قوة الشارع أم خوفه؟..
إيران تستعرض أنصارها فيما تكشف «العفو الدولية» هندسة القمع المنظم
حشدت السلطات الإيرانية مئات الآلاف في طهران لإظهار تماسكها واستعداد أنصارها لحمل السلاح، لكن تقريراً موسعاً لمنظمة العفو الدولية أعاد تفكيك صورة «القوة الشعبية»، موثقاً سياسة دولة منظمة استخدمت القتل والتعذيب والعنف الجنسي لإخماد احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» وترهيب المجتمع.
أكثر من 300 ألف شخص شاركوا في أكبر تجمع تنظمه الحكومة الإيرانية منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط الماضي - أرشيف
بدا الاستعراض الذي نظمته السلطات الإيرانية في شوارع طهران، الجمعة، محاولة مدروسة لإظهار نظام قادر على الحشد بعد أشهر من الحرب والاحتجاجات والضغط الاقتصادي. غير أن الحدث، الذي قدمته وسائل الإعلام الرسمية بوصفه تعبيراً عن وحدة الإيرانيين واستعدادهم للدفاع عن البلاد، تزامن مع صدور تقرير موسع لمنظمة العفو الدولية يقول إن الأجهزة نفسها التي قادت التعبئة الحالية أدارت، قبل أربعة أعوام، حملة قمع واسعة ومنهجية ضد السكان المدنيين.
وحمل التجمع اسم «المضحّون من أجل إيران»، وامتد من ميدان الإمام حسين إلى ميدان الثورة، بمشاركة وحدات من الحرس الثوري والباسيج، ونساء وطلاب ومراهقين ومجموعات ارتدت أزياء قومية، إلى جانب عرض طائرات مسيّرة ومعدات عسكرية ومنظومات دفاع جوي.
وقالت وكالة «أسوشيتد برس» إن أكثر من 300 ألف شخص شاركوا في أكبر تجمع تنظمه الحكومة الإيرانية منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط الماضي. وتحدث مسؤولون إيرانيون عن تسجيل أكثر من 600 ألف متطوع في برامج للتدريب العسكري، مع توقعهم ارتفاع العدد إلى مليون شخص.
أما حسن حسن زاده، قائد فيلق محمد رسول الله التابع للحرس الثوري في طهران الكبرى، فقال إن عدد المشاركين المنظمين تجاوز 450 ألفاً. ولا تتوافر تقديرات مستقلة تحسم الرقم، بينما حملت الفعالية رسمياً اسم «مناورة 313 ألفاً من المضحّين من أجل إيران»، ما يكشف تعدد الأرقام المستخدمة في الدعاية الرسمية المحيطة بها.
ولا يشكل جمع مئات الآلاف في العاصمة، بالنسبة إلى سلطة تسيطر على مؤسسات الدولة وشبكات المساجد والباسيج والوظائف العامة ووسائل النقل والإعلام، دليلاً كافياً على حجم التأييد الشعبي الحقيقي. فالسؤال الأهم لا يتعلق بعدد من حضروا بقدر ما يتعلق بالرسائل التي أرادت السلطة إرسالها، وبالجهات التي استُخدمت لصناعة المشهد.
وحضر الرئيس مسعود بزشكيان إلى جانب حسين طائب، قائد الباسيج، وعدد من قادة الحرس ومحمد مخبر ومسؤولين مرتبطين ببيت خامنئي. وعملت هذه التركيبة على إظهار وحدة مراكز القرار، والتأكيد أن الحكومة والحرس والباسيج والمؤسسة الحاكمة تقف في جبهة واحدة، في مواجهة الرهانات على اتساع الخلافات داخل السلطة بعد الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
ووجه الاستعراض ثلاث رسائل متداخلة: الأولى إلى المجتمع الإيراني، ومفادها أن أي احتجاج جديد سيواجه قوة منظمة في الشارع؛ والثانية إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، بأن الضغط العسكري والاقتصادي لم يفكك بنية النظام؛ والثالثة إلى أنصاره، بأن مؤسسات التعبئة وقواعدها البشرية لا تزال قادرة على الحركة.
وقال حسين طائب إن السلطات شكلت ألف كتيبة عملياتية من المتطوعين، وإن تدريباتها العسكرية ستبدأ قريباً، متعهداً بتكرار المناورة في مدن إيرانية أخرى. وعلى الرغم من تقديم هذه الكتائب باعتبارها قوة دفاعية لمواجهة الأخطار الخارجية، فإن تاريخ الباسيج ودوره في قمع الاحتجاجات يجعلان الإعلان يحمل معنى داخلياً واضحاً.
وأوضحت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الاستعراض جاء في ظل ضغوط الحرب والعقوبات وتراجع الوضع الاقتصادي، ورأت أن إظهار المتطوعين وهم يحملون السلاح لم يكن موجهاً إلى الخصوم الخارجيين وحدهم، بل حمل أيضاً رسالة ردع إلى الداخل، ولا سيما مع اقتراب ذكرى وفاة الشابة الكردية مهسا أميني في أثناء احتجازها عام 2022.
وهنا يكتسب تقرير منظمة العفو الدولية أهميته، إذ يقدم سجلاً تفصيلياً لما يمكن أن تعنيه عبارة «قوة منظمة في الشارع» عندما تتحول من منصة استعراضية إلى أداة في مواجهة المحتجين.
وقالت المنظمة في تقريرها المعنون «مهندسو الفظائع: آلة الدولة المنظِّمة للجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة المرأة، الحياة، الحرية في إيران عام 2022» إن حملة القمع لم تكن نتيجة تجاوزات فردية أو قرارات ميدانية منعزلة، بل جاءت ضمن هجوم واسع ومنهجي على السكان المدنيين، نُفذ وفق سياسة حكومية هدفها إخماد الاحتجاجات.
واعتمد التحقيق على مقابلات مع 270 شخصاً من الشهود والناجين وعائلات الضحايا، وشهادات جمعها محامون ومدافعون عن حقوق الإنسان، إضافة إلى مراجعة أكثر من ألفي مقطع فيديو. وأخضعت المنظمة 456 مقطعاً للتحقق والتحليل التفصيلي، وراجعت وثائق أمنية وقضائية وطبية وتصريحات رسمية.
ووثقت «العفو الدولية» مقتل 377 متظاهراً وماراً، بينهم 56 طفلاً. وقالت إن 326 شخصاً قُتلوا خلال تعامل قوات الأمن مع الاحتجاجات، بينما توفي 18 شخصاً أثناء الاحتجاز، وسُجلت عشر وفيات بعد الإفراج عن محتجزين تعرضوا لانتهاكات، إضافة إلى 23 وفاة وصفتها بالمشبوهة.
وأظهرت نتائج التحقيق اتساع النطاق الجغرافي للقمع، إذ وقعت حالات القتل في 26 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية. كما وثقت المنظمة مقتل 178 شخصاً خلال الأسبوعين الأولين من الاحتجاجات، بين 19 و30 سبتمبر/أيلول 2022، بما يناقض الرواية الرسمية التي صورت العنف باعتباره ردود فعل محدودة على اضطرابات محلية.
وقالت صحيفة «الغارديان»، التي اطلعت على نتائج التقرير، إن وثائق رسمية ومسربة تضمنت تعليمات برد «حازم وشديد» على الاحتجاجات، بينها أمر باستخدام القوة بلا رحمة ولو أدى ذلك إلى الموت. كما وثق التحقيق التعذيب والاعتداءات الجنسية والاغتصاب بحق محتجزين، بينهم قاصرون.
وخصص التقرير مساحة لأحداث «الجمعة الدامية» في زاهدان، حيث وثق مقتل 87 شخصاً، وللقمع في المناطق الكردية، حيث قُتل 95 متظاهراً وماراً في 17 مدينة ضمن محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.
واتهمت المنظمة الحرس الثوري وقوات الشرطة المعروفة باسم «فراجا» والباسيج ووزارة الداخلية والمجالس الأمنية الوطنية والمحلية بالمشاركة في تنفيذ سياسة القمع. كما تناولت دور الأجهزة القضائية والادعاء العام في ملاحقة المحتجين وانتزاع الاعترافات القسرية وحماية المسؤولين من المساءلة.
واستند التقرير إلى ست وثائق مسربة صادرة عن مؤسسات أمنية مختلفة، ووثيقة تتعلق بتخصيص نحو تسعة تريليونات ريال لتغطية ما سمته السلطات «التكاليف الأمنية الثقيلة» الناتجة عن استمرار الاحتجاجات. ورأت المنظمة أن الأوامر المكتوبة واجتماعات التنسيق وسلاسل القيادة والتمويل المخصص للعمليات تنفي أن تكون الانتهاكات مجرد أخطاء فردية.
كما وثقت المنظمة ضغوطاً على عائلات القتلى لإجبارها على قبول الروايات الرسمية بشأن أسباب الوفاة، وقيوداً على مراسم التشييع والتأبين، وحجب تقارير الطب الشرعي وشهادات الوفاة. وأدت هذه الممارسات، بحسب التقرير، إلى إخفاء الأدلة وعرقلة جهود العائلات للوصول إلى الحقيقة والمساءلة.
وفي ما يتعلق بمنظمة مجاهدي خلق، أوضح التقرير أن ذكرها جاء ضمن نقل ادعاءات مسؤولين إيرانيين حاولوا تحميل المعارضة مسؤولية بعض أعمال العنف والقتل. ولم تتبنَّ «العفو الدولية» تلك الادعاءات باعتبارها نتائج مستقلة لتحقيقها.
ومن الأمثلة التي أوردتها المنظمة قضية الشابة مينو مجيدي، إذ نسب مسؤول أمني مقتلها إلى من تصفهم السلطات بـ«المنافقين» قبل استكمال التحقيق. واعتبرت المنظمة الواقعة نموذجاً لمحاولات تحميل جهات معارضة مسؤولية القتل ونفي تورط قوات الأمن.
وحددت «العفو الدولية» أسماء 87 مسؤولاً قالت إن المعلومات المتوافرة تستوجب التحقيق في أدوارهم المحتملة، بينهم 62 مسؤولاً على أساس مسؤولية القيادة و25 آخرون على خلفية المساعدة أو التسهيل. وشددت على أن إدراج الأسماء لا يمثل حكماً بالإدانة، وأن المسؤولية الجنائية النهائية يجب أن تحددها تحقيقات مستقلة ومحاكمات عادلة.
وتكشف قراءة الاستعراض الأخير في ضوء هذه الوقائع أن السلطة لا تقدم الباسيج والحرس باعتبارهما مؤسستين عسكريتين فحسب، بل بوصفهما شبكة اجتماعية وأمنية تمتد إلى المدارس والأحياء والمساجد ومؤسسات الدولة. ولهذا عُرض الأطفال والنساء والقوميات المختلفة في مقدمة المشهد، في محاولة لمنح التعبئة العسكرية مظهراً اجتماعياً واسعاً وتصويرها انعكاساً لإيران كلها.
لكن مشاركة قطاعات كبيرة في فعالية تنظمها الدولة لا تلغي اتساع الرفض السياسي والاجتماعي، كما لا تثبت أن الحاضرين يؤيدون جميع سياسات النظام. فبين المشاركين موظفون وطلاب وعائلات مرتبطة بشبكات الإعاشة الحكومية، إلى جانب القواعد العقائدية للحرس والباسيج والميليشيات الحليفة، الأمر الذي يجعل من الصعب فصل التعبئة الطوعية عن الحشد المؤسسي.
ولا يمكن، في المقابل، التسليم بتقديرات المعارضة التي تختزل قاعدة النظام في نسبة ثابتة ومحدودة من السكان من دون بيانات مستقلة. لكن المؤكد أن السلطة تشعر بالحاجة إلى إثبات بقائها في الشارع، وأن إعلان تشكيل ألف كتيبة وتدريب مئات الآلاف يعكس استعداداً لاحتمال عودة الاحتجاجات بقدر ما يعكس الاستعداد لمواجهة خارجية.
ومع تدهور الاقتصاد واستمرار آثار الحرب والعقوبات، تصبح قدرة النظام على المحافظة على ولاء قواعده أكثر كلفة. لذلك يؤدي الاستعراض وظيفة مزدوجة: إظهار القوة للخصوم، وإعادة تثبيت الثقة داخل المؤسسات التي تعتمد عليها السلطة في بقائها.
غير أن القوة العددية لا تحل أسباب الغضب. فالاحتجاجات التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني لم تكن حادثاً منفصلاً، بل تعبيراً عن أزمة سياسية واجتماعية تتصل بالحريات ووضع النساء والتمييز القومي والبطالة وتراجع المعيشة وغياب المساءلة. وتستطيع الكتائب المدربة قمع الشارع مؤقتاً، لكنها لا تستطيع معالجة هذه الأسباب.
ودعت منظمة العفو الدولية مجلس الأمن إلى إحالة ملف إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية، وطالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإنشاء آلية خاصة للمساءلة الجنائية. كما حثت الدول على استخدام الولاية القضائية العالمية لملاحقة المشتبه في مسؤوليتهم عن الجرائم الجسيمة متى توافرت الشروط القانونية.
وفي المحصلة، أرادت السلطة الإيرانية من استعراض طهران القول إنها ما تزال قادرة على ملء الشوارع وحشد السلاح والمتطوعين. لكن تقرير «العفو الدولية» يضع خلف هذه الصورة سجلاً مختلفاً: دولة لا تعتمد على التأييد وحده، بل على جهاز منظم للرقابة والتعبئة والعنف. وبين مشاهد الحشود وملفات الضحايا، تظهر حقيقة الصراع داخل إيران: النظام يستعرض قدرته على السيطرة، بينما تكشف حاجته المتكررة إلى القمع مقدار خوفه من المجتمع الذي يدعي تمثيله.
المصادر: منظمة العفو الدولية، وكالة «أسوشيتد برس»، صحيفة «الغارديان»، صحيفة «وول ستريت جورنال»، وتقارير وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية.



