عبدالرحمن كوركي مهابادي يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران على عتبة تحول كبير!
تمثلت السمة البارزة لانعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السنوية يوم 21 سبتمبر 2026، والتي تزامنت مع تجمع حاشد للإيرانيين في المنفى ضد النظام الكهنوتي، في أن هذه القمة وهذا التجمع عُقدا في ظل ظروف مختلفة تماماً عما سبق. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في حماس وصخب المتظاهرين.
وبموازاة تقدم الانتفاضة الشعبية العارمة ضد الدكتاتورية، تنقشع الستائر تدريجياً، وتتجلى أكثر من أي وقت مضى حقيقة أن فلول دكتاتورية الشاه يسعون إلى إبقاء الدكتاتورية في إيران، والشيء الوحيد الغائب عن سياستهم وشعاراتهم هو الشعب الإيراني ومطالبه المشروعة، وعلى رأسها "إسقاط الدكتاتورية".
يشهد العالم اليوم حقيقة أن شرعية الحل الثالث للمقاومة الإيرانية تكتسب يوماً بعد يوم مساحة أكبر في الرأي العام داخل المجتمع الإيراني وعلى مستوى العالم. وللخلاص من النظام الكهنوتي في إيران، فإن الحل الوحيد للقضية الإيرانية يكمن في إسقاط الدكتاتورية بأيدي الشعب والمقاومة الإيرانية.
إن ما جرى في القمة السنوية للأمم المتحدة وتجمع الإيرانيين خارجها، فضلاً عن الأصداء الواسعة للقضية الإيرانية وتجمع الإيرانيين، هو انعكاس لهذه الشرعية التي دفعت فلول دكتاتورية الشاه خارج حدود إيران إلى التخبط والاضطراب.
وفي التجمع الحاشد للإيرانيين، صرخ المتظاهرون هاتفين بأن "النظام الكهنوتي الحاكم لا يمثل الشعب الإيراني". وكما أن نظام الشاه لم يكن يمثل الشعب الإيراني أيضاً، مع فارق أن هذه الدكتاتورية الحالية أكثر بغضاً وكراهية من سابقتها. يجب أن يعود مقعد الأمم المتحدة للشعب الإيراني، ولا ينبغي أن يبقى محتلاً من قبل ممثلي الأنظمة الدكتاتورية!
إن الغضب المتصاعد للشعب الإيراني ضد السلطة، وقتل المعارضين على يد النظام الإيراني، لا سيما في انتفاضة يناير 2026، والارتفاع المتسارع في وتيرة الإعدامات، وخاصة إعدام السجناء السياسيين، والتزايد الملحوظ في هجرة الأدمغة، وبشكل خاص تدهور الأوضاع المعيشية للشعب، بالتزامن مع إشعال النظام للحروب الإقليمية والعالمية؛ كل ذلك من بين المتغيرات التي كشفت عن الوضع الجديد السائد في إيران، وجعلت الاعتراف بالمقاومة الإيرانية أمراً حتمياً وضرورياً.
شكل الحضور البارز للسياسيين الأمريكيين والشخصيات الدبلوماسية المرموقة، أمثال رودي جولياني (عمدة نيويورك السابق)، والسيناتور روبرت توريسلي، والسفير مارك غينسبرغ (السفير الأمريكي السابق)، والتغطية الواسعة من قبل أهم وسائل الإعلام الدولية، تجلياً خاصاً للمشهد السياسي الإيراني.
لقد تمازجت خطابات السياسيين وتغطيات وسائل الإعلام مع صرخة الإيرانيين في المنفى، لتبرز حقيقة أن الانتفاضة الشعبية العارمة تمتلك ممثليها وأهدافها التي تتبلور في "رفض الدكتاتورية في إيران". وقد أعلن هؤلاء دعمهم وتأييدهم للحكومة المؤقتة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية ولخطة النقاط العشر للسيدة مريم رجوي، والتي تؤكد على الانتخابات الحرة، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإيران خالية من الأسلحة النووية، وإحقاق حقوق مكونات الشعب الوطنية.
كما صرحت السيدة مريم رجوي بأن "مقعد إيران ملك للشعب الإيراني ومقاومته المشروعة من أجل السلام والحرية وجمهورية ديمقراطية". وأضافت أن الحرب أو الاسترضاء مع هذا النظام ليس الحل للقضية الإيرانية، بل إن الحل يكمن في إسقاط هذا النظام بأيدي الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة.
من جانبه، أشار رودي جولياني (عمدة نيويورك السابق) إلى تغاضي الحكومات عن حل الأزمة الإيرانية، معتبراً أن حضور مسؤولي النظام الكهنوتي الحاكم في إيران يمثل إهانة لمبادئ الأمم المتحدة، قائلاً: "في الوقت الذي يجتمع فيه قادة العالم لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولا تزال الأزمة الإيرانية دون حل، احتشد الآلاف من الإيرانيين المقيمين في أمريكا والمدافعين عن حقوق الإنسان أمام الأمم المتحدة لإيصال الصوت الحقيقي للشعب الإيراني إلى العالم. لا ينبغي لهذه القاعة أن تكون منبراً لإضفاء الشرعية على الإرهاب والاستبداد".
وكان الحضور الفاعل للشباب الإيراني في تجمع الإيرانيين في نيويورك من أبرز سمات هذا التجمع، لاسيما وأن سجل انتهاكات حقوق الإنسان في إيران من قبل النظام الكهنوتي الحاكم قد أُدين أكثر من 72 مرة في الجمعية العامة ومختلف المؤسسات الدولية. إن السلطة التي تحمل في سجلها آلاف الإعدامات السياسية، ومعاداة النساء بشكل مؤسسي، وقتل المحتجين في الشوارع، وتصدير التطرف، تفتقر إلى أي أهلية قانونية وأخلاقية لتمثيل شعب إيران العظيم.
واليوم، تشتبك وحدات المقاومة، التي تمثل النواة الأولى لجيش التحرير الوطني الإيراني، في قلب المدن الإيرانية مع حرس النظام القمعي. وقد أكد المتظاهرون، استناداً إلى القانون الدولي، على ضرورة الاعتراف بحق الدفاع المشروع للشعب في مواجهة العنف السافر لقوات الحرس ومجمل جهاز القمع.
إن مطلب إسقاط الدكتاتورية في إيران ليس وليد انتفاضة أو عدة انتفاضات منظمة في السنوات الأخيرة، بل هو متجذر في عمق التاريخ الإيراني. لقد أسقط الشعب الإيراني دكتاتورية الشاه في عام 1979، وهو الآن يسعى لإسقاط نظام الملالي، ولن يرضى بأقل من إسقاط الدكتاتورية. إن الحرب الخارجية أو استرضاء الدكتاتورية، يمثلان في النهاية تحركاً في الملعب الذي تحدده الدكتاتورية الحاكمة؛ لذا، يجب الإصغاء للمطلب الأساسي للشعب والمقاومة الإيرانية المتمثل في إسقاط الدكتاتورية.
وفي نظر الشعب والمقاومة الإيرانية، تعد المظاهرات السلمية في 20 يونيو 1981 منعطفاً تاريخياً، حيث رُسخ في صلب المظاهرات المسلحة يوم 27 سبتمبر 1981 الشعار المحوري "الموت لخميني"، ليتحول إلى شعلة يحملها الشعب الإيراني الآن بيده، متجهاً نحو طي صفحة الدكتاتورية في إيران إلى الأبد.
وليس عبثاً أن نرى فلول الدكتاتورية السابقة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك خلال التجمع الحاشد للإيرانيين في 22 سبتمبر 2026، ينزلون إلى الساحة من أجل إبقاء الدكتاتورية في إيران، حيث هاجموا المتظاهرين الإيرانيين واعتدوا على الصحفيين ومراسلي وسائل الإعلام العالمية بحجة تغطيتهم لهذا التجمع المناهض للنظام الكهنوتي! فيا للعجب!
وقال القس آريان دانهاوزر والقس الدكتور كلوي برير في التجمع الحاشد للإيرانيين هذا العام: "لا لجميع أشكال الدكتاتورية والقمع في إيران. لم تحقق الدكتاتورية أي نتيجة على الإطلاق، لأنها مبنية على اغتصاب السلطة والفساد؛ سواء كانت باسم الدين، أو تحت مسمى الملكية، أو أي أيديولوجية أخرى".
*کاتب ومحلل سياسي خبير في الشأن الايراني


