د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):

قمة طهران: إدارة الصراع أم تأجيل الانفجار؟

في منعطف إقليمي حرج تتصاعد فيه مؤشرات الصدام بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني، انعقد الاجتماع الرباعي في العاصمة طهران جامعاً ممثلي السعودية، وتركيا، وباكستان، والنظام الإيراني. ولا يعد هذا اللقاء حدثاً عادياً، سيما أن الأطراف الثلاثة الأولى كانت قد أسست مسبقاً ما عُرف بـ"ميثاق مكة" ذي الطابع الدفاعي، والذي فُهم إقليمياً بوصفه إطاراً استراتيجياً لاحتواء التهديدات المرتبطة بطهران وشبكة حلفائها. إن التئام هذه العواصم في قلب طهران يعكس انتقال الأزمة من حافة الانفجار المباشر إلى مرحلة معقدة عنوانها إدارة الصراع لا حسمه، والبحث عن نوافذ لتخفيف الاحتقان الإقليمي وسط ضغوط هيكلية غير مسبوقة. 

حسابات حافة الهاوية: تفضيل قنوات الوساطة على المواجهة الشاملة

تُظهر المعطيات السياسية أن خيار التفاوض غير المباشر يتقدم بوضوح على سيناريو الحرب المفتوحة. فمن جهة، تتمسك الولايات المتحدة بسياسة الضغط الاقتصادي والعسكري والحصار البحري كأدوات ردع، دون إغلاق قنوات التواصل الدبلوماسي. ومن جهة أخرى، تعكس تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن ضرورة الخروج من مستنقع "لا حرب ولا سلم" إدراكاً متزايداً لحجم التكلفة الباهظة للوضع الراهن. هذا التوازن الهش يدفع الأطراف المختلفة نحو محاولة صياغة تفاهم مرحلي يحيد المخاطر الكبرى، متجنبين بذلك صداماً كارثياً مفتوحاً تصعب السيطرة على تداعياته الجيوسياسية. 

الدبلوماسية الوقائية: تقاطع المصالح الإقليمية في العاصمة الإيرانية

جاء الاجتماع الرباعي تعبيراً عن مساعٍ إقليمية حثيثة لاحتواء التصعيد المتبادل. فالسعودية سعت بحزم إلى حماية بنيتها التحتية النفطية وتأمين أراضيها من تداعيات الهجمات المستمرة التي تقودها جماعة الحوثي، بينما واصلت باكستان لعب دور الوسيط التقليدي بين طهران وواشنطن، سعيًا لمنع انهيار الاستقرار الآسيوي. وفي المقابل، عملت تركيا على الحفاظ على موقعها المتقدم في ترتيبات الأمن الإقليمي. أما النظام الإيراني، فوجد في القمة فرصة ماسة لالتقاط الأنفاس والحصول على متنفس سياسي وأمني يخفف من حدة الطوق المفروض حوله. 

توزيع الأدوار وهندسة القرار: دلالات الحضور والغياب في طهران

حملت هيكلة التمثيل الإيراني في الاجتماع رسائل سياسية بليغة؛ إذ أُسندت إدارة الملفات إلى محسن رضائي بصفته أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بالتزامن مع غياب محمد باقر قاليباف (الذي يُنظر إليه كمهندس قنوات التفاوض الرئيسية)، وغياب وزير الخارجية عباس عراقجي عن واجهة الحدث. هذا التباين يعكس بوضوح توزيعاً للأدوار بين مسار المفاوضات الدولية والاتصالات الأمنية الإقليمية. وتؤكد اللقاءات اللاحقة بين قاليباف وكل من مجتبى خامنئي ومحسن رضائي أن الملف قد صعد إلى مستوى القرار السيادي الأعلى داخل أروقة النظام. 

سقف الدبلوماسية الهش: مخرجات محدودة وعجز عن حسم الملفات

على الرغم من الزخم السيبراني والإعلامي الذي رافق القمة، إلا أن النتائج العملية جاءت محدودة للغاية. فقد جاء البيان الختامي مقتضباً ومانعاً لأي التزامات تنفيذية واضحة، وخالياً من جداول زمنية أو تفاهمات حقيقية حول الملفات الجوهرية العالقة. وبموضوعية تحليلية، يمكن القول إن الإنجاز الوحيد تمثل في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة فحسب، دون أن يمتد ذلك لمعالجة جذور الخلاف الإقليمي أو تفكيك الأزمات البنيوية بين طهران ومحيطها العربي والدولي. 

معادلة الردع المزدوجة: تشبث واشنطن وشروط طهران المعقدة

أعقبت القمة مؤشرات ميدانية وسياسية حادة؛ حيث واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح بالخيار العسكري مؤكداً عزم واشنطن على "إنهاء الأمر بطريقة أو بأخرى". وفي المقابل، تمسك النظام الإيراني بما يسمى "الشروط السبعة" كمرجعية لأي تفاوض قادم، بينما استمرت هجمات الحوثيين باتجاه العمق السعودي، مما يدلل على أن العقدة الأمنية الأبرز ما زالت بلا حل، وأن الأطراف لا تزال تتبادل رسائل القوة والردع على الأرض رغم غطاء المباحثات الدبلوماسية. 

الهاجس الداخلي: الانفجار الاجتماعي ومخاوف انهيار منظومة الحكم

يبقى العامل الداخلي الإيراني هو الحساس والأكثر تأثيراً في رسم مسارات الأزمة؛ فتصريحات القيادات العليا تكشف عن هلع حقيقي من انفجار اجتماعي وشيك. إن وصف قاليباف للأوضاع بأنها "أكبر حرب في التاريخ"، والإلحاح المستمر على مفهوم "الوحدة الوطنية"، إلى جانب الاستقطاب الحاد بين أجنحة السلطة حول خيارات الحرب والتفاوض، كلها شواهد على خوف عميق من تداعيات الانهيار المعيشي، وتصاعد معدلات البطالة والتضخم، واتساع الفجوة بين الشارع ومؤسسات الحكم. 

استراتيجية شراء الوقت: الهروب نحو إدارة الأزمة لا حلها

خلاصة المشهد الاستراتيجي تؤكد أن الهاجس الأكبر للنظام لا يتعلق فقط بالمواجهة الخارجية، بل بـ احتمال تحول الضغوط الاقتصادية إلى انتفاضة شعبية واسعة. من هنا يتضح تفسير التكتيك الإيراني المزدوج:  تفادي الحرب الشاملة بأي ثمن، وتجنب تقديم تنازلات جوهرية، وشراء الوقت عبر الوساطات الإقليمية. بناءً على ذلك، تقف المنطقة في مرحلة انتقالية عنوانها إدارة الأزمة برمتها، حيث يظل مصير النظام معلقاً بقدرته على احتواء أزماته الداخلية المتفاقمة، بمعزل عن مآلات الضغوط الخارجية. 

د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي