتلين والمستشارين وشركات السلاح.
الجنوب سيكون أول من يدفع الثمن إذا انتقلت الاستعانة بالسوريين من التدريب داخل المملكة إلى الانتشار داخل اليمن. فالرياض لن تنقل هذه القوات إلى صعدة مباشرة، ولن تنزلها في صنعاء. ستدخل عبر مطارات وموانئ الجنوب، وستقيم معسكراتها في المناطق التي تسيطر عليها القوات الموالية للسعودية، وستتحرك في جغرافيا تمتد من المهرة إلى وادي حضرموت وصحراء شبوة ولحج.
هذه المناطق ليست مجرد مساحة عسكرية خالية. إنها مدن وقرى ومجتمعات عانت طويلاً من تنظيم القاعدة والجماعات المسلحة. وقد دفعت حضرموت وأبين وشبوة ثمناً كبيراً لطرد التنظيمات المتطرفة وبناء قوات محلية تعرف الأرض والسكان والمسارات الصحراوية.
حين جرى تفكيك جانب من هذه القوات أو تغيير قياداتها وإعادة توزيعها وفق الحسابات السعودية، عاد النشاط المتطرف إلى الظهور. والآن، بدلاً من ترميم الأجهزة المحلية المتخصصة في مكافحة الإرهاب، يجري التفكير في استقدام مقاتلين خرجوا من واحدة من أكثر الحروب طائفية وتعقيداً في المنطقة.
المقاتل القادم من الحرب السورية لا يدخل اليمن بلا ذاكرة. يحمل معه تجربته وتحالفاته وخصوماته وفهمه للدين والحرب والدولة. وقد يكون جندياً منضبطاً يعمل ضمن مهمة محددة، لكنه قد يكون أيضاً مرتبطاً بشبكة عقائدية عابرة للحدود. وفي بلد بلا سلطة مركزية حقيقية، لا توجد ضمانة جدية للفصل بين الحالتين.
من سيجري التدقيق في هويات القادمين؟ حكومة المنفى اليمنية التي لا تملك قرارها ولا تسيطر على قواتها؟ مجلس القيادة الرئاسي الذي يعجز أعضاؤه عن الاتفاق على إدارة مدينة؟ أم الجهات السعودية التي أمضت سنوات تمول تشكيلات متنافسة، ثم فوجئت بأن هذه التشكيلات لا تستطيع القتال معاً؟
ومن سيعيد هؤلاء إلى سوريا إذا انتهت المهمة أو تغيرت المصلحة السعودية؟ ومن سيمنعهم من الانتقال إلى شبكات القاعدة وداعش أو إنشاء جماعات جديدة؟ ومن سيحاسبهم إذا دخلوا في نزاع مع السكان أو القوات المحلية؟
هذه ليست أسئلة نظرية. اليمن عرف التجربة نفسها من قبل. في حرب عام 1994، استُخدم مقاتلون عائدون من أفغانستان ضد الجنوب. جرى تقديمهم يومها باعتبارهم قوة عسكرية تساعد في حسم الحرب، لكن انتهاء القتال لم ينهِ وجودهم. تحول بعضهم إلى أدوات اغتيال وترهيب، ثم أصبحوا جزءاً من البيئة التي أنتجت تنظيم القاعدة في جزيرة العرب.
دفعت عدن وأبين وشبوة وحضرموت ثمن تلك الصفقة لعقود. استُهدفت المقار والسفارات والفنادق والمعسكرات، واغتيل ضباط وأمنيون وأئمة وصحافيون. وحين احتل تنظيم القاعدة المكلا عام 2015، حكم ساحل حضرموت أكثر من عام، وجمع الأموال من الميناء والضرائب، وحول المدينة إلى مركز مالي ولوجستي.
لم يطرد التنظيم تفاوض سياسي أو بيان صادر من الرياض. أخرجته قوات محلية تشكلت من أبناء حضرموت وعرفت مناطقها وقبائلها. ومع ذلك، بدلاً من حماية هذه التجربة، تعاملت السعودية مع القوات المحلية كجزء من نفوذ منافس، وأعادت ترتيبها وفق حساباتها السياسية.
المفارقة أن الرياض تضرب البنية الأمنية المحلية التي أثبتت قدرتها على مكافحة الإرهاب، ثم تبحث عن خبرة عسكرية في بيئة خرجت منها تشكيلات تحمل أفكاراً متطرفة. إنها لا تنقل الحل إلى اليمن؛ تنقل إليه مشكلة إضافية.
الأخطر أن الاستعانة بمقاتلين ذوي خلفيات دينية قد تحول الصراع مع الحوثيين إلى حرب مذهبية صريحة. الحوثيون جماعة مسلحة ذات مشروع سياسي وعقائدي مرتبط بإيران، ومواجهتهم ضرورة لحماية اليمن والمنطقة. لكن هذه المواجهة لا تحتاج إلى بناء جيش سني عابر للحدود، ولا إلى تقديم الحرب باعتبارها معركة بين «السنة» و«الشيعة».
ذلك هو الميدان الذي يجيده الحوثيون. فالجماعة تبني شرعيتها على فكرة الدفاع عن الهوية الزيدية في مواجهة الخارج. وإذا دفعت السعودية بمقاتلين أجانب من فصائل إسلامية سورية، فستمنح الحوثيين الرواية التي يحتاجون إليها: حرب أجنبية ذات طابع مذهبي تستهدف مجتمع الشمال.
عندها لن يعود النقاش حول انقلاب الجماعة واستيلائها على الدولة أو تهديدها الملاحة والمدن اليمنية والسعودية، بل حول «غزو سني» تقوده الرياض. وسيستخدم الحوثيون وجود المقاتلين السوريين لتعبئة القبائل واستقطاب المترددين وتحويل خسائرهم إلى مظلومية مذهبية.
لن تكون النتيجة هزيمة الحوثيين، بل إطالة الحرب وتوسيع سوق التجنيد لدى الطرفين. كل مقاتل أجنبي يصل تحت راية مذهبية سيساعد الجماعة على تجنيد عدد أكبر في الجبهة المقابلة. وكل خطاب عن «الروافض» سيقابله خطاب حوثي عن «التكفيريين والدواعش».
وقد تنجح السعودية في إنتاج حرب طويلة تستنزف الحوثيين، لكنها ستستنزف معها الجنوب واليمن والمنطقة. الجغرافيا التي ستستقبل المعسكرات ومخازن السلاح وطرق الإمداد لن تكون الرياض، بل حضرموت والمهرة وشبوة وأبين ولحج. وإذا انتهت المملكة لاحقاً إلى تسوية مع الحوثيين، ستنسحب من الحرب وتترك خلفها المقاتلين وشبكاتهم.
تملك السعودية حق الدفاع عن أراضيها في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الحوثية. ومن حقها طلب دعم دفاعي من حلفائها. لكن هناك فارقاً بين نشر منظومات اعتراض داخل المملكة، وبين استخدام اليمن ميداناً لتجميع المقاتلين وإعادة تدوير بقايا الحروب الإقليمية.
إذا كانت الرياض تحتاج إلى خبرات سورية لتدريب جيشها، فلتبقَ هذه الخبرات داخل حدودها وتحت رقابة مؤسساتها. أما إدخال وحدات أجنبية إلى اليمن، أو تدريب تشكيلات عقائدية ثم إرسالها عبر الجنوب، فليس دفاعاً عن السعودية؛ إنه نقل للخطر من المملكة إلى أرض لا تملك قرارها.
السعودية تحتاج إلى مواجهة السؤال الذي تهربت منه طويلاً: لماذا فشلت القوات التي موّلتها؟ لم يكن السبب نقص المقاتلين. اليمن مليء بالرجال المسلحين. السبب أن الرياض لم تبنِ مؤسسة عسكرية، بل بنت شبكة ولاءات متضاربة. دعمت حزب الإصلاح في مناطق، وأنشأت قوات موازية في مناطق أخرى، وفككت وحدات جنوبية، واحتوت قيادات داخل فنادقها، ووزعت المال وفق الطاعة السياسية لا وفق الكفاءة القتالية.
حين بدأت الحرب الجديدة، اكتشفت أن لديها عشرات الألوية، لكن ليس لديها جيش. لديها مجلس قيادة، لكن ليس لديها مركز قرار. لديها حكومة معترف بها، لكنها تعيش خارج البلاد. لديها حلفاء جنوبيون قاتلوا الحوثيين والقاعدة، لكنها دخلت معهم في صدام لأنها تخشى مشروعهم السياسي أكثر مما تثق بشراكتهم العسكرية.
النتيجة أن الحوثيين اقتربوا من عدن، وحاصروا تعز، وسيطروا على مواقع في الساحل، وقصفوا المطارات والمنشآت السعودية. وبدلاً من مراجعة هذه السياسة، تتجه الرياض إلى إضافة طبقة جديدة من المقاتلين الأجانب فوق طبقات الفوضى الموجودة أصلاً.
اليمن ليس بحاجة إلى مرتزقة جدد، ولا إلى فصائل سورية، ولا إلى حرب سنية شيعية. يحتاج إلى مشروع سياسي يعترف بالوقائع الموجودة على الأرض، ويحترم قضية الجنوب، ويبني شراكة مع القوى التي تملك مصلحة حقيقية في حماية مناطقها.
القوات المحلية التي هزمت القاعدة في المكلا وأبين، وقاتلت الحوثيين على حدود الجنوب والساحل، أكثر قدرة على حماية أرضها من أي مقاتل مستورد. لكنها تحتاج إلى ضمانات سياسية وقيادة واضحة وتسليح دفاعي، لا إلى أن تُفكك كي يحل محلها غرباء لا يعرفون البلاد ولا يملكون قضية فيها.
يمكن للرياض أن تستورد مدربين ومقاتلين، وأن توقع اتفاقات دفاعية، وأن تنشئ تحالفاً جديداً كل شهر. لكنها لن تنتصر ما دامت تتعامل مع اليمن بوصفه ساحة نفوذ، ومع الجنوب بوصفه قاعدة عسكرية، ومع الحوثيين بوصفهم مشكلة يمكن استنزافها حتى تقبل بالتسوية.
الخطر ليس أن يصبح اليمن قبلة للمتطرفين غداً. لقد أصبح كذلك في مراحل سابقة، ودفع ثمن ذلك طويلاً. الخطر الحقيقي أن تعيد السعودية فتح الباب نفسه، وهي تعرف إلى أين قاد في المرة الأولى.
وإذا تحولت الأراضي السعودية إلى مركز لتدريب فصائل خرجت من الحرب السورية، ثم جرى نقلها إلى اليمن تحت عنوان قتال الحوثيين، فلن تكون الرياض قد وجدت حلاً لأزمتها. ستكون قد صنعت أزمة جديدة، قد تنتهي مهمتها العسكرية خلال أشهر، لكن آثارها ستبقى في الجنوب لعقود.


