واشنطن تستعد وطهران تتحسب..
إيران على أعتاب ضربة جديدة.. هل تسقط الخمينية أم تُجبر على صفقة؟ (تقدير موقف)
ترتفع احتمالات استئناف الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، لكن إسقاط النظام الخميني لا يزال السيناريو الأصعب. الأرجح أن تستهدف الجولة المقبلة فرض تسوية قسرية وتدمير القدرات النووية والصاروخية، بينما يتوقف مصير النظام على ما يحدث داخله أكثر مما تقرره القاذفات.
أهداف المواجهة الأمريكية الإسرائيلية المقبلة - مركبة
المواجهة المقبلة مع إيران إن وقعت قد تكون مختلفة عن سابقاتها يحضر سؤال مهم هنا ما حجم الضربة التي تستطيع واشنطن وتل أبيب توجيهها ؟ وطبيعة الهدف الذي تريدان الوصول إليه هل احتواء إيران أم تفكيك قدرتها على التهديد أم الذهاب إلى أبعد من ذلك نحو إسقاط النظام الخميني نفسه
أحاول هنا تقديم ما يشبه تقدير موقف بحسب المؤشرات في نقاط مختصرة لا ترهق المتابع على النحو الآتي..
أولا..
ثمة مؤشرات تستحق التوقف عندها نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأولية أظهرت تقدم معسكر بنيامين نتنياهو من دون أن تمنحه أغلبية برلمانية مكتملة في مقابل معسكر غادي آيزنكوت الذي يحتاج بدوره إلى تحالفات معقدة لتشكيل الحكومة وأظهرت النتائج أن القوائم العربية قد تصبح عاملا حاسما في تحديد هوية الحكومة المقبلة مع وجود خلافات حول إمكانية تحالفها مع آيزنكوت...
نجاح نتنياهو في تشكيل الحكومة قد يمنحه فرصة جديدة لاستكمال أهدافه العسكرية والسياسية تجاه إيران لكنه لا يعني تلقائيا أن الحرب أصبحت مؤكدة وفي المقابل إذا فشل في تشكيل الحكومة ونجح آيزنكوت في الوصول إلى السلطة بدعم القوائم العربية فقد تتغير الحسابات السياسية الداخلية لكن ذلك لا يعني بالضرورة إغلاق باب المواجهة مع إيران،،
فالحكومة القائمة تحتفظ بصلاحياتها خلال الفترة الانتقالية بما فيها الصلاحيات المتعلقة بالقرارات العسكرية وفق الإجراءات القانونية الإسرائيلية وبذلك فإن احتمال الضربة لا يتوقف حصرا على اسم رئيس الحكومة المقبلة بل يتصل أيضا بالتفاهمات الأمريكية الإسرائيلية وتقدير التهديد الإيراني وحسابات التوقيت
وفي المقابل تدرس إدارة دونالد ترمب استئناف الضربات على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في الثالث من نوفمبر وقد نقلت وكالة أسوشيتد برس أن واشنطن أبلغت دولا في المنطقة بضرورة الاستعداد لاحتمال تجدد العمليات العسكرية مع التحسب لرد إيراني يستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية وحتى الآن لا يوجد قرار أمريكي نهائي معلن باستئناف الهجمات،،
ثانيا..
ترمب لا يريد حربا بلا نهاية لكنه يريد نهاية بشروطه وهو يختلف عما يريده نتنياهو أو حتى خلفه إن نجح في الوصول وهو اختلاف في الشكل والإخراج لكن الاتفاق على الضربة قد يكون هدفا مشتركا،،،
ترامب لا يتحرك بالضرورة وفق العقيدة الإسرائيلية ذاتها ولا يريد أن يرث حربا مفتوحة تستنزف القوات والموارد وتربك الاقتصاد الأمريكي لكنه يريد أيضا أن يظهر بمظهر الرئيس الذي فرض على طهران معادلة جديدة وانتزع منها ما عجزت الضغوط السابقة عن انتزاعه،،
ثالثا...
تتداخل في حسابات ترامب ثلاثة أهداف
منع إيران من استعادة قدرتها النووية والصاروخية
تقليص قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها
إجبار النظام على قبول تسوية لا يستطيع تقديمها بوصفها انتصارا جديدا للخمينية
رابعا...
إسقاط النظام الخميني احتمال حاضر في الخطاب الأمريكي لكنه ليس نتيجة مضمونة ولا هدفا يمكن افتراض أن جميع أدوات السياسة الأمريكية صممت لتحقيقه فإضعاف النظام شيء وإسقاطه شيء آخر وبينهما مسافة قد تبتلع سنوات من الصراع
خامسا..
ترمب أعلن سابقا أنه لن يستأنف الضربات قبل الانتخابات فيما أشارت التقارير الأخيرة إلى أن واشنطن طلبت من حلفائها الاستعداد لاحتمال تحرك عسكري بعدها
لكن انتهاء الاستحقاق الانتخابي لا يعني تلقائيا صدور قرار الحرب إنه قد يخفف بعض القيود السياسية الداخلية ويمنح الإدارة هامشا أوسع للمناورة من دون أن يلغي حسابات الخسائر والرد الإيراني وأسعار الطاقة ومخاطر اتساع المواجهة
لذلك فإن اجتماع الاستعدادات العسكرية مع تصاعد الخطاب السياسي والتحذيرات الموجهة إلى دول المنطقة يجعل احتمال تجدد الضربات جديا لا مجرد فرضية إعلامية
سادسا..
هل تريد واشنطن إسقاط الخمينية أم إعادة هندستها
هنا يقع جوهر المسألة قد تتقاطع مصالح ترامب وإسرائيل أيا كان قائدها في إضعاف إيران لكنهما لا يتطابقان بالضرورة في تصور اليوم التالي إسرائيل ترى في تفكيك المشروع الإقليمي الإيراني مكسبا استراتيجيا طويل الأمد بينما قد يفضل ترمب صفقة تنتزع من طهران عناصر قوتها الأساسية وتسمح له بإعلان النصر من دون الغرق في مستنقع تغيير النظام،،
سابعا..
إسقاط الخمينية لا يتحقق بمجرد تدمير منشآت أو اغتيال قيادات أو شل أذرع إقليمية النظام شبكة من المؤسسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية والأيديولوجية وقد يؤدي استهداف رأسها إلى انهيارها أو إلى إعادة إنتاجها في صورة أكثر تشددا،،
ثامنا..
الضربات الخارجية لا تتحول تلقائيا إلى ثورة داخلية فالتغيير يحتاج إلى تآكل قدرة النظام على الحكم وانقسام مراكز القوة ووجود مجتمع قادر على تحويل السخط إلى فعل سياسي منظم
أما الرهان على أن القصف سيؤدي وحده إلى إسقاط النظام فهو خلط بين تدمير القوة المادية وتفكيك البنية السياسية للخمينية وحرسها الثوري،
تاسعا..
ما هو شبه مؤكد
إن الخمينية أمام اختبار البقاء
ذلك أن المشروع الذي بنى شرعيته على تصدير القوة خارج الحدود قد يجد نفسه مضطرا إلى إنفاق ما تبقى من قدراته لحماية مركز قوته الداخلي فقط
ولا يعني ذلك أن سقوطه كليا أصبح حتميا فالأنظمة العقائدية قد تتراجع عسكريا وتبقى سياسيا وقد تخسر نفوذها الخارجي وتضاعف قبضتها الداخلية ولذلك يجب ألا نخلط بين هزيمة المشروع وانهيار النظام الذي أنتجه
بمعنى أن بقاء النظام مع تقليم أظافره ونزع أنيابه واستمراره بهذه الطريقة قد يكون مقبولا بل ومرغوبا لمجمع الصناعات التسليحية في أمريكا وأوروبا والصين أيضا..
عاشرا..
ما الذي ينبغي مراقبته
هو عنصر طبيعة الأهداف العسكرية ومستوى التنسيق الأمريكي الإسرائيلي وحجم الاستعدادات الدفاعية لدى دول المنطقة وما إذا كانت الضربات المحتملة ستقتصر على المنشآت العسكرية والنووية أم ستتجه إلى شل مؤسسات القيادة والسيطرة فهذا هو العنصر المحوري في نتائج الضربات القادمة،،
الخلاصة..
نحن أمام احتمال جدي لمواجهة جديدة قد تكون الجولة المقبلة محاولة لفرض اتفاق بشروط أمريكية أو حملة لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية أو خطوة ضمن مسار أوسع يراهن على إضعاف النظام حتى يصبح سقوطه ممكنا
أما الخمينية فقد تصل إلى اللحظة التي تعجز فيها عن تحويل القوة إلى نفوذ والتهديد إلى ضمانة للبقاء وربما تكون إيران قد استنفدت بفعل الضربات السابقة وما قد يأتي بعدها جزءا مهما من أدوات التوسع وقدرتها على دعم أذرع جديدة أو دعم السابقة منها كالحوثية وحزب الله وأدواتها في العراق والصومال
وهو ما يشكل لنا فرصة في اليمن لكسر الحوثي ولو في فترة زمنية قد تطول لكنها قد تصبح أسهل مع تراجع الدعم الإيراني الذي كان رافدا أساسيا في تعاظم قوته وقدرته على الحشد والفعل.



