ضمن اختتام الموسم التاسع..
من القراءة إلى الأداء.. "مشاتل الأبجدية" ترسم ملامح القصيدة المغربية القادمة
تنظم دار الشعر بمراكش ملتقى "مشاتل الأبجدية" في دورته التاسعة، احتفاء بمخرجات ورشات الكتابة الشعرية للأطفال والشباب، في إطار تعزيز الإبداع والقراءة، وربط المؤسسات الثقافية بالمجتمع، وتكريس تقليد سنوي يسعى لاكتشاف أصوات شعرية جديدة ودعمها.
مراكش تحتفي بمواهب شعرية شابة في ملتقى مشاتل الأبجدية
في سياق ثقافي يسعى إلى إعادة الاعتبار للفعل الإبداعي لدى الأجيال الصاعدة، تستعد دار الشعر بمراكش لتنظيم الدورة التاسعة من ملتقى "مشاتل الأبجدية"، كخلاصة لمسار ممتد من ورشات الكتابة الشعرية التي استهدفت الأطفال واليافعين والشباب على مدار موسم كامل.
الملتقى، الذي يحتضنه فضاء معهد أبي العباس السبتي للمكفوفين، لا يقدّم نفسه مجرد تظاهرة ثقافية عابرة، بل كتتويج لمسار تكويني طويل بدأ مع انطلاق الموسم الثقافي في شتنبر 2025، واستمر عبر لقاءات وورشات ركزت على صقل المهارات الإبداعية وربطها بالقراءة والأداء.
هذا الامتداد الزمني يمنح الحدث دلالة تتجاوز العرض إلى التكوين، حيث يتحول الملتقى إلى منصة لعرض نتائج عمل تراكمي، شاركت فيه مؤسسات تعليمية وثقافية ونقط قراءة عمومية، في محاولة لمدّ الجسور بين الفعل الثقافي والمجتمع.
ما يميز هذه الدورة هو تنوع الفئات المشاركة، إذ يجتمع الأطفال واليافعون والشباب ضمن فضاء واحد، في تجربة تعكس فلسفة الدار القائمة على إدماج مختلف الأعمار داخل مشروع إبداعي مشترك. هذه المقاربة لا تقتصر على اكتشاف المواهب، بل تسعى إلى بناء علاقة مبكرة ومستدامة مع الشعر والقراءة.
وتتوزع فقرات الملتقى بين قراءات شعرية، ولوحات ممسرحة، وعروض فنية، ما يعكس توجهاً نحو تقديم الشعر في أشكال متعددة، تتجاوز الإلقاء التقليدي إلى الأداء المسرحي والتعبير الجسدي. هذا التنوع لا يبدو اختياراً فنياً فقط، بل استجابة لتحولات الذائقة لدى الأجيال الجديدة، التي تميل إلى التفاعل البصري والحركي بقدر تفاعلها مع النص.
في هذا الإطار، يحضر الشعراء الشباب من الفوج التاسع ضمن فقرة "شعراء قادمون إلى المستقبل"، في إشارة رمزية إلى أن هذه التجربة لا تُنظر إليها كمحطة مؤقتة، بل كبداية لمسار إبداعي طويل. الأسماء المشاركة، التي تمثل مخرجات الورشات، تعكس تنوعاً في التجارب والخلفيات، ما يعزز فكرة أن الإبداع لم يعد حكراً على نخب محددة.
كما يشهد الملتقى حضور مؤطرين وأكاديميين ساهموا في تأطير هذه الورشات، وهو ما يربط بين الممارسة الإبداعية والخطاب النقدي، في محاولة لإنتاج تجربة متكاملة تجمع بين الكتابة والتفكير فيها.
وراء هذا النشاط، تبرز رؤية أوسع تتبناها دار الشعر بمراكش منذ تأسيسها، تقوم على جعل الثقافة جزءاً من النسيج المجتمعي، لا نشاطاً معزولاً عنه. هذا التوجه يتجلى في الانفتاح على مؤسسات تعليمية ونقط قراءة خارج المركز الحضري، بما يعكس سعياً لتوسيع قاعدة المشاركة والوصول إلى فئات جديدة.
كما أن اختيار معهد خاص بالمكفوفين لاحتضان الفعاليات يحمل دلالة إضافية، تتعلق بإدماج فئات قد تكون مهمشة في المشهد الثقافي، وإتاحة الفرصة لها للتعبير والمشاركة.
الورشات التي سبقت هذا الملتقى لم تقتصر على تعليم تقنيات الكتابة الشعرية، بل شملت مجالات أخرى مثل الحكاية والمسرح والسينما، إلى جانب تقنيات الصوت والإلقاء. هذا التوسع في المحتوى يعكس فهماً معاصراً للإبداع، باعتباره عملية متعددة الأبعاد، لا تنحصر في النص المكتوب فقط.
ورغم الطابع الاحتفالي للملتقى، فإن دلالاته تتجاوز ذلك، إذ يطرح سؤالاً أعمق حول مستقبل الشعر في المغرب، ومدى قدرة المؤسسات الثقافية على تجديد دمائه عبر الاستثمار في الأجيال الجديدة.



