الرياض تبحث عن “غطاء سياسي” عبر أنقرة…

الاستراتيجية السعودية في اليمن.. من صالح الهديّان إلى فلاح الشهراني… مسارات النفوذ وإعادة تشكيل الجنوب

يرصد التقرير تحركات الرياض لإعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي في عدن عبر زيارة اللواء فلاح الشهراني، بما يوحي بتحول من “الشراكة” إلى إدارة مباشرة للجنوب. ويقارن ذلك بدور الملحق السعودي السابق صالح الهديّان في هندسة النفوذ داخل اليمن. ويحذر من سيناريوهين: غرق أمني وتمدد جماعات متطرفة، أو معادلة صفرية تستنزف الجنوب وتصطدم بالتوجهات الأمريكية.

تفكيك الجنوب حاليا قد يكون اشبه بتفكيك الشمال واغتيال الرؤساء فلاح الشهراني في صورة جديدة من صالح الهديان - أرشيف

ناصر الخضر
ضابط عسكري متقاعد
عدن

 لم يكن الثالث عشر من يناير 2026م يوما عاديا في عدن، ولا بدا مناسبة للتصالح والتسامح كما اعتاده الجنوبيون منذ سنوات.. ففي ساعات النهار الأولى، ظهرت المدينة وكأنها تستقبل مشهدا مختلفا عن طقوس الذكرى: موكب عسكري واسع يتنقل بين مواقع حساسة، من مطار عدن الدولي مرورا بالجسر البحري، وصولا إلى المنصورة ثم محيط قاعدة بئر أحمد في البريقة. مركبات مدرعة وعربات عسكرية حملت على ظهرها العلم السعودي، ما أثار حالة من القلق والتساؤل في أوساط السكان.

وبعد ساعات، جرى الإعلان عن زيارة مستشار وزير الدفاع السعودي، اللواء فلاح الشهراني، الذي حضر – بحسب مصادر عسكرية تحدثت لـ”اليوم الثامن” – للقاء قيادات عسكرية جنوبية في عدن، ضمن تحركات ترتبط بإعادة ترتيب الملف الأمني والعسكري في المدينة.

وتقول المصادر إن الشهراني أبلغ القيادات بتوجيهات سعودية تتضمن “إعادة توزيع القوات” داخل عدن، بما يشمل إخراج قوات جنوبية من مواقع محددة، وإسناد مهام أمنية لقوات أخرى وصفتها المصادر بأنها تلقت تدريبا خلال العامين الماضيين خارج البلاد.

وتضيف المصادر أن هذه التوجيهات جاءت بصيغة “حازمة”، مع حديث عن ترتيبات لعودة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة إلى عدن، وتحديدا ما يتعلق بمهام حماية قصر معاشيق.

وفي سياق التفسير السياسي لهذه التحركات، رأت مصادر يمنية وثيقة الصلة – في حديثها لـ”اليوم الثامن” – أن حضور الشهراني يمثل امتدادا لنمط قديم من إدارة النفوذ العسكري داخل اليمن، مشيرة إلى تشابهات رمزية بينها وبين دور الملحق العسكري السعودي السابق صالح الهديان، الذي ارتبط اسمه تاريخيا بروايات واتهامات يمنية حول التدخل في الملف العسكري خلال عقود سابقة.

وبحسب هذه المصادر، فإن الهديان برز عقب الإطاحة بنظام الإمامة في ستينيات القرن الماضي، وتمكن من إنشاء مكتب داخل هيئة الأركان اليمنية، ما منحه تأثيرا واسعا – وفق توصيفها – على تحركات الجيش وتعييناته. كما تزعم المصادر أن هذا الدور تراجع لاحقا مع صعود علي عبد الله صالح، الذي اتخذ قرارا بإغلاق المكتب، معتبرا أن الدعم المالي لا يمنح حق التحكم المباشر بالمؤسسة الدفاعية.

وبينت وثائق نشرتها وسائل إعلام يمنية ان الهديان خطط لاغتيال إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي، وقالت صحيفة “26 سبتمبر”، التابعة لوزارة الدفاع في صنعاء، إن صالح الهديّان – بصفته الملحق العسكري السعودي في صنعاء – لعب دورا محوريا في هندسة انتقال السلطة في شمال اليمن عام 1978م، عقب اغتيال الرئيس أحمد الغشمي.

وأضافت الصحيفة أن السعودية رفضت تولّي القاضي عبدالكريم العرشي رئاسة اليمن، رغم أنه كان – وفق الرواية – الأوفر حظا ويحظى بإجماع سياسي وعسكري، مشيرة إلى تعرضه لضغوط دفعت نحو إبعاده عن المنافسة.

وبحسب ما أوردته الصحيفة، شارك الهديّان مع مسؤولين سعوديين في إدارة مسار الترغيب والترهيب لإقصاء العرشي، عبر ممارسة ضغوط سياسية وتقديم إغراءات مالية لقيادات مدنية وعسكرية ومشايخ، بهدف تمرير خيار “المرشح البديل”.

وتؤكد الرواية – وفق الصحيفة – أن الهديّان كان من بين أبرز من دفعوا باتجاه تنصيب علي عبدالله صالح، وقدّم بشأنه تقارير للقيادة السعودية وصفه فيها بأنه “رجلنا”، في إشارة إلى كونه الخيار الأكثر انسجاما مع المصالح السعودية آنذاك.

كما تربط الصحيفة بين دعم الهديّان لصالح وبين هدف سياسي أوسع، يتمثل في إغلاق ملف اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي، باعتبار أن وصول صالح – وفق ما تزعم الرواية – كان يُنظر إليه كضمانة لعدم إعادة فتح القضية أو مساءلة المتورطين فيها.

وتذهب الصحيفة إلى أن الهديّان بدا خلال تلك المرحلة بمثابة حاكم فعلي غير معلن، يتحكم بترتيبات الرئاسة وموازين القوة داخل الجيش والقبائل، مستندا إلى النفوذ السعودي المباشر.

وخلاصة ما تقدمه هذه الرواية، أن صالح الهديّان لم يكن مجرد ملحق عسكري، بل ظهر – وفق توصيف الصحيفة – كـ مهندس نفوذ سعودي داخل صنعاء، استخدم الضغط والمال وشبكات العلاقات لتوجيه مسار الحكم وصولا إلى تثبيت علي عبدالله صالح في منصب الرئاسة.

و وقال موقع “العربي نيوز” إن وثائق ومعلومات استخباراتية منسوبة لتقرير رفعه السفير الأمريكي في السعودية إلى الإدارة الأمريكية، كشفت – بحسب الموقع – تفاصيل جديدة تتعلق بملف اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي وشقيقه عام 1977م، متضمنة اتهامات مباشرة بتورط أطراف يمنية وسعودية في الجريمة.

وبحسب ما ورد في رواية الموقع، فإن التقرير استند إلى معلومات الملحق العسكري والاستخباراتي للسفارة الأمريكية، بالإضافة إلى إفادات منسوبة للملحق العسكري السعودي في صنعاء صالح الهديّان، مشيرا إلى أن السعودية لعبت دورا في التخطيط وتمويل العملية.

وزعم الموقع أن الوثيقة المتداولة تتضمن نصا منسوبا للهديّان اقترح فيه اختيار علي عبدالله صالح رئيسا لخلافة الحمدي، واصفا إياه بأنه “رجلنا” وأنه “مشترك في القتل”، في إشارة إلى اتهامه بالمشاركة في الجريمة.

كما أشار “العربي نيوز” إلى تداول مقطع فيديو مقتطع من مقابلة مع علي عبدالله صالح، قال الموقع إنه يتضمن اعترافا ضمنيا بدور السعودية في اغتيال الحمدي، واتهاما مباشرا للهديّان بأنه أشرف على العملية، مع الإشارة إلى وجود “وثائق ونتائج تحقيقات” تثبت ذلك، بحسب ما نقل الموقع.

وقالت مصادر يمنية إن اللواء فلاح الشهراني لعب دورا كبيرا في التخطيط لاغتيال رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، في عدن او وضعه تحت الإقامة الجبرية في الرياض، وان ابلغ وزير الدفاع بضرورة توجيه الضربة للجنوب بعد ان نجحت السعودية في تأسيس ميليشيات عقائدية تسمى الطوارئ والدرع والردع، وكلها تقودها شخصيات دينية ليس لها علاقة بالسلك العسكري، ولكنها تمتلك عقيدة قتالية مستمدة من السلفية الجهادية التي تحصلت مؤخرا على فتاوى دينية تجيز لهم قتال القوات الجنوبية على اعتبار انها خارجة عن طاعة ولي الامر.

في ظهوره الأول من قاعدة بئر أحمد في البريقة، حاول اللواء فلاح الشهراني تقديم نفسه كرجل “طمأنة” في لحظة جنوبية شديدة الحساسية. لكن المشكلة أن الكلمات، مهما كانت ناعمة، لا تستطيع أن تمحو أثر مشهد ثقيل: مدينة خرجت لتوّها من توتر أمني وصدمة قصف وخسائر بشرية، وسماء لا تزال مأهولة بالطيران، وشوارع ترزح تحت إحساس متصاعد بأن القرار لم يعد محليا.

الشهراني تحدّث عن “رسالة اطمئنان”، بينما الواقع – كما يراه كثيرون في عدن – يوحي بعكس ذلك تماما. فالطمأنة عادة تأتي مع تهدئة، مع تقليل عسكرة المشهد، مع إشارات احترام للسيادة، لا مع دخولٍ على ظهر موكب مدرعات، واستعراض قوة في شوارع مدينة ما زالت تعيش ارتدادات صراع مفتوح. لهذا بدا الخطاب أقرب إلى إعادة تسويق عبارة قديمة في وقت لم يعد المزاج الجنوبي يتقبل فيها التجميل.

الأكثر لفتا، أن خطاب الشهراني لم يكن مجرد حديث بروتوكولي، بل حمل ضمنيا تصورا جديدا لماهية “الجنوب” نفسه. فهو قدّم تعريفا مختزلا لجنوب اليمن وكأنه يتمثل في نطاق محدد (عدن، لحج، الضالع، أبين) بينما بدت بقية المحافظات الجنوبية ـ مثل المهرة وشبوة وحضرموت وسقطرى ـ وكأنها مناطق نفوذ وثروة خارج معادلة “الجنوب” السياسي كما يريد أن يشرحها. هذا التصنيف ليس تفصيلا لغويا، بل يفتح بابا واسعا على سؤال أكبر: هل يجري إعادة هندسة الجغرافيا السياسية للجنوب وفق منطق الموارد وممرات النفوذ؟

ومن هنا يبدأ جوهر الإشكال: إذا كانت الرياض ترفع منذ سنوات شعار “دعم الشرعية” و”الحفاظ على وحدة اليمن”، فلماذا يبدو خطاب الشهراني وكأنه يقرّ عمليا بإعادة توزيع النفوذ بطريقة تُنتج جنوبا مُقسّما وظيفيا؟ جنوبٌ تُدار فيه الثروة والمنافذ بمعادلات مختلفة، بينما تُحصر “الإدارة اليومية” والضغط الأمني في العاصمة المؤقتة عدن.

الجزء الأكثر حساسية في خطاب الشهراني كان ما يتعلق بإخراج القوات الجنوبية من عدن وإحلال تشكيلات جديدة مكانها. هذا الطرح – حتى لو قُدّم بعبارات تنظيمية – يثير سؤال الأمن من أساسه: من يملأ الفراغ؟ ومن يملك مفاتيح ضبط الجماعات المتطرفة والعصابات الإجرامية؟ وهل الهدف فعلا استقرار المدينة، أم إعادة تركيب القوة بما يضمن إخضاع القرار المحلي لصيغة وصاية جديدة؟

القلق لا يتوقف عند الأمن فقط، بل يمتد إلى مساحة الحريات العامة، خصوصا حرية الصحافة والكلمة. حين يبدأ خطاب سياسي بكلمة “اطمئنان” وينتهي بإشارات ترهيب مبطّنة ضد المعارضين والمنتقدين، تصبح الطمأنة مجرد عنوان، بينما مضمون الرسالة الحقيقي هو: “اسكتوا”. وهذا هو المنعطف الأخطر، لأن تحويل عدن إلى ساحة ضبط سياسي بالقوة سيؤدي إلى توسيع الفجوة بين السلطة المفروضة والشارع، ويعيد إنتاج دورة الغضب بدل إنهائها.

في النهاية، ما قاله الشهراني لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق: نفوذ يتوسع، تعريفات تتغير، خرائط تُعاد صياغتها، وخطاب يتعامل مع الجنوب كمساحة إدارة لا كقضية سياسية وشعب له حق تقرير مساره. لذلك تبدو “رسالة الاطمئنان” أقرب إلى إعلان مرحلة جديدة من الوصاية، لا إلى محاولة تخفيف الاحتقان.

وإذا كان المطلوب من الجنوبيين التصديق بأن هذا كله إجراء مؤقت هدفه “الاستقرار”، فإن الواقع يقول شيئا آخر: الاستقرار لا يُصنع بالمدرعات ولا بالتهديد، ولا بإعادة توزيع القوى بالقوة، بل بالتوافق واحترام الإرادة المحلية ووقف تحويل الجنوب إلى ساحة صراع إقليمي وحسابات نفوذ عابرة للحدود.

هذه ليست “رسالة اطمئنان” بقدر ما هي اختبارٌ لصبر مدينة وشعب… وأي اختبار من هذا النوع غالبا ما ينتهي بنتيجة واحدة: مزيد من الرفض، ومزيد من التشكيك، ومزيد من الأسئلة التي لا تستطيع الكلمات وحدها إسكاتها.

ما يفعله اللواء فلاح الشهراني اليوم في الجنوب لا يبدو مجرد زيارة بروتوكولية أو تحرك أمني عابر، بل يحمل ملامح دور سياسي-عسكري يتجاوز وظيفة “مستشار” أو “مبعوث” إلى ما يشبه نموذج قديم عرفته صنعاء في مراحل سابقة: نموذج الملحق الحاكم.

في السبعينيات كان الاسم الأكثر تداولا داخل هذا النموذج هو صالح الهديّان، الذي تُقدمه روايات يمنية بوصفه لاعبا خلف الستار في مرحلة انتقال السلطة عقب اغتيالات سياسية كبرى. واليوم، تعود الفكرة نفسها بصيغة مختلفة، وبمسرح مختلف، لكن بروح واحدة: فرض القرار من خارج الحدود، وإدارة الداخل بمنطق القوة لا بمنطق الشراكة.

لغة الشهراني – كما ظهرت في خطابه وتحركاته – لم تُقرأ في عدن كلغة “طمأنة”، بل كلغة توجيه وأمر وتهديد. وهذه ليست مجرد مشكلة خطابية، بل مؤشر على تصور سياسي يتعامل مع الجنوب بوصفه مساحة ضبط وإخضاع لا مساحة تفاهم. فحين يُقال “إخراج القوات” دون تقديم ضمانات أمنية واضحة، وحين تُطرح ترتيبات أمنية بديلة بشكل فوقي، فإن الرسالة التي تصل للناس ليست “استقرارا”، بل نزع يد القرار المحلي وإعادة تركيب السلطة بالقوة.

وهنا يتقاطع الشهراني مع الهديّان في الجوهر: تلهديّان – وفق روايات تلك المرحلة – كان يشتغل على تشكيل السلطة عبر الضغط على النخب وإعادة ترتيب ميزان القوى وفق معيار واحد: من يضمن الولاء؟

والشهراني اليوم، وفق قراءة المشهد، يتحرك بالمنطق ذاته لكن بأدوات أكثر حداثة: تشكيلات عسكرية جديدة، تعريفات سياسية جديدة للجنوب، وقواعد اشتباك تتعامل مع الاعتراض كخطر ينبغي إسكاتُه.

الأخطر أن هذا النموذج لا يكتفي بفرض ترتيبات جديدة، بل يصنع “سردية جاهزة” لمواجهة أي رفض. فكل من يعارض التمدد السعودي أو يشكك في خياراته، يجد نفسه داخل قفص اتهام مُسبق: مرة تحت عنوان “العلاقة بإسرائيل”، ومرة تحت عنوان “تقسيم اليمن”، وكأن المطلوب ليس مناقشة السياسات بل تجريم الاعتراض عليها. هذه التقنية معروفة في إدارة النفوذ: لا تُجادل خصمك، بل ارمِه بتهمة تُخرجه من المجال الوطني إلى خانة الخطر.

لكن المفارقة الأكثر إيلاما في الصورة الكبرى، أن ما يجري في الجنوب لا يبدو معزولا عن ترتيبات تقسيم أوسع. فوفق هذا التصور، تُدفع المحافظات الجنوبية نحو شكل من التجزئة الإدارية والسياسية بوضع الجنوب داخل إطار إقليمين، في الوقت الذي يبدو أن الشمال – الذي يهيمن عليه الحوثيون فعليا – يُعامل بوصفه إقليما واحدا متماسكا.

هذه المعادلة لا تعني مجرد اختلاف إداري، بل تعني فرقا في الميزان السياسي: شمال موحد سياسيا وعسكريا، مقابل جنوب مُجزأ ومفتت القرار.

وإذا كانت السعودية تعتقد أنها تسيطر على المشهد عبر تقليص قوة الجنوب العسكرية وإضعاف مقدراته، فإن السؤال الواقعي يقول: من المستفيد النهائي؟

الجنوب كان – رغم ارتباكه – يشكل عنصر توازن حقيقي أمام المشروع الحوثي. وعندما يتم ضرب هذا التوازن أو تفكيكه عبر إعادة توزيع القوة، تصبح النتيجة المحتملة هي فتح نافذة أوسع للحوثيين لاستعادة المبادرة لاحقا، خصوصا إذا تراجع الدور السعودي لأي سبب سياسي أو اقتصادي أو إقليمي.

بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى تحركات الشهراني على أنها ملف داخلي جنوبي فقط، بل جزء من هندسة أوسع للصراع:

تثبيت الشمال ككتلة واحدة، وإعادة تشكيل الجنوب كمساحة نفوذ قابلة للتقسيم والإدارة والتحريك بحسب الحاجة.

ما يحدث اليوم يشبه ما حدث بالأمس لا في التفاصيل، بل في المنطق.

الهديّان كان يعكس مرحلة “توجيه القرار اليمني من صنعاء عبر الملحق”، والشهراني يعكس مرحلة “توجيه القرار الجنوبي من عدن عبر القوة”. وفي الحالتين، يبقى الثابت واحدا: حين تُدار السياسة بالعنف والوعيد، يصبح الاعتراض ليس رأيا… بل جريمة جاهزة الاتهام.

من ناحية أخرى، كشفت وسائل إعلام دولية عن استعانة ولي العهد السعودي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في محاولة لإنقاذ الرياض من مأزق حربها المفتوحة على الجنوب، في ظل غياب أي رؤية واضحة لـ«اليوم التالي» بعد السعي لفرض الهيمنة العسكرية. فشعار «الأمن القومي» الذي رفعت السعودية رايته لتبرير التصعيد، سرعان ما تآكل عمليا أمام اندفاعها نحو السيطرة على ميناء عدن وباب المندب، وإقصاء الجنوب بوصفه شريكا فاعلا في التحالف العربي، لا عبئا أمنيا كما تحاول بعض السرديات تصويره.

وقال موقع Middle East Monitor إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عرض خلال اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التوسط لتسهيل الحوار بين الأطراف في جنوب اليمن، مؤكدا استعداد أنقرة للمساهمة في تقريب وجهات النظر، ومشددا على أهمية الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

 وأشار الموقع إلى أن هذه المبادرة تأتي في ظل تصاعد التوترات بين الرياض والجنوب، على خلفية التحولات الميدانية والسياسية في محافظات الجنوب، ولا سيما حضرموت والمهرة.

وتعكس هذه الخطوة، في جوهرها، إدراكا سعوديا متأخرا بأن المقاربة العسكرية لم تنتج سوى مزيد من التعقيد، وأن إدارة الجنوب بالقوة لا تصنع أمنا ولا استقرارا، بل تفتح الباب أمام تدويل الأزمة وتوسيع دوائر التدخل الإقليمي. كما تطرح الوساطة التركية تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت تمثل إعادة تموضع لأنقرة في ملف اليمن، أم مجرد محاولة إسعاف سياسي لمأزق سعودي يتعمق مع تآكل شرعية الخيارات العسكرية وغياب أفق التسوية.

أمام الرياض اليوم سيناريوهان في جنوب اليمن، وكلاهما يحمل كلفة سياسية وأمنية قد تتجاوز حدود الجنوب لتصل إلى علاقتها بالولايات المتحدة. فواشنطن لا تنظر إلى الجنوب باعتباره مساحة نفوذ قابلة لإعادة التشكيل بالقوة، بل بوصفه ملفا شديد الحساسية مرتبطا بمكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات البحرية، ومنع عودة الجماعات المتطرفة. وأي خطوة سعودية تفتح فراغا أمنيا أو تعيد إنتاج بيئات التطرف، ستصبح تلقائيا نقطة خلاف مع الأمريكيين، مهما كانت التبريرات.

في السيناريو الأول، قد تغرق السعودية في مأزق أمني يتسع تدريجيا نتيجة تفكيك قوى محلية كانت تمثل خط دفاع فعّال ضد التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها وحدات مكافحة الإرهاب وبعض التشكيلات التي لعبت دورا في ملاحقة الجماعات المسلحة وضبط الأمن. تفكيك هذه القوات لا ينتج “استقرارا”، بل يخلق فراغا، والفراغ في حضرموت والمهرة لا يبقى طويلا بلا لاعب. روايات محلية وتقارير متداولة تتحدث عن تسرب أسلحة نوعية كانت بحوزة وحدات أمنية إلى أيدي جماعات متشددة في مناطق من وادي وساحل حضرموت والمهرة، مع مؤشرات على عودة نشاط القاعدة في بعض الجيوب، وتداول معلومات حول استعادة نفوذ في مناطق مثل وادي المسيني التي شهدت عمليات تحرير سابقة قبل إعادة ترتيب المشهد الأمني واستبدال قوات النخبة الحضرمية بتشكيلات جديدة.

 

خطورة هذا المسار لا تتعلق بعودة التهديد الإرهابي بوصفه حدثا محليا فحسب، بل بما يترتب عليه من كلفة سياسية على الرياض في واشنطن. الولايات المتحدة حساسة جدا تجاه أي مقاربة تُضعف خطوط مكافحة الإرهاب أو تسمح بتدوير الجماعات المتطرفة تحت أي مسمى. لهذا فإن توسع الفوضى الأمنية سيحوّل الجنوب من منطقة نفوذ إلى عبء دولي، ويضع السعودية أمام ضغط أمريكي متصاعد تحت عنوان واضح: من يخلق الفراغ يتحمل نتائجه، ومن يُربك معادلة مكافحة الإرهاب سيدفع ثمنا سياسيا مهما حاول تغطية ذلك بشعارات الأمن القومي.

أما السيناريو الثاني، فهو استمرار الرياض في سياسة “المعادلة الصفرية” تجاه الجنوب، أي إدارة الملف بمنطق الإقصاء لا الشراكة، وإضعاف الخصوم بدل استيعابهم، وإعادة تركيب القوة بالقوة حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار. وفق هذا التصور، قد يجري دفع قوات مثل “العمالقة” إلى خطوط تماس مع الحوثيين بما يؤدي عمليا إلى استنزاف القوة الجنوبية وإعادة توزيعها بعيدا عن عدن ومراكز القرار، وفي المقابل يتم إدخال تشكيلات أمنية جديدة إلى عدن تحت مسميات مختلفة مثل “الردع” و”الطوارئ”، بالتزامن مع وجود قوى أخرى ذات خلفيات حزبية أو عقائدية في مناطق تماس مثل التربة في تعز، بما ينتج توازنات مفروضة لا تحظى بإجماع محلي.

 

النتيجة السياسية لهذا المسار قد تكون محاولة فرض “حل نهائي” للقضية الجنوبية عبر تفكيك بنيتها العسكرية والسياسية، وتحويل عدن إلى مركز ضبط أمني لا مركز قرار. وفي سياق أوسع، تتردد أحاديث محلية عن مشروع لإعادة تشكيل اليمن على هيئة أقاليم متعددة، شمالٌ تحت واقع سيطرة الحوثيين، مقابل حضرموت وعدن كمساحتين تُداران بأدوات سياسية وأمنية جديدة تحت النفوذ السعودي. وإذا تحقق هذا السيناريو فإنه لا يصنع استقرارا، بل يدفع الجنوب إلى مرحلة إقصاء سياسي مقنّع بترتيبات أمنية، وهي مرحلة غالبا ما تنتج موجة رفض واسعة وتوترا ممتدا وربما انفجارات داخلية يصعب التحكم بها.

والأخطر أن السيناريوهين لا يلغي أحدهما الآخر، بل قد يحدثان معا؛ فالمعادلة الصفرية تخلق فراغات أمنية، والفراغات الأمنية تُغذي تمدد الجماعات المتطرفة، ثم تتحول الفوضى إلى مبرر لمزيد من السيطرة والتدخل. وهكذا يدخل الجنوب في حلقة مغلقة: تفكيك ثم فراغ ثم فوضى ثم تدخل أكبر. وهنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يواجه الرياض: هل تريد استقرارا فعليا أم تريد سيطرة بأي ثمن؟ لأن السيطرة التي تُنتج فوضى أمنية ستصطدم مباشرة مع التوجهات الأمريكية، وستحوّل السعودية من لاعب يبحث عن استقرار إلى طرف يُتهم بأنه يعبث بخطوط مكافحة الإرهاب ويعيد إنتاج المخاطر التي كانت واشنطن تعمل لاحتوائها منذ سنوات. والجواب لن يُقرأ من الخطابات، بل من شكل القوات على الأرض، ومن طريقة إدارة عدن وحضرموت والمهرة في الشهور القادمة.