حوارات وتحليلات

الوصول إلى المنعطف الإيجابي..

تحليل: المصالحة الخليجية.. تغليب قواعد الحكمة واستعادة روح الأخوّة

الوقت الخميس 14 يناير 2021 12:13 م
تحليل: المصالحة الخليجية.. تغليب قواعد الحكمة واستعادة روح الأخوّة

اليوم الثامن أدرك الجميع حجم المتغيرات في السياسة الدولية وأنّ الظرف الراهن لا يستوعب مزيداً من الخلافات

11 عاماً لا يمكن أن تكون صورة أو تعبيراً أو توصيفاً لعلاقة بين دولتين شقيقتين مثل المملكة العربية السعودية وقطر، ودول الخليج كلها، فأعوام الخلافات لا تدوم، تبقى تحمل بذور المصالحة في ثناياها، وهذا بالفعل ما حدث منذ أيام حادثة "الخفوس"، في العام 1992 حين وقع نزاع حدودي بين الشقيقتين الجارتين، انتهى بالمصالحة.

وأبعد من ذلك، أعوام طويلة مرّت على خلاف حدودي في منطقة الخفجي، دام ما يقارب 60 عاماً، لكنه طيلة كل تلك الأعوام، كان لا يعدو أن يكون ملفاً من الملفات لم يخدش أيّ حبر مأزوم صفحة العلاقة الأخوية المستمرة بينهما.

الخلاف الخليجي وصل في النهاية إلى المنعطف الإيجابي بفضل تغليب قواعد الحكمة واستعادة روح الأخوّة

ما حدث في 2017، من خلاف، وإغلاق للحدود بين دول الخليج الـ3 "السعودية والإمارات والبحرين" مع قطر، كانت مؤشراته حادة وتفاصيله عميقة، ومع ذلك لم يدم طويلاً، ووصل في النهاية إلى المنعطف الإيجابي، بفضل تغليب قواعد الحكمة، واستعادة روح الأخوّة، وتقديم خيارات جديدة لشعوب المنطقة، أكثر أثراً في خلق الشعور بالاستقرار، وسط حالة عامّة مشحونة بالقلق والتوتر، جرّاء الأزمات الإقليمية والدولية.

ربما كانت أسباب الخلاف إجبارية، نتيجة صعود خطاب الكراهية والعنف في تلك الفترة، والتوقع بأنّ هناك ثقباً أسود في الجدار تنفذ منه لغة سوداء وخطاب مالح، ونوايا غير بريئة، لكن حتماً لم تكن أسباب المصالحة إجبارية، بمعنى أنه لم يذهب أحد الأطراف إلى هذه المصالحة مكرهاً أو مجبراً أو مغلوباً على أمره. لقد دعت المملكة العربية السعودية، وهي أقلّ المتضررين من الخصومة والخلاف، واستجابت قطر وهي أكثر المتضررين، وبين هذا الأقل وذاك الأكثر، كانت الحكمة السياسية والاتزان السياسي هو الموقف الأجدر أن يكون.

أدرك الجميع حجم المتغيرات في السياسة الدولية وأنّ الظرف الراهن لا يستوعب مزيداً من الخلافات

كان هذا، لأنّ المملكة العربية السعودية، كانت هي محور الأزمة، فكان ينبغي أن تكون هي محور المصالحة، وقد أدركت تماماً حجم المتغيرات في السياسة الدولية، وأنّ الظرف الراهن لا يستوعب مزيداً من الخلافات، وأن الشياطين التي كانت تجلس في التفاصيل الصغيرة للأزمة، وتنفخ على جمرها، يجب ألّا تُمنح مزيداً من القوة والحضور والتأثير.

الأزمة والخلاف الخليجي كان تعبيراً عن مشهد دولي في حينه، أمّا اليوم، فالمصالحة تعبير عن مشهد إقليمي ودولي آخر، العالم اليوم يبدو أنه بدأ يستعيد توازنه ومرونته، بعد مرحلة ثقيلة بدأت بـ"الربيع العربي" واستتباعاته ونواتجه واستحقاقاته، وبعد حروب الإرهاب، ومواجهات العنف والتطرّف وخطابات الكراهية، وصل الجميع - ربما - إلى قناعة أنّ التوازن أصبح مطلباً إجبارياً، فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول استعادة توازنها الداخلي بعد حقبة رئاسية شعبوية متهورة، وتميزها في صناعة التوتر في كلّ العالم، تحاول اليوم ضخّ مفردات لغوية مريحة وتبعث على الاطمئنان بأنّ الحقبة الرئاسية القادمة، وعلى رأسها بايدن، تحمل الكثير من الهدوء والعقلانية، لكنّ هذه الطاقة اللغوية الأمريكية المشبعة بالتفاؤل تبقى على المحك، نتيجة فقدان العالم كله الثقة بالخطاب الأمريكي غير القادر على الصمود إلى الأخير، فالأطماع والمصالح واللعاب الأمريكي الذي يسيل دوماً على خيرات العالم أقوى تعبيراً وأشدّ أثراً في المنهج والطريقة والسياسة الأمريكية.

إيران تقرأ المشهد بدقة وتنفست الصعداء عقب انتهاء حقبة ترامب وسقوطه المروع

رغم ذلك، فإنّ مُعطى جديداً، يظهر بقوّة، يؤشر على ضرورة الهدوء والعقلانية الأمريكية في المرحلة القادمة، وهو ما صنعه ترامب وأنصاره، بدعوة الحشود التي لم تكن عشوائية أمام الكونغرس، وممارساتها العنفية، كلّ ذلك من شأنه أن يرفع مستوى الخوف الأمريكي من أن تصاب أمريكا من داخلها.

جماعات إيديولوجية وأعلام وعبارات مثيرة للرعب، وميليشيات متطرّفة ظهرت في الحشود المناصرة لترامب، لم تكن حشوداً عشوائية، بل كانت علامة كبرى من علامات اهتزاز المجتمع الأمريكي، وأنه مجتمع مفخخ بالشعور بالطغيان، وأنّ ظهور علم مثل علم "كيكستان" المثير للجدل، والمستمد من علم النازية، بإمكانه أن يؤشر على عمق الأزمة الداخلية التي ستجبر الإدارة الأمريكية والرئيس الجديد على إعادة إنتاج نفسها وخياراتها وطموحاتها. وباعتقادي، فإنّ أمريكا قبل تلك الحشود ستكون غير أمريكا بعد كلّ هذا الاستدعاء العنيف للجماعات والميليشيات والرايات الحمراء والبيضاء والصفراء والخضراء.

لماذا إذن أنتج الأمريكيون الغاضبون دولة "كيكستان" الخيالية...؟

 يجيب خبراء أمريكيون إنّ ثمّة حالة من الشعور بالاضطهاد الشديد تنمو في الداخل الأمريكي، وقد استطاعوا أن يعبّروا عن أنفسهم بهذه الابتكارات الخيالية، ربما هي أيضاً حالة هروب من الواقع "المخزي" لدولتهم إلى دولة خيالية من ابتكارهم، وهي، بحسب التعريف الوكيبيدي، دولة خيالية ابتكرها أعضاء من منتدى شان4 وغدت معلماً سياسياً وحركة على الإنترنت، وهو عبارة عن لفظ منحوت من "كيك" و"ستان" ومعناها باللغة الفارسية "مكان". ويعتبر الكيكستانيون أنفسهم يتعرّضون للاضطهاد الشديد من قبل الصواب السياسي، وتبنّوا شخصية الإنترنت غوردون هورد رئيساً لدولتهم الخيالية، واختاروا أغنية الديسكو «Shadilay» نشيداً وطنياً لهم.

طهران تنظر إلى الخليج باعتباره سوقاً استثمارية يمكنها أن تنقذها من فخّ العقوبات وسطوتها

أستطيع أن أضع عنواناً لكلّ ما حدث منذ حقبة ترامب وما رافقها، حتى اليوم، من نمو وظهور وابتكار لطرائق تعبير عن الرأي تتسم بالغموض والعنف والخوف، أنّ أمريكا تتغير، أو أنّ على أمريكا أن تتغير.

أمّا إيران، فهي تقرأ المشهد بدقة؛ تتنفس الصعداء بُعيد انتهاء حقبة ترامب وسقوطه المروع، وسقوط توقعات إعلانه الحرب عليها، وإذا ما ذهبت الحرب، فإنّ العقوبات باقية، لذلك تعمل على تصعيد الموقف بتخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء 20%، ويعني ذلك اقترابها من إنتاج القنبلة النووية، كما في تحليلات الصحف الأوروبية ومنها الألمانية، ومنها أيضاً صحيفة تاغسشبيغل" التي تساءلت: "ما الذي يمكن أن تتحمله كل من برلين وباريس وواشنطن قبل رفع البطاقة الحمراء في وجه إيران بشأن برنامجها النووي؟".

خبراء أمريكيون يرون أنّ ثمّة حالة من الشعور بالاضطهاد الشديد تنمو في داخل بلادهم

من جهة أخرى، ترى إيران بالمصالحة الخليجية فرصة جيدة للاستثمار، فيسيل أيضاً لعابها، وتحاول تصدير خطاب إيجابي لكنه مكشوف النوايا، فهي تتحدث عن ترحيب بالمصالحة من أجل استقرار المنطقة، وأنّ أحضانها مفتوحة بشرط أن تعود السعودية والإمارات عن مسارهما الخاطئ في المنطقة، يبدو الأمر أشبه بالنكتة، فالعبث بالمنطقة واستقرارها عنوانه الرئيس "طهران"، لكنها تقول ذلك لأنّها تنظر إلى الخليج باعتباره سوقاً استثمارية يمكنها أن تنقذها من فخّ العقوبات وسطوتها.

التعليقات

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5e85af3b6fb37.png

الاعداد السابقة