د. مصطفى عبدالقادر يكتب لـ(اليوم الثامن):

زلازل تحت الرماد الإيراني: كيف تعيد وحدات المقاومة صياغة معادلة الردع الميداني؟

في ظل الاختناق الهيكلي المتفاقم الذي تعاني منه المنظومة الحاكمة في إيران، تبرز التحولات الميدانية الأخيرة كعلامة فارقة في مسار الصراع الداخلي. إن تنفيذ 20  عملية هجومية واشتعالاً نارياً متزامناً في 10  مدن إيرانية شملت طهران ومشهد وكرج وحميدية، لم يعد مجرد رد فعل عاطفي على أحداث إعدام السجناء السياسيين علي همتي ومجيد نيك أنديش في سجن مشهد، بل يعكس تحولاً نوعياً في بنية التكتيكات التي تنتهجها المعارضة الداخلية المتمثلة في وحدات المقاومة. تعكس هذه الهجمات، التي استهدفت مقرات سيادية لحرس الثورة وقوى الأمن الداخلي واستخبارات الملالي، تراجعاً ملحوظاً في كفاءة الطوق الأمني المفروض على المدن الكبرى، وتؤكد هشاشة المنظومة الدفاعية الردعية للنظام في حماية أركان حكمه من الاختراق المستمر.

الهجوم المسلح والضربات الموضعية: رسائل الدم والنار

تجاوزت العمليات الأخيرة الأشكال التقليدية للاحتجاج السلمي لتلامس مستوى العمليات العسكرية الخاطفة ذات البعد الاستراتيجي. ففي مدينة حميدية بإقليم خوزستان، أسفر الهجوم المسلح المباشر بسلاح رشاش على مقر قيادة قوى الأمن الداخلي عن تحطيم التحصينات الأمنية وتوجيه رسالة ميدانية حاسمة حول تآكل الاحتكار المطلق للعنف من قبل الدولة. بالتوازي مع ذلك، أظهرت العمليات في طهران وكرج وأليغودرز استهدافاً دقيقاً لأذرع الرصد والمخابرات عبر إحراق مقار التجسس واللوحات الإرشادية، مما أدى إلى شلل مؤقت في شبكات المخبرين والعمليات الاستخباراتية الليلية. هذه النماذج العملياتية توثقها التقارير الميدانية المستقلة وشهادات النشطاء المحليين، مما يدل على قدرة البنى التنظيمية السرية على العمل بكفاءة عالية رغم القبضة الأمنية الحديدية. 

ديموغرافيا الغضب الشعبي: تفكيك الرموز وتآكل الشرعية

لم تقتصر العمليات على المنشآت العسكرية والأمنية، بل امتدت لتطال الواجهات الرمزية والدعائية للنظام، مستهدفة لافتات وجداريات رأس النظام علي خامنئي ووريثه مجتبى، إلى جانب صور قادة الميليشيات الإقليمية مثل قاسم سليماني. إن إحراق هذه الرموز في معاقل حيوية بمدينة مشهد والعاصمة طهران ويزد وجرجان وبوشهر يجسد رفضاً شعبياً جذرياً لمحاولات توريث السلطة وتحويل الجمهورية الإسلامية إلى إمبراطورية دينية مقنعة. هذا التآكل في الهيبة الرمزية يمثل خطراً استراتيجياً على شرعية النظام، إذ ينكسر تدريجياً حاجز الخوف القديم، وتتحول الشوارع الإيرانية إلى مساحات مفتوحة لتحدي سردية السلطة المطلقة، وتكريس الوعي الجمعي بضرورة التغيير الجذري.

أفق الصراع: حتمية التغيير الداخلي وخيار المقاومة الشاملة

تؤكد هذه المعطيات الميدانية أن استراتيجية الاعتماد على سياسة الإعدامات الانتقامية والترهيب القضائي لم تعد تجدي نفعاً في إخماد جمرات الاحتجاج، بل باتت وقوداً إضافياً لتأجيج الغضب وتوسيع دائرة المواجهة المسلحة والشعبية. وتشير قراءة الديناميكيات السياسية الحالية إلى أن إسقاط الفاشية الدينية وتفكيك أجهزتها لن يتحقق عبر المساومات الدولية أو التدخلات الخارجية، بل يرتكز حصرياً على سواعد الجماهير المنتفضة ووحدات المقاومة على الأرض. ومن خلال تمسكها بشعار رفض عودة ديكتاتورية الشاه واستبداد الملالي، ترسم المقاومة الإيرانية ملامح مرحلة جديدة تؤسس لقيام جمهورية ديمقراطية حرة تقوم على السيادة الشعبية والعدالة والمساواة.

استنزاف الموارد وتحقيق الحتمية التاريخية

بالتأكيد ستنجح وحدات المقاومة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الضربات النوعية والمكثفة تدفع الأجهزة الأمنية والعسكرية نحو حالة غير مسبوقة من الاستنزاف المستمر للموارد والإنهاك اللوجستي. إن اضطراب المنظومة القيادية وتشتت القدرات بين حماية الرموز الهشة وتأمين المقرات الحيوية يعجلان بانهيار تماسك النظام من الداخل، مما يفتح الباب واسعاً أمام التغيير الحتمي وانتصار الإرادة الشعبية.

د. مصطفى عبدالقادر آكاديمي وأستاذ جامعي