الرياض تلوّح بإجراءات ضد البحسني وباستخدام القوة للسيطرة على مؤسسات حكومية..
عشرات الآلاف في عدن وحضرموت يواجهون الترتيبات السعودية برفض شعبي واسع
قال متظاهرون «خرجنا اليوم لنقول بوضوح إن الجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات ولا ورقة في مفاوضات الآخرين. نرفض أن تُفرض علينا قرارات من خارج أرضنا، ونرفض حلّ كيان اختاره الشعب. مستقبل الجنوب يقرره أبناؤه في عدن والمكلا وكل المدن، لا في أي عاصمة أخرى»
المحتجون يرفضون حلّ المجلس الانتقالي ويجددون تمسكهم باستعادة دولة الجنوب
تظاهر عشرات الآلاف من الجنوبيين في عدن وحضرموت، مساء السبت العاشر من يناير الجاري، بالتزامن مع اقتراب ذكرى «التصالح والتسامح» التي يحييها الجنوبيون في الثالث عشر من يناير من كل عام، إحياءً لذكرى الحرب الأهلية التي شهدها الجنوب في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. إلا أن الخروج هذه المرة جاء رفضًا لما وصفه المحتجون بـ«الهيمنة السعودية على بلادهم»، في وقت كانت فيه الجنوب – بحسب المتظاهرين – على وشك إعلان الاستقلال، قبل أن تطلق السعودية ما سموه «حرب الأرض المحروقة» التي انتهت بالسيطرة على حضرموت والمهرة، ولاحقًا شبوة وأبين، وصولًا إلى عدن، إلى جانب قصف محافظة الضالع.
وجاءت تظاهرتا عدن وحضرموت عقب ما قالت مصادر إنه إجبار سعودي لوفد جنوبي كان قد ذهب للمشاركة في مفاوضات تزعم الرياض أنها تعتزم عقدها لبحث مسار القضية الجنوبية، على أن تُناقش عقب توقيع اتفاق سلام بين السعودية وجماعة الحوثي في سلطنة عُمان، وهو المسار الذي تعثر بعد تقدم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي للسيطرة على حضرموت في ديسمبر من العام الماضي.
وقالت مصادر دبلوماسية يمنية لـ«اليوم الثامن» إن الرياض أجبرت مسؤولين حكوميين وقيادات في المجلس الانتقالي الجنوبي على تقديم بيان بحلّ المجلس، وهو ما قوبل برفض جنوبي واسع في عدن وحضرموت، حيث يتبلور الإجماع الجنوبي على مشروع استعادة الدولة السابقة، التي ترى السعودية – بحسب المصادر – أنها قد تعرقل طموحاتها في شريط بحر العرب.
وتصعّد وسائل إعلام سعودية، من بينها صحيفة «الشرق الأوسط»، من خطابها تجاه الجنوب، وتبرر القرار السعودي بحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي، زاعمة أن القرار يندرج ضمن مساعٍ لـ«توحيد القرار العسكري والأمني» ومنع ما تصفه بـ«التمرد والانزلاق إلى الفوضى»، وتقدّم التدخل السعودي باعتباره خطوة ضرورية لإعادة الاستقرار وتهيئة الأجواء لحوار سياسي جديد.

ويذهب التقرير إلى اعتبار رفض رئيس المجلس عيدروس الزُبيدي الذهاب إلى الرياض «هروبًا» و«نهاية طبيعية لمشروع سياسي استمر ثماني سنوات»، ويصوّر الحلّ السعودي للمجلس كفرصة لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي بعيدًا عمّا يسميه «الهيمنة الأحادية»، مع التركيز على حضرموت كنموذج لإدارة محلية بديلة بدعم سعودي مباشر.
كما تعيد وسائل إعلام سعودية توصيف القضية الجنوبية بوصفها ملفًا إداريًا وأمنيًا أكثر من كونها قضية سياسية تتعلق بحق تقرير المصير، وتربط بين تحركات المجلس الانتقالي وممارسات جماعة الحوثي من حيث «تهديد الأمن الإقليمي»، في خطاب يُفهم منه تبرير استخدام القوة ضد أي كيان يرفض الترتيبات الجديدة التي تُدار من خارج الجنوب.
وقال أحد المتظاهرين لمندوبة «اليوم الثامن» في التظاهرة: «نخشى أن يكون مصير فريقنا الجنوبي الموجود في الرياض شبيهًا بمصير الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي قُتل داخل قنصلية بلاده في إسطنبول على يد ضباط من المخابرات السعودية قبل سنوات».
وأضاف متظاهر آخر: «السعودية باتت تقدم نفسها تجاه حلفائها الجنوبيين بوصفهم أعداء ومعرقلين لاتفاقها مع الحوثيين، الذي كان من المقرر توقيعه في مسقط مطلع يناير الجاري، لولا طرد القوات الحكومية الجنوبية لقوات موالية لجماعة الإخوان المسلمين».
وقالت وكالة «رويترز» إن آلاف المتظاهرين خرجوا في عدن والمكلا دعمًا للمجلس الانتقالي الجنوبي رغم دعوات الحكومة المدعومة من السعودية لحظر التظاهرات، مؤكدين أن قرار حلّ المجلس لم يصدر عن قيادته الشرعية، ورفعوا صور الزُبيدي وهتفوا بشعارات تطالب بالاستقلال.
كما قالت وكالة «أسوشيتد برس» إن الآلاف تظاهروا في عدن مطالبين باستعادة حقوق الجنوب ورافضين إعلان حلّ المجلس، رغم خسائره الميدانية واستعادة القوات الحكومية المدعومة سعوديًا السيطرة على عدد من المدن، مؤكدين استمرار الدعم الشعبي لقضية الانفصال.
وقالت قناة «الميادين» إن المظاهرات خرجت في عدن والمكلا مؤيدة للمجلس الانتقالي رغم حظر التظاهر في بعض المدن، للتعبير عن الرفض الشعبي لقرار حلّ المجلس ورفض الهيمنة السعودية على القرار الجنوبي.
وقالت قناة «الغد» المصرية إن نشطاء دعوا إلى «مليونية الوفاء والصمود» في عدن والمكلا تلبية لدعوة المجلس الانتقالي وأنصاره، للتعبير عن رفضهم للقرارات التي قيل إنها اتُّخذت تحت ضغوط خارجية، وعلى رأسها السعودية.
وقالت تقارير نقلتها «بي بي سي» وموقع «إيلاف» إن إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض وُصف بأنه قرار مدعوم من السعودية، وقد قوبل برفض من متحدثي المجلس وأنصاره الذين أكدوا أن القرار غير شرعي، وأنهم سيواصلون المطالبة بحقهم في تقرير المصير.
وردد المتظاهرون هتافات مناهضة للسياسة السعودية تجاه الجنوب، متهمين الرياض باحتجاز وفد جنوبي ذهب للمشاركة في حوار قالت السعودية إنها تسعى لعقده، فيما أكدت وسائل إعلام دولية أن الوفد التابع للمجلس الانتقالي يخضع لقيود قسرية تمنعه من التواصل مع الخارج، وهو ما كان المجلس قد أشار إليه منذ الساعات الأولى لوصول الوفد إلى الرياض فجر السادس من يناير الجاري.
وأكد المحتشدون تمسكهم بخيار استعادة دولة الجنوب، ورفضهم لأي قرارات تُفرض من خارج الإرادة الشعبية، معتبرين ما يجري قمعًا لإرادة الجنوبيين.

وكان للنساء حضور لافت في التظاهرة، حيث قالت الناشطة أماني الهلالي لـ«اليوم الثامن» إن المشاركة النسائية جاءت رغم «التهديدات وحملات التخويف والقمع الإعلامي»، معتبرة أن الحشود عبّرت عن «إرادة شعب لا يقبل الوصاية ولا يُدار من غرف الفنادق خارج البلاد»، وأضافت أن التظاهرة جددت التفويض الشعبي لقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، مؤكدة أن «الشعب هو من يختار ويقرر مستقبله»، ومشددة على أن أي محاولات لتجاوز قضية الجنوب ستصطدم بإرادة الشارع.
وقال متظاهرون «خرجنا اليوم لنقول بوضوح إن الجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات ولا ورقة في مفاوضات الآخرين. نرفض أن تُفرض علينا قرارات من خارج أرضنا، ونرفض حلّ كيان اختاره الشعب. مستقبل الجنوب يقرره أبناؤه في عدن والمكلا وكل المدن، لا في أي عاصمة أخرى».
وفي المكلا، قالت مجموعة من النساء في احاديث لمراسل “اليوم الثامن” «وجودنا اليوم رسالة بأن المرأة الجنوبية جزء من معركة الكرامة والقرار الوطني. جئنا رغم التهديد والتخويف لأننا نؤمن أن الصمت يعني القبول بالوصاية. نحن مع الحوار، لكن الحوار الحقيقي يجب أن يكون على أرضنا وبإرادتنا، لا تحت الضغط ولا بالإكراه».
وفي ختام الفعالية، صدر بيان ختامي لما أُطلق عليها «مليونية الوفاء والصمود»، أكد فيه المشاركون أن الحشد يأتي في «لحظة وطنية مفصلية»، تتعرض فيها القضية الجنوبية لمحاولات كسر وضغوط وابتزاز سياسي تستهدف النيل من تضحيات شعب الجنوب وحرف مسار قضيته.
وأوضح البيان أن خروج الجماهير بهذه الكثافة يمثل رسالة واضحة للعالم بأن الجنوب «شعب حي لا يساوم على حقوقه ولا يقبل الوصاية ولا يفرّط في كرامته»، مؤكدًا أن أي محاولات لمصادرة القرار الجنوبي ستُواجَه برفض شعبي واسع.
وأعلن البيان تجديد التفويض الكامل للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة اللواء عيدروس الزُبيدي، ورفض أي إعلان بحل المجلس واعتباره إجراءً باطلًا، إضافة إلى رفض أي محاولات لفرض بدائل أو كيانات مصطنعة أو قرارات فوقية لا تحظى بقبول شعبي، كما اعتبر مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي فاقدًا للشرعية السياسية والأخلاقية، بحسب نص البيان.
كما أعلن المشاركون رفضهم أي حوار سياسي لا يفضي إلى تحقيق هدف شعب الجنوب في الحرية والاستقلال واستعادة الدولة، مؤكدين أن أي حوار يجب أن يكون على أرض الجنوب وفي العاصمة عدن، ووجّهوا دعوة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية للتدخل وحماية شعب الجنوب والاعتراف بحقه في تقرير المصير.
وحمل البيان السعودية ورشاد العليمي مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية وعودة نشاط التنظيمات الإرهابية في بعض المحافظات.
وفي السياق ذاته، أعلن رشاد العليمي نيته تشكيل لجنة عسكرية برئاسة سعودية لإعادة دمج القوات الجنوبية في هيكل قوات «درع الوطن» الممولة من الرياض، وتوعد باقتحام مؤسسات سيادية في عدن «سلمًا أو حربًا»، في تصعيد اعتبره مراقبون خطوة نحو مواجهة مفتوحة مع المجلس الانتقالي الجنوبي.
كما حذرت قيادات عسكرية يمنية مقيمة في الخارج من أن قرار العليمي يرهن قيادة الجيش اليمني للهيمنة السعودية، معتبرين ذلك انتهاكًا للسيادة اليمنية ومخالفة لمبررات التدخل العسكري.
وتلوّحت السعودية بعزل اللواء فرج سالمين البحسني من مجلس القيادة الرئاسي واستبداله بعمرو بن حبريش، الذي يُعد أحد أبرز وجوه الجماعات المسلحة في حضرموت والمدعومة من الرياض.
وأصدرت الرئاسة اليمنية بيانًا زعمت فيه أن الإمارات عرقلت سفر البحسني إلى الرياض، غير أن الأخير أوضح أن تغيبه يعود إلى ظروف صحية.
وقال البحسني في تصريح حصلت «اليوم الثامن» على نسخة منه إنه أبلغ العليمي وأعضاء مجلس القيادة وكذلك التحالف العربي بظروفه الصحية، مؤكدًا أن ما يُشاع عن منعه من السفر من قبل دولة الإمارات «غير صحيح ولا أساس له من الصحة».
وأكد ترحيبه بدعوة السعودية إلى الحوار الجنوبي–الجنوبي، معتبرًا أن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة القضايا وتعزيز وحدة الصف وتغليب المصلحة العامة، مشددًا على أن حضرموت والوطن يستحقان خطابًا مسؤولًا ومواقف صادقة قريبة من تطلعات الناس.


