تحالف لم يصمد أمام الحوثيين..
السعودية تعود إلى مصر والإمارات بعدما خذلها حلفاؤها الجدد
لم تمضِ سوى أيام على إعلان التحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، حتى اكتشفت الرياض أن التضامن شيء والقتال إلى جانبها شيء آخر. أنقرة وضعت حدوداً لمشاركتها، وإسلام آباد تركت التزاماتها غامضة، فعاد وزير الدفاع السعودي إلى أبوظبي، وطلبت المملكة مساندة مصر.
رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان خلال استقباله وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان - وكالة الانباء الإماراتية وام
دخلت السعودية تحالفها مع تركيا وباكستان وهي تريد إظهار نفسها محاطة بحلفاء قادرين على ردع الحوثيين. لم تنتظر طويلاً حتى ظهرت الحقيقة: تركيا مستعدة لبيع السلاح وتقديم خبرات دفاعية، لكنها لا تريد إرسال جنودها إلى اليمن. وباكستان مستعدة لإعلان التضامن، لكنها لم تقل متى سترسل قواتها، ولا ماذا ستفعل هذه القوات، ولا ما إذا كانت ستقاتل الحوثيين أم تكتفي بحراسة الأراضي السعودية.
وبعد أقل من أسبوعين على الإعلان الكبير، عاد وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى أبوظبي، بينما أعلنت القاهرة استعدادها لتقديم الدعم للمملكة.
لم تكن المصادفة في التوقيت عابرة. السعودية التي حاولت بناء مظلة أمنية جديدة بعيداً عن شركائها العرب عادت إليهم عندما اكتشفت أن المظلة التركية–الباكستانية لا توقف صاروخاً حوثياً، ولا تستعيد موقعاً في اليمن، ولا توفر جيشاً مستعداً للدخول في حرب برية طويلة.
التحالف لم يُحل، ولم تعلن تركيا أو باكستان الانسحاب منه. لكنه فشل في تقديم ما احتاجت إليه السعودية عند أول اختبار فعلي. وهذه هي المسألة، بعيداً عن لغة البيانات والاجتماعات والصور الرسمية.
في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الدول الثلاث بدء تنفيذ التزامات الدفاع الجماعي وتسريع نشر القوات والقدرات داخل السعودية. جرى تعيين أمين عام للتحالف، وتحدثت البيانات عن الأمن المشترك والردع وحماية المملكة.
بدت الرياض يومها وكأنها بنت خلال أسابيع ما عجزت عن بنائه طوال سنوات الحرب. تحالف إسلامي جديد، تركيا تمنحه القدرات التقنية، وباكستان تمنحه القوة البشرية والخبرة العسكرية، والسعودية تموله وتقوده.
لكن البيانات كانت تخفي المشكلة الأهم: القوات ستنتشر داخل السعودية. لا أحد تعهد بالذهاب إلى صنعاء، ولا أحد قال إنه سيقصف صعدة، ولا أحد أعلن استعداده لخوض معركة في جبال اليمن.
وبعد ثلاثة أيام فقط، وضع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان السقف بوضوح. قال إن الاتفاق دفاعي، واستبعد إرسال قوات تركية لشن هجمات داخل أراضي دولة أخرى. لم يقل الرجل إن تركيا تخلت عن السعودية، لكنه قال ما يكفي لفهم حدود التحالف: أنقرة قد تساعد في حماية المطارات والمنشآت، لكنها لن تخوض حرب محمد بن سلمان في اليمن.
وهذا ليس تفصيلاً صغيراً. السعودية لا تعاني نقصاً في بيانات الإدانة، ولا تحتاج إلى مزيد من الصور التذكارية. مشكلتها أن الحوثيين يطلقون الصواريخ من اليمن، ويضربون المطارات والمنشآت النفطية، ثم يعودون إلى مواقعهم. اعتراض بعض الصواريخ لا ينهي الخطر، وتأمين أجواء الرياض لا يغير موازين المعركة في تعز أو مأرب أو الساحل الغربي.
تركيا تستطيع تقديم رادارات ومنظومات دفاع جوي وحرب إلكترونية ومستشارين. لكنها لا تريد دفع جنودها إلى حرب لا تعرف نهايتها، ولا تريد الاشتباك المباشر مع إيران من أجل تعويض فشل السياسة السعودية في اليمن.
أما باكستان، فقد أبقت الباب نصف مفتوح. أعلنت أنها لن تتخلى عن السعودية، وتحدثت عن حماية المملكة والمقدسات، لكنها لم تضع أمام الرأي العام تفاصيل قابلة للقياس. لا عدد القوات، ولا مدة الانتشار، ولا قواعد الاشتباك، ولا حدود المهمة.
وهذا الغموض مريح لإسلام آباد. تستطيع إرضاء الرياض بالتصريحات، وفي الوقت نفسه تتجنب الالتزام بحرب قد تضعها في مواجهة مع إيران، وتثير خلافات داخلية، وتورط جيشها في نزاع لا يحظى بإجماع باكستاني.
هكذا بقيت السعودية وحدها أمام أصل المشكلة. لديها حلفاء مستعدون للدفاع عنها، لكن ليس لديها حلفاء مستعدون لخوض الحرب التي تريدها.
عند هذه النقطة، عادت مصر والإمارات إلى الواجهة.
أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري أن أمن السعودية جزء من الأمن المصري والعربي، وأن القاهرة مستعدة لتقديم الدعم اللازم والممكن لحماية المملكة وأراضيها ومواردها ومقدساتها. البيان كان قوياً في تضامنه، لكنه لم يقل إن الجيش المصري ذاهب إلى اليمن.
مصر تعرف هذا النوع من الحروب أكثر من غيرها. لديها ذاكرة ثقيلة في جبال اليمن منذ ستينيات القرن الماضي، ولا تبدو مستعدة لتكرار التجربة. كما أن مصلحتها الأساسية اليوم ترتبط بالبحر الأحمر وقناة السويس، لا باستعادة صنعاء لحكومة تقيم في الرياض.
ستقف القاهرة مع السعودية إذا تعرضت منشآتها أو أراضيها للخطر. وقد تشارك في حماية الملاحة، أو تقدم دعماً استخباراتياً وبحرياً ودفاعياً. لكن الانتقال من ذلك إلى إرسال قوات مصرية لقتال الحوثيين مسألة أخرى تماماً.
الرياض تعرف هذا، ولذلك لم تكتفِ بالقاهرة. أرسلت وزير دفاعها إلى أبوظبي.
استقبل الشيخ محمد بن زايد خالد بن سلمان، وبحث معه التطورات الإقليمية والعلاقات بين البلدين. البيان الإماراتي لم يتحدث عن عودة قوات إلى اليمن، ولم يعلن عملية عسكرية مشتركة. لكن الزيارة نفسها قالت الكثير.
السعودية عادت إلى الشريك الذي حاولت تجاوز دوره.
خلال السنوات الماضية، تصرفت الرياض كما لو أن الخبرة الإماراتية في اليمن يمكن تعويضها بالمال، أو بتشكيل ألوية جديدة، أو بعقد اتفاقات مع تركيا وباكستان. لكن ما حدث على الأرض أثبت العكس.
الإمارات لم تقدم للسعودية منظومة دفاع فقط. بنت علاقات مع القوى المحلية، وفهمت الجغرافيا، وأسهمت في بناء قوات قاتلت الحوثيين والقاعدة، واستطاعت تحرير مناطق وتأمين مدن وموانئ. هذه الخبرة لا تأتي في صندوق ذخيرة، ولا تُشترى باتفاق عاجل.
القوات الجنوبية التي أسهمت أبوظبي في بنائها هزمت الحوثيين في عدن ولحج والضالع، وطردت تنظيم القاعدة من المكلا، وضربت شبكاته في شبوة وأبين. وكانت هذه القوات القوة الأكثر تماسكاً داخل المعسكر المناهض لإيران.
ماذا فعلت السعودية بهذه القوة؟
حاربتها… في مطلع العام، شنت الرياض حرباً واسعة على الجنوب. قصفت تشكيلاته، وفككت أجزاء من قواته، وصادرت سلاحاً وعتاداً كان يُستخدم في محاربة الحوثيين والقاعدة، ثم سلمت مواقع ومعدات لتشكيلات مرتبطة بها.
لم تكن السعودية تعاقب قوة عاجزة، بل كانت تفكك القوة التي ستحتاج إليها بعد أشهر.
السبب لم يكن عسكرياً. القوات الجنوبية كانت تقاتل الحوثيين، لكنها لم تكن مستعدة للتخلي عن مشروع استقلال الجنوب. والرياض أرادت جنوداً يقاتلون من أجل أهدافها ثم يعودون إلى ثكناتهم عندما ينتهي دورهم، لا حليفاً يملك قضية سياسية ويطالب بثمن مشاركته.
وحين رفض الجنوبيون أن يكونوا وقوداً جديداً لحرب بلا أفق، بدأت السعودية البحث عن الأتراك والباكستانيين والسوريين. أرادت قوة تقاتل الحوثيين من دون أن تسأل عن مستقبل الجنوب أو معنى الحرب أو حدود المهمة.
لكن تركيا وضعت شروطها. وباكستان أبقت قدميها خارج اليمن. وسوريا لم تحسم قرارها. فعاد خالد بن سلمان إلى أبوظبي.
هذه العودة لا تعني أن الخلافات انتهت، ولا أن الإمارات ستعود إلى الحرب بالطريقة التي تريدها السعودية. لكنها تعني أن الرياض أدركت متأخرة أن التحالفات الورقية لا تعوض الشريك الذي يعرف الأرض، وأن القوات المستوردة لا تعوض قوة محلية لديها دافع للقتال.
المشكلة السعودية لم تكن يوماً في قلة الحلفاء. المملكة تملك المال والعلاقات والسلاح. مشكلتها أنها تريد من كل حليف وظيفة مؤقتة، من دون أن تقبل بحقوقه أو مصالحه.
تريد من مصر حماية البحر الأحمر، ومن تركيا حماية الأجواء، ومن باكستان إرسال الجنود، ومن سوريا توفير المقاتلين، ومن الإمارات تقديم الخبرة، ومن الجنوبيين خوض المعركة البرية. وفي النهاية، تريد أن يبقى القرار كله سعودياً.
هذه ليست استراتيجية. إنها قائمة طلبات.
ولا يمكن جمع كل هذه القوى في حرب واحدة إذا لم يكن هناك اتفاق على الهدف. هل تريد السعودية حماية حدودها فقط؟ هل تريد إسقاط الحوثيين؟ هل تريد استعادة صنعاء؟ هل تريد حماية باب المندب؟ أم تريد قبل كل ذلك منع الجنوب من استعادة دولته؟
لقد حاولت الرياض الجمع بين أهداف متناقضة. دعمت الحرب ضد الحوثيين، ثم أضعفت القوى التي قاتلتهم. تحدثت عن مكافحة إيران، ثم فاوضت ذراعها في صنعاء. احتاجت إلى الجنوب، لكنها حاربته من أجل الحفاظ على وحدة لم يستفد منها سوى الحوثيين والإخوان والجماعات المتطرفة.
واليوم تريد من حلفاء جدد معالجة نتائج هذه السياسة.
حتى لو أرسلت تركيا منظومات دفاع، وباكستان جنوداً، ومصر قطعاً بحرية، فلن يُحل أصل المشكلة. الحوثيون لم يصبحوا قوة إقليمية لأن السعودية تفتقر إلى الصواريخ، بل لأن إدارتها للحرب منحتهم الوقت، وشتتت خصومهم، وحولت المعسكر المناهض لهم إلى جماعات تتصارع على الرواتب والمناصب والنفوذ.
العودة إلى مصر والإمارات اعتراف بأن التحالف الثلاثي لم يكن كافياً. وربما كان هذا الاعتراف ضرورياً. لكن الأهم أن تعترف الرياض بأن خطأها لم يكن في اختيار تركيا وباكستان، بل في اعتقادها أنها تستطيع تفكيك حلفائها الحقيقيين ثم شراء بدائل جاهزة عند أول أزمة.
مصر لن تخوض حرباً مفتوحة نيابة عنها. وتركيا لن ترسل جيشها إلى صنعاء. وباكستان لن تدخل مواجهة مجانية مع إيران. والإمارات لن تعود لتكرار تجربة تنتهي بتسليم الإنجاز العسكري إلى قوى عجزت عن حمايته.
أما القوات الجنوبية، فلن تقاتل مرة أخرى من أجل إعادة سلطة يمنية إلى صنعاء، ثم تستيقظ لتجد الطيران السعودي يقصفها تحت شعار حماية الوحدة.
السعودية تستطيع أن تجمع الحلفاء في قاعة، وأن تصدر بياناً، وأن تعلن تشكيل لجنة. لكنها لا تستطيع بناء تحالف حقيقي من دون هدف واضح، ولا تستطيع طلب دماء الآخرين بينما ترفض الاعتراف بمصالحهم.
هذا ما كشفته الأيام القليلة الماضية. التحالف التركي–الباكستاني لم يسقط، لكنه انكمش إلى حجمه الحقيقي: دعم دفاعي محدود لا يحسم حرباً. ومصر أعلنت التضامن من دون أن تمنح الرياض شيكاً عسكرياً مفتوحاً. أما زيارة خالد بن سلمان إلى أبوظبي، فكانت اعترافاً عملياً بأن الطريق إلى أمن السعودية لا يمر عبر التحالفات المستعجلة وحدها.
لقد عادت الرياض إلى العرب لأنها لم تجد عند حلفائها الجدد من يريد خوض حربها. لكنها ستعود إلى المأزق نفسه ما لم تتوقف عن معاملة اليمن والجنوب كساحة تتحرك فيها الجيوش بأمرها، ثم تدفع الشعوب وحدها ثمن الفشل.



