الرياض تعيد ترتيب اليمن على حساب معركة الحوثيين..
الاستراتيجية السعودية في اليمن.. حين يصبح ضبط الجنوب أهم من هزيمة الحوثيين
تكشف معركة حضرموت أن السعودية لا تتعامل مع اليمن بوصفه حربا مفتوحة لهزيمة الحوثيين فحسب، بل ساحة لإعادة ترتيب النفوذ وضبط القوى المحلية، وتمنع قيام جنوب مستقل القرار إذا تعارض مع حساباتها الإقليمية. والنتيجة أن تفكيك خصوم الحوثيين يمنح الجماعة وقتا ومجالا أوسع ويجعل أمن البحر الأحمر وباب المندب رهينة للصراع.
تتحدث الرياض عن أمن البحر الأحمر بينما تواصل سياسات تزيد انقسام القوى التي يفترض أن تسهم في حماية هذا الأمن
لم تعد السياسة السعودية في اليمن قابلة للفهم من خلال تصريحات الرياض عن استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي وحدها. فالمشهد الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة يكشف تناقضا أكثر عمقا: السعودية تريد يمنا لا تسيطر عليه جماعة الحوثي، لكنها لا تريد أيضا أن تنتج الحرب قوة جنوبية مستقلة القرار، تمتلك أرضا استراتيجية وموانئ وموقعا جغرافيا يمنحها قدرة على رسم علاقاتها الإقليمية بعيدا عن الوصاية السعودية.
هنا تحديدا تكمن المفارقة التي تكشفها معركة حضرموت. فبينما يفترض أن تتجه الأولوية إلى بناء جبهة قادرة على مواجهة الحوثيين، انشغلت الرياض بإعادة ترتيب موازين القوة داخل المعسكر المناهض لهم، ووضعت التمدد العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي في قلب مواجهة سياسية وعسكرية انتهت بتراجع نفوذه الميداني في الشرق. ولم تكن المسألة مجرد خلاف على إدارة محافظة أو انتشار قوات؛ بل صراع على شكل السلطة التي ستتشكل في جنوب اليمن، وعلى من يملك حق تقرير مستقبل هذه الجغرافيا.
تقدم إحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني، الصادرة في 5 أكتوبر 2026 بعنوان «اليمن 2026: سقوط المجلس الانتقالي الجنوبي وتجدد الصراع الحوثي السعودي»، سردٌا للتطورات التي أعقبت تمدد القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، ثم الهجوم المضاد المدعوم سعوديا في يناير من العام نفسه. لكن أهمية هذه الوقائع لا تقف عند حدود التقدم والتراجع العسكريين. إنها تكشف أن السعودية لم تكن مستعدة لقبول تحول المجلس الانتقالي إلى قوة تفرض معادلة سياسية وعسكرية جديدة في شرق اليمن، حتى عندما كان يفترض أن تكون مواجهة الحوثيين هي الأولوية المشتركة.
لا يمكن فصل هذا السلوك عن طبيعة المشروع السعودي في اليمن. فالرياض لا تدير حربا ضد الحوثيين فحسب؛ إنها تدير أيضا صراعا على النفوذ داخل القوى التي تقاتلهم، وتعمل على منع ظهور مراكز قوة محلية تستطيع اتخاذ قراراتها الاستراتيجية خارج حساباتها. وفي هذه المعادلة، يصبح الجنوب المستقل سياسيا وعسكريا مشكلة يجب احتواؤها، لا شريكا يمكن البناء على قدراته لتغيير ميزان القوة مع الحوثيين.
حضرموت ليست محافظة عادية في الحسابات الاقليمية. فهي تمتد على مساحة واسعة، وتضم موارد نفطية ومنافذ بحرية، وترتبط جغرافيا بالمهرة والحدود السعودية، بينما تمنح شبوة موقعا مهما في منظومة الطاقة والاتصال بين الداخل والساحل. أما سقطرى، بما لها من موقع في المحيط الهندي وبالقرب من طرق الملاحة، فتدخل ضمن الجغرافيا التي تتجاوز أهميتها حدود اليمن. إن السيطرة على هذه المساحات أو التأثير في القوى التي تديرها لا يتعلقان فقط بترتيبات الأمن المحلي؛ بل بمستقبل النفوذ في جنوب الجزيرة العربية وبحر العرب.
لهذا، فإن معركة حضرموت تفتح سؤالا جوهريا: هل تخشى السعودية قيام دولة جنوبية بحد ذاته، أم تخشى قيام دولة لا تستطيع التحكم في قرارها؟
الفارق بين الأمرين كبير. فالدولة الجنوبية التي تنشأ باتفاق سياسي وتبني علاقات متوازنة مع جيرانها ليست بالضرورة تهديدا للسعودية. لكن دولة تمتلك مؤسساتها وقواتها ومواردها ومنافذها، وتحدد تحالفاتها وفق مصالحها الوطنية، ستغيّر طبيعة العلاقة التي اعتادت الرياض إدارتها مع القوى اليمنية. ولن يكون بإمكان السعودية التعامل معها بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع سلطة منقسمة، أو قوى تعتمد على الدعم الخارجي، أو مجلس رئاسي لا يمتلك قيادة عسكرية موحدة.
من هنا يمكن فهم حساسية الرياض تجاه تمدد المجلس الانتقالي في الشرق. فالمسألة لا تتعلق فقط بالخلاف على توقيت التحرك العسكري أو شرعيته، بل بالنتائج التي كان يمكن أن يفرضها على الأرض. إن امتداد النفوذ الجنوبي من عدن إلى شبوة وحضرموت والمهرة، مع حضور سياسي في سقطرى، كان سيمنح المشروع الجنوبي قاعدة جغرافية أوسع وموارد وقدرات تفاوضية أكبر. وكان من شأن ذلك أن يقلص قدرة الأطراف الإقليمية على إعادة تشكيل الجنوب وفق ترتيبات لا يملك الجنوبيون وحدهم تحديدها.
ولا يعني هذا أن كل تحرك سعودي في اليمن يستهدف الحوثيين بصورة شكلية، أو أن الرياض لا ترى في الجماعة تهديدا أمنيا حقيقيا. لكن المشكلة تكمن في ترتيب الأولويات وفي النتائج التي تنتجها السياسة السعودية على الأرض. فالهدف المعلن المتمثل في هزيمة الحوثيين يفقد معناه العملي عندما تتقدم معركة ضبط القوى المناهضة لهم على بناء جبهة متماسكة تستطيع مواجهتهم.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الحوثيين استفادوا من انقسامات خصومهم أكثر مما استفادوا من أي خطاب سياسي يبرر استمرار الصراع. وكلما انشغلت القوى المناهضة لهم بتصفية الحسابات الداخلية، ازدادت قدرة الجماعة على تثبيت سلطتها وتوسيع خياراتها العسكرية والسياسية. ومن ثم، فإن إضعاف المجلس الانتقالي أو تقليص نفوذه لا يمثل تلقائيا مكسبا للمعسكر المناهض للحوثيين؛ فقد يؤدي، على العكس، إلى إضعاف أحد مراكز القوة التي كان يمكن أن تشكل جزءا من توازن أوسع في مواجهة الجماعة.
المشكلة السعودية، في تقديري، ليست فقط أنها لم تنجح في هزيمة الحوثيين، بل أنها ساهمت في إنتاج معادلة تجعل هزيمتهم أكثر تعقيدا. فبدلا من بناء تحالف يستوعب اختلاف المشاريع السياسية للقوى المحلية ويوحد قدراتها العسكرية حول هدف واضح، جرى التعامل مع الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين باعتبارها ساحة لإعادة توزيع النفوذ. وكانت النتيجة أن الصراع لم يعد يدور بين سلطة حوثية وخصوم يسعون إلى إنهاء سيطرتها فحسب، بل بين قوى محلية وإقليمية تتنافس على شكل اليمن الذي سيأتي بعد الحرب، إن انتهت أصلا.
وتزداد خطورة هذه المعادلة عندما نضعها في سياق البحر الأحمر وباب المندب. فالممرات البحرية لا تتأثر فقط بقدرات الحوثيين الصاروخية والبحرية، بل أيضا بقدرة الأطراف المناهضة لهم على بناء منظومة أمنية وسياسية مستقرة على امتداد الساحل. إن إضعاف التماسك بين القوى المحلية، وترك مؤسسات السلطة اليمنية منقسمة، وعدم بناء قيادة عسكرية مشتركة، كلها عوامل تجعل حماية الملاحة الدولية مهمة أصعب وأكثر كلفة.
ومن غير المنطقي أن تتحدث الرياض عن أمن البحر الأحمر بينما تواصل سياسات تزيد انقسام القوى التي يفترض أن تسهم في حماية هذا الأمن. فالموقع الجغرافي لا يحمي نفسه، والتحالفات لا تُبنى بمجرد جمع أطراف متعارضة تحت مظلة سياسية واحدة. إنها تحتاج إلى أهداف مشتركة، وتوزيع واضح للمسؤوليات، وضمانات تمنع استخدام القوة ضد الشركاء المحليين كلما ظهر خلاف على النفوذ أو شكل الدولة.
أما البعد المذهبي، فهو جزء من المشهد، لكنه لا يفسر وحده استمرار الحرب. إن اختزال الصراع في مواجهة مذهبية بين السعودية والحوثيين يحجب جانبا أساسيا من المشكلة: الصراع على السلطة والجغرافيا والموارد وطبيعة الدولة اليمنية المقبلة. فالحوثيون ليسوا مجرد امتداد مذهبي لإيران، كما أن القوى المناهضة لهم ليست كتلة سياسية متجانسة. لكل طرف حساباته المحلية، ولكل قوة إقليمية تصورها الخاص لمستقبل اليمن.
لكن استمرار الحرب في بيئة تستثمر فيها الأطراف الانقسامات السياسية والمذهبية يمنح الحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم بوصفهم الطرف الأكثر تماسكا في مواجهة خصوم متفرقين. وفي المقابل، فإن إدارة السعودية للصراع من خلال إعادة ضبط مراكز النفوذ، بدلا من معالجة أسباب الانقسام، تجعل الحرب قابلة للتجدد حتى عندما تتغير خطوط السيطرة. وهكذا يصبح استمرار الصراع نتيجة لغياب تسوية سياسية مقبولة، ولتعارض المشاريع المحلية والإقليمية، لا مجرد انعكاس لخلاف مذهبي.
إن أخطر ما في الاستراتيجية السعودية هو التناقض بين ما تقوله الرياض عن استعادة الدولة اليمنية وما تفضي إليه سياساتها من إضعاف القوى المحلية وإبقاء السلطة في حالة انقسام. فالدولة لا تُستعاد عبر إقصاء كل قوة تمتلك مشروعا مختلفا، ولا تُبنى بتجريد الأطراف المحلية من قدرتها على التفاوض، ثم مطالبتها بالانضواء في ترتيبات لا تملك التأثير في صياغتها.
والجنوب، في هذا السياق، ليس تفصيلا يمكن تجاوزه أو إعادة تشكيله من الخارج. إنه قضية سياسية لها جذورها ومطالبها وقواها الاجتماعية، وأي محاولة لفرض مستقبل الجنوب دون موافقة الجنوبيين لن تنتج استقرارا دائما. كما أن التعامل مع تطلعاتهم السياسية باعتبارها تهديدا تلقائيا للمصالح السعودية يخلط بين حق الشعوب في تقرير مستقبلها وبين الحسابات الأمنية لدولة مجاورة. ومن حق الجنوبيين أن يقرروا شكل مستقبلهم السياسي، كما أن من حق السعودية حماية أمنها؛ لكن حماية الأمن لا تمنح الرياض حق تقرير مستقبل الآخرين أو فرض حدود طموحاتهم السياسية.
في المحصلة، لا تبدو هزيمة الحوثيين أولوية سعودية مطلقة عندما تتعارض متطلبات هذه الهزيمة مع حسابات النفوذ في الجنوب والشرق اليمني. وهذه ليست مسألة لغوية أو خلافا على توصيف النيات؛ إنها قراءة للنتائج السياسية والعسكرية التي أنتجتها إدارة الصراع. فحين تتقدم معركة السيطرة على الجغرافيا الجنوبية على توحيد القوى المناهضة للحوثيين، يصبح من المشروع القول إن الرياض لا تخوض الحرب وفق هدف واحد، بل وفق مجموعة أهداف تتعارض أحيانا، ويأتي في مقدمتها ضمان ألا ينتج اليمن قوة مستقلة عن حساباتها الإقليمية.
لقد دفعت اليمن كلفة هذه المقاربة سنوات طويلة، ويدفع الجنوب اليوم كلفة الصراع على من يملك حق تقرير مستقبله. أما الحوثيون، فيستفيدون من الانقسام ويحتفظون بقدرتهم على تهديد الداخل اليمني والمصالح الإقليمية والملاحة الدولية. ولذلك فإن المشكلة الأساسية في السياسة السعودية تجاه اليمن لم تكن فقط في عدم قدرتها على هزيمة الحوثيين، وإنما في عجزها عن بناء جبهة يمنية متماسكة قادرة على هزيمتهم.
إن إعادة ترتيب النفوذ قد تغيّر خرائط السيطرة، لكنها لا تصنع سلاما ولا تنتج دولة مستقرة. وإذا استمرت الرياض في التعامل مع استقلال القرار الجنوبي باعتباره خطرا يجب احتواؤه، بينما تتعامل مع الحوثيين باعتبارهم خصما يمكن إدارة الصراع معه، فإن النتيجة لن تكون يمنا أكثر استقرارا، بل حربا أطول، وجنوبا أكثر تمسكا بحقه في تقرير مصيره، وتهديدا مستمرا لأمن البحر الأحمر وباب المندب.



