فرامرز صفا يكتب لـ(اليوم الثامن):

الإعدامات تتسارع وأزمة حقوق الإنسان في إيران تتفاقم

تشهد إيران خلال عام 2026 تصاعداً خطيراً في استخدام عقوبة الإعدام، بالتزامن مع حملة أمنية واسعة أعقبت الاحتجاجات التي اندلعت أواخر العام الماضي واتسعت في يناير/كانون الثاني. فقد رافقت الاعتقالات الجماعية محاكمات سياسية وأحكام قاسية، وسط تحذيرات حقوقية من توظيف القضاء وعقوبة الإعدام لترهيب المجتمع ومنع اندلاع موجة احتجاج جديدة.

ولا تقتصر أزمة حقوق الإنسان في إيران على التضييق السياسي أو القيود المفروضة على الحريات العامة، بل تمتد إلى الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والحرمان من العلاج، فضلاً عن محاكمات تقول منظمات حقوقية إنها تفتقر إلى الضمانات القانونية الأساسية.

وتزداد خطورة الوضع مع توسيع نطاق الاتهامات التي قد تقود إلى الإعدام، ومنها «البغي» و«المحاربة» و«الإفساد في الأرض» والتعاون مع جهات معارضة أو دول أجنبية. وتتيح الطبيعة الفضفاضة لهذه الاتهامات للسلطات نقل ملفات سياسية وأمنية إلى ساحات القضاء، حيث يصعب على المتهمين الوصول إلى محامين مستقلين أو الطعن الفعلي في الأدلة والاعترافات المقدمة ضدهم.

النساء بين المقاومة والاستهداف

تحتل النساء موقعاً رئيسياً في المواجهة السياسية والاجتماعية داخل إيران. وإلى جانب التمييز القانوني في الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال، ما تزال سياسة الحجاب الإجباري إحدى أبرز وسائل الرقابة على المجال العام وعلى الحياة اليومية للنساء.

وخلال الأعوام الماضية، وسّعت السلطات آليات تنفيذ تشريعات الحجاب، ولم تعد الإجراءات مقتصرة على التوقيف أو الغرامات المالية، بل شملت إغلاق منشآت تجارية وفرض قيود على العمل والتعليم والخدمات العامة. كما أُسندت أدوار رقابية إلى مؤسسات حكومية وهيئات عامة وأصحاب أعمال، ما نقل سياسة المراقبة من أجهزة الأمن وحدها إلى قطاعات أوسع من المجتمع.

وفي المقابل، أصبحت النساء من أكثر الفئات حضوراً في الاحتجاجات والحركات المدنية، وهو ما جعلهن عرضة للاعتقال والمحاكمات المطولة. وتواجه ناشطات ومدافعات عن حقوق الإنسان وصحافيات وطالبات أحكاماً مشددة، تشمل السجن والمنع من السفر والحرمان من الحقوق الاجتماعية، فيما تواجه أخريات خطر تنفيذ أحكام الإعدام.

ولا يمكن النظر إلى هذه الأحكام بمعزل عن الدور الذي لعبته النساء في الاحتجاجات التي شهدتها إيران منذ مقتل مهسا أميني عام 2022. فقد تحولت مطالب النساء من الاعتراض على الحجاب الإجباري إلى تحدٍّ أوسع لبنية السلطة والقوانين التي تمنح الدولة حق التدخل في تفاصيل الحياة الشخصية.

الشباب في مرمى الإعدامات

يمثل استهداف الشباب أحد أكثر أوجه الأزمة الحقوقية إثارة للقلق. وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى إعدام عدد من المتهمين على خلفية احتجاجات عام 2026، وإصدار أحكام مماثلة بحق آخرين، بعد محاكمات شكك مدافعون عن حقوق الإنسان في نزاهتها وفي الأدلة التي استندت إليها.

وتضم قوائم المحكومين شباناً وشابات في العشرينيات من أعمارهم، فيما تحدثت تقارير عن تعرض بعض المتهمين لضغوط نفسية وجسدية بغرض انتزاع اعترافات استخدمت لاحقاً أمام المحاكم. كما واجه بعضهم قيوداً على التواصل مع أسرهم أو اختيار محامين مستقلين خلال مراحل التحقيق.

ويكشف التوسع في أحكام الإعدام عن هدف يتجاوز معاقبة المتهمين في القضايا الفردية. فالسلطات تستخدم هذه الأحكام، وفقاً لمنظمات حقوقية، لإرسال رسائل ردع إلى جيل شاب كان الأكثر حضوراً في الاحتجاجات والأكثر قدرة على استخدام وسائل الاتصال الحديثة في التنظيم وكسر القيود الإعلامية.

ولا تنشر السلطات الإيرانية بيانات كاملة وشفافة بشأن جميع عمليات الإعدام، بينما تواجه المنظمات المستقلة صعوبات في التحقق من الأرقام بسبب القيود الأمنية وحجب المعلومات. ولذلك تختلف التقديرات المنشورة، لكنها تتفق على تسجيل ارتفاع حاد في عدد الإعدامات مقارنة بالأعوام السابقة.

أرغوان فلاحي.. حكم يهدد حياة ناشطة شابة

تبرز قضية السجينة السياسية أرغوان فلاحي، البالغة نحو 25 عاماً، بوصفها نموذجاً لهذا التصعيد. ووفقاً لوكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان في إيران «هرانا»، حكمت الدائرة الخامسة عشرة في المحكمة الثورية بطهران عليها بالإعدام بتهمة «البغي»، قبل أن تؤيد المحكمة العليا الحكم في أغسطس/آب 2026.

وكانت فلاحي قد اعتُقلت في مدينة برند بمحافظة طهران في يناير/كانون الثاني 2025، ونُقلت إلى الجناح 209 في سجن إيفين. وتقول تقارير حقوقية إنها أمضت أشهراً في الحبس الانفرادي وخضعت لتحقيقات مطولة، مع فرض قيود على اتصالها بعائلتها وحصولها على المساعدة القانونية.

وسبق اعتقال فلاحي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، خلال الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني، وحُكم عليها حينها بالسجن قبل الإفراج عنها بكفالة في مارس/آذار 2024. ثم أُعيد اعتقالها في العام التالي، ووجهت إليها اتهامات تتصل بعلاقتها بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

وتقول منظمات حقوقية وجماعات معارضة إن فلاحي تعرضت لضغوط نفسية وجسدية أثناء التحقيق، غير أن هذه الروايات لم تخضع لتحقيق مستقل، كما لم تقدم السلطات الإيرانية رداً تفصيلياً على جميع الاتهامات المتعلقة بظروف احتجازها.

وبعد تأييد حكم الإعدام، باتت فلاحي تواجه خطراً مباشراً، ولا سيما في ظل تسارع تنفيذ الأحكام وقلة المعلومات التي تسبق نقل السجناء إلى الحبس الانفرادي تمهيداً لإعدامهم. وتحولت قضيتها إلى محور لحملات حقوقية تطالب بإلغاء الحكم وتمكينها من محاكمة علنية وعادلة.

قمع يتجاوز أحكام الإعدام

لا تنفصل حملة الإعدامات عن سياق أوسع من الانتهاكات داخل السجون وخارجها. فقد تحدثت تقارير حقوقية عن مداهمات عنيفة لأقسام السجناء السياسيين، والحرمان من الرعاية الصحية، والاكتظاظ وسوء التغذية، فضلاً عن الضغط على عائلات المعتقلين لمنعها من التواصل مع وسائل الإعلام.

كما تستخدم السلطات القيود المفروضة على الإنترنت والاتصالات للحد من وصول المعلومات إلى الخارج، خصوصاً خلال الاحتجاجات أو عند تنفيذ أحكام الإعدام. ويضاعف ذلك هشاشة أوضاع المعتقلين، ويمنح الأجهزة الأمنية مساحة أكبر للعمل بعيداً عن الرقابة العامة.

وفي سبتمبر/أيلول 2026، قالت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران إن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن السلطات ارتكبت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية خلال قمع الاحتجاجات. وشملت الانتهاكات التي وثقتها البعثة القتل غير المشروع والتعذيب والاعتقال التعسفي والعنف الموجه ضد المحتجين.

وتنفي طهران الاتهامات الموجهة إليها، وتقول إن الإجراءات القضائية تستهدف أعمال العنف والتجسس والتهديدات الأمنية، وليس النشاط السياسي السلمي. غير أن غياب المحاكمات العلنية ومنع الرقابة المستقلة والاعتماد على اعترافات يُقال إنها انتُزعت تحت الضغط، كلها عوامل تقوض صدقية الرواية الرسمية.

تعكس أزمة حقوق الإنسان في إيران تداخل ثلاثة مسارات: قمع المعارضة السياسية، والتمييز المنهجي ضد النساء، والتوسع في استخدام عقوبة الإعدام أداةً للردع. ولا يمكن التعامل مع تنفيذ الأحكام باعتباره شأناً قضائياً داخلياً عندما تكون المحاكمات محاطة باتهامات خطيرة تتعلق بالتعذيب وغياب الدفاع المستقل وانعدام الشفافية.

ومع استمرار صدور أحكام الإعدام بحق محتجين وناشطين وسجينات سياسيات، تتزايد الحاجة إلى تحرك دولي يتجاوز بيانات الإدانة. ويشمل ذلك المطالبة بوقف فوري لتنفيذ الأحكام السياسية، وإتاحة الوصول إلى السجناء، والتحقيق المستقل في مزاعم التعذيب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة.

وتبقى قضية أرغوان فلاحي وغيرها من السجناء المحكوم عليهم بالإعدام اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على حماية الحق في الحياة ومنع القضاء من التحول إلى أداة لتصفية الخصوم السياسيين. فالصمت لا يوقف المشانق، بل يمنح السلطات مساحة أوسع لمواصلة الإعدامات بعيداً عن الرقابة والمساءلة.