"بين الوساطة العُمانية والتنسيق الإسرائيلي"..
ترجمة: من مسار التفاوض إلى ساعة الصفر.. كيف حُسم قرار ضرب إيران؟
كشف موقع أكسيوس أن الضربة الأميركية الإسرائيلية التي قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي كانت مقررة في مايو، قبل أن تُقدَّم إلى فبراير بعد تعثر محادثات جنيف. وبحسب مسؤولين أميركيين، فشلت الوساطة العُمانية، بينما اعتُبرت المقترحات الإيرانية “مماطلة”، ما دفع ترامب إلى حسم خيار الحرب.
أثار الضربات الإيرانية لقاعدة علي السالم الجوية في الكويت.
ذكر موقع أكسيوس أن العملية الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت مجمّع المرشد الإيراني في طهران وأسفرت عن مقتل علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، لم تكن مقررة في هذا التوقيت، بل كان مخططًا لها في مايو، قبل أن يتغير موعدها نتيجة تطورات سياسية وأمنية متسارعة.
وبحسب التقرير، تعود جذور العملية إلى أواخر ديسمبر، عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مار-آ-لاگو، بالتزامن مع اندلاع احتجاجات داخل إيران. وناقش الطرفان آنذاك توسيع الضربات المشتركة التي نُفذت العام الماضي ضد القدرات الصاروخية الإيرانية
مع سقوط القنابل الإسرائيلية على مجمّع المرشد الأعلى في طهران صباح السبت، كان آية الله علي خامنئي يعقد اجتماعاً فوق الأرض مع عدد من كبار مستشاريه، ولم يتوقع الهجوم ابدًا.
كانت العملية المشتركة الأميركية‑الإسرائيلية التي أدّت إلى مقتل خامنئي تتويجاً لشهرين سعى خلالهما الرئيس ترامب إلى الجمع بين الدبلوماسية والحرب في مسارين متوازيين، وقد اختار الحرب يوم الجمعة.
وحملت الأزمة، التي بدأت مع الانتفاضة الشعبية في إيران أواخر ديسمبر، بصمات ترامب المعتادة، فقد كانت مليئة بالمنعطفات، والتراجعات في اللحظة الأخيرة، والمعلومات المضللة المتعمّدة، وفي النهاية، أصبحت حالة الغموض نفسها أداة استراتيجية جعلت القيادة الإيرانية عرضة لأكبر هجوم جوي تنفّذه إسرائيل في تاريخها.
بدأت بذور العملية التي نُفّذت يوم السبت في أواخر ديسمبر، عندما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب في مار‑آ‑لاگو، حيث كانت الاحتجاجات المناهضة للنظام قد بدأت للتو في إيران، ولم يكن واضحاً بعد مدى اتساعها.
استغلّ نتنياهو اللقاء لمناقشة متابعة للضربات المشتركة التي نُفّذت العام الماضي، والتي ركّزت في معظمها على قدرات إيران الصاروخية، وكان من المقرر تنفيذها مبدئياً في مايو.
لكن خلال أيام، تغيّر الحساب، فقد قمع النظام الاحتجاجات بكل قوته، وقتل الآلاف، وكتب ترامب على منصة "تروث سوشال": "المساعدة في الطريق"، داعياً المتظاهرين إلى السيطرة على مؤسسات الدولة.
وكان ترامب على وشك إصدار أمر بتنفيذ ضربات في الرابع عشر من يناير، لكنه تراجع، وأمر بحشد عسكري ضخم في الشرق الأوسط، وبدأ التخطيط سراً لعملية مشتركة مع إسرائيل، وزار مدير الموساد واشنطن مرتين خلال الأسابيع التالية، تلاه رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، ثم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وجميعهم ينسّقون ما سيصبح لاحقاً عمليتي "الغضب الملحمي" و "الأسد الهادر".
في الوقت نفسه، كان ترامب يستكشف ما إذا كان يمكن للضغط العسكري أن يفضي إلى اتفاق مع إيران وفق شروطه، والتقى الجانبان الأميركي والإيراني في عُمان مطلع فبراير، في أول لقاء بينهما منذ حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، وزار نتنياهو واشنطن بعد ايام لمناقشة الخطوط الحمراء الأميركية في المفاوضات، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستشنّان عملية عسكرية مشتركة إذا فشلت المحادثات.
كان مبعوثا ترامب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، متشكّكين في إمكانية التوصل إلى اتفاق منذ البداية، لكن ثلاثة مسؤولين أميركيين وإسرائيليين شددوا على أن محادثات جنيف النووية لم تكن في بدايتها مجرد خدعة كاملة.
وقال مسؤول أميركي إن ترامب أراد محاولة التوصل إلى اتفاق، وأُبلغ الإيرانيون صراحة بأن الضربات العسكرية "ستقع إذا لم نرَ تقدماً حقيقياً نحو اتفاق حقيقي وبسرعة كبيرة".
وقبل اجتماع جنيف بأسبوع، اتفقت الولايات المتحدة وإسرائيل على نافذة محتملة لتنفيذ الهجوم، وسيكون يوم السبت التالي، حين يعقد خامنئي اجتماعه الروتيني مع كبار مساعديه في مجمّع حكومي، ولكن كان عليهما مواجهة تحدٍّ محدد: منع خامنئي من الشكّ في الأمر واللجوء إلى مخبئه تحت الأرض.
قال مسؤول استخباراتي إسرائيلي إن تقريراً نشرته اكسيوس وأشار إلى احتمال اغتيال خامنئي أثار قلق المخططين العسكريين، لكن المرشد الإيراني لم يغيّر جدول أعماله، وعندما سافر كوشنر وويتكوف إلى جنيف يوم الخميس، كانا يشتبهان مسبقاً في عدم وجود أي اتفاق ممكن، لكنهما مضيا في الاجتماع، ما أبقى الإيرانيين مقتنعين بأن الدبلوماسية لا تزال قائمة.
وقال مسؤول أميركي: "أحد قواعد عقد الصفقات هو أنك يجب أن تعرف بسرعة كبيرة ما إذا كان هناك اتفاق يمكن إنجازه أم لا".
ولم يقترب الإيرانيون داخل القاعة من أكثر المواقف الأميركية مرونة، واتصل كوشنر وويتكوف بعد الجولة الأولى بنائب الرئيس فانس عبر خط آمن وأبلغاه بأن الهوة لا تزال واسعة، ولم تغيّر الجولة الثانية مساء ذلك اليوم شيئاً.
وقال مسؤول أميركي رفيع: "رأى كوشنر وويتكوف أن المقترح الإيراني هراء، ولا يهدف إلا إلى كسب الوقت، ولم يكن هناك أي شيء يمكن البناء عليه".
ولخّص مسؤول آخر الاستراتيجية الإيرانية بأنها "ألعاب وخدع وتكتيكات مماطلة" منذ البداية، وأضاف: "أبلغنا الرئيس بذلك، ومن الواضح أنه أخذ الخيارات المختلفة في الحسبان".
وقال مسؤولون أميركيون إن هناك ثلاثة ملفات لم يتمكنوا من انتزاع موافقة إيران عليها:
البرنامج النووي وأنشطة التخصيب: عرضت الولايات المتحدة على إيران تزويدها بالوقود النووي مجاناً لبرنامج نووي مدني إلى أجل غير مسمّى مقابل التخلي عن التخصيب، ورفضت إيران. وقال أحد المسؤولين: "كان ذلك مؤشراً كبيراً".
برنامج الصواريخ الباليستية: رفض الإيرانيون "في كل مرة" مناقشة قدراتهم الصاروخية، وقال مسؤول: "لا يمكننا الاستمرار في العيش في عالم يمتلك فيه هؤلاء الناس الصواريخ، بل والقدرة على تصنيع مئة صاروخ شهرياً إلى ما لا نهاية، بما يفوق أي دفاعات محتملة".
تمويل الوكلاء الإقليميين: رفضت إيران أيضاً التطرق إلى تمويلها للجماعات المسلحة في المنطقة، وهو ما تقول الولايات المتحدة وإسرائيل إنه زعزع استقرار الشرق الأوسط لعقود.
قبل المحادثات وأثناءها، قال مسؤولون أميركيون إن المعلومات الاستخباراتية أوضحت أن إيران كانت تعيد بناء المنشآت النووية التي قال ترامب إنه "أبادها" في عملية مطرقة منتصف الليل في يونيو الماضي.
وعندما طلب كوشنر وويتكوف مقترحاً ملموساً، قدّم الإيرانيون وثيقة من سبع صفحات تحدد احتياجات التخصيب التي قالوا إنها لأغراض مدنية.
وتحقّق فريق ترامب من الأرقام لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقال مسؤول: "هذا سيؤدي إلى قدرة تخصيب تزيد بنحو خمسة أضعاف عمّا ورد في اتفاق 2015"، كما قال مسؤولون إن إيران كانت تخزّن سراً مواد مخصّبة في مفاعل طهران للأبحاث تحت غطاء الأبحاث الطبية.
وقال أحد المسؤولين: "لم يستخدموا قط أيّاً من المواد الانشطارية هناك لصنع حتى دواء واحد، وكان كل ذلك مصمماً للخداع".
هذا السرد يعتمد إلى حد كبير على تصريحات مسؤولين أميركيين وحلفاء بعد الضربات، ولم يكن من الممكن التحقق منه فوراً من مصادر مستقلة.
وسافر وزير خارجية عُمان على وجه السرعة إلى واشنطن والتقى بنائب الرئيس فانس يوم الجمعة في محاولة أخيرة لتأجيل قرار ترامب، لكن الرئيس كان قد حسم أمره بالفعل.
وعندما سأل مسؤول عربي ويتكوف يوم الجمعة عمّا إذا كان الهجوم وشيكاً، تهرّب مبعوث البيت الأبيض من الإجابة، وعقد خامنئي اجتماعاً مع مساعديه صباح السبت كما توقّع المخططون الأميركيون والإسرائيليون، وفي الوقت نفسه، كانت اجتماعات أخرى لمسؤولين أمنيين واستخباراتيين إيرانيين تُعقد فوق الأرض في طهران، وبعد دقائق، ضُربت الاجتماعات الثلاثة في وقت واحد.
وقال مسؤول استخباراتي إسرائيلي: "لو أن الإيرانيين جاؤوا إلى جنيف وقدّموا لترامب ما يريده، لكان أوقف المسار العسكري، لكنهم كانوا متغطرسين وظنّوا أنه لن يتحرك". وأضاف: "لقد أخطأوا".


