تحليلات

«المرأة الحديدية» تتقاعد..

أي مستقبل ينتظر ألمانيا بعد «ميركل»؟

ميركل

واشنطن

«لقد حان الوقت اليوم لبدء فصل جديد، لن أعود بعد الآن لرئاسة الحزب، ولن أترشح كمستشار، ولا لأي منصب سياسي آخر».. بهذه الكلمات أسدلت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل»، خلال مؤتمر صحفي عقد ببرلين في 29 من أكتوبر 2018، الستار على أكثر من 18 عامًا هيمنت خلالها على السياسة الأوروبية.

وجاء إعلان «ميركل» لهذا القرار عقب تعرض ائتلافها اليميني المحافظ إلى خسارتين مدويتين خلال الانتخابات المحلية، كانت الأولى قبل أسبوعين في 14 من أكتوبر 2018 خلال انتخابات مقاطعة «بافاريا»؛ حيث خسر الائتلاف فيها الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها منذ عقود، ثم أتت الخسارة الثانية التي تلقاها الحزب في انتخابات ولاية «هيسن» (التي تضم مدينة «فرانكفورت» العاصمة المالية للبلاد)، وذلك في الأحد 28 من أكتوبر 2018؛ لتكون القشّة التي قصمت ظهر البعير؛ إذ وصف المتابعون للشأن الألماني هذه النتائج بأنها «انتكاسة» لـ«الاتحاد الديمقراطي المسيحي» (المُكون من الحزب الديمقراطي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي)، الذي تتولى «ميركل» رئاسته منذ عام 2000 .

ملفات ينتظرها مستقبل غامض

سرعان ما كان لخبر استقالة «ميركل» المعروفة بـ«المرأة الحديدية» الكثير من التداعيات؛ إذ تساءل الكثيرون عن مستقبل الملفات التي كانت تتبناها المستشارة الألمانية بشكل شخصي؟، ومن أبرز هذه الملفات:

- المهاجرون واللاجئون:

فعلى الرغم من تنامي اليمين المتطرف والشعوبيين الرافضين لإدماج المهاجرين داخل المجتمع الأوروبي، سواء داخل فرنسا وهولندا والدنمارك والسويد أو حتى ألمانيا، تصدت «ميركل» إلى أزمة اللاجئين في ذروتها عام 2015، وأسهمت في تقنين أوضاعهم، الأمر الذي جعلها تُلقب بـ«مهندسة سياسات الهجرة»؛ وجعلها تواجه انتقادات خارجية وداخلية من داخل أعضاء حكومتها.

فعلى الصعيد الخارجي، عارضت «ميركل» تعنت معظم العواصم الأوروبية في أزمة استقبال اللاجئين لعوامل عدة أهمها: أنها تضر بالمصلحة الأمنية الأوروبية، وتفرض عليهم عددًا من التحديات الاقتصادية، خاصةً في ظلِّ تنامي عدد المهاجرين إلى أوروبا، الذي وصل في 2018 إلى ما يقرب من 32 ألفًا من المهاجرين، من بينهم أكثر من 19 ألف مهاجر قَصَدَ فقط برلين.

وعلى الصعيد الداخلي، تقدم «هورست زيهوفر» وزير الداخلية الألماني وزعيم حزب «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» بخطة عمل تفرض قيودًا تجاه المهاجرين، الأمر الذي قوبل بالرفض من قِبَل المستشارة الألمانية؛ لذا أعلن «زيهوفر» عن نيته تقديم استقالته، لكنه تراجع بناءً على التفاهمات التي حدثت مع «ميركل»، والتي حاولت احتواء الموقف؛ حيث توصلت إلى اتفاق يقضي بموجبه لإقامة مراكز إعادة المهاجرين إلى دول أوروبية قدموا منها.

الاتحاد الأوروبي

عُرفت «ميركل» بإيمانها بأهمية العمل داخل إطار الاتحاد الأوروبي؛ وهذا تجلى في أزمة اللاجئين، حتى مع اختلافها مع السياسة الأوروبية؛ إذ رفضت مقترح «زيهوفر» بوقف التنسيق مع الدول الأوروبية باعتباره أحادي الجانب، مؤكدة ضرورة تبنيها سياسة أوروبية معتدلة وشاملة لجميع دول الاتحاد.

كما ساعدت في توجيه الاتحاد الأوروبي وقت أزمة الديون بمنطقة اليورو التي بدأتها اليونان في 2009؛ وأدت إلى حدوث انقسام بين أعضائه؛ أدى إلى تهديد إيطاليا بالانسحاب من التكتل، وانسحاب بريطانيا بالفعل حفاظًا على استقرار عُملتها، فمن جانبها، حاولت «ميركل» تقديم رؤية لإصلاح منطقة اليورو، بما يشمل إنشاء ميزانية للاستثمار وصندوق للنقد الأوروبي؛ من أجل تحقيق التقارب الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ومساعدة الدول الأوروبية التي تعاني أزمات مالية، وسد العجز في الميزانية الذي من شأنه أن يحدث بعد الخروج البريطاني.

وبالتالي، قد يعرقل انسحاب «ميركل» من العمل السياسي من قدرتها على القيادة على مستوى الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي يتعامل فيه التكتل مع عدد من التحديات مثل: خروج بريطانيا، وأزمة تتعلق بالميزانية في إيطاليا، واحتمالات تحقيق أحزاب شعبوية مكاسب في انتخابات البرلمان الأوروبي في مايو 2019.

التعاون «الألماني - الفرنسي»:

وعلى الصعيد الآخر، يشوب مستقبل المحور «الفرنسي - الألماني» الكثير من الغموض بعد تنحي «ميركل»؛ حيث تتقارب دائمًا وجهة النظر الفرنسية مع نظيرتها الألمانية، فكلاهما رفضا تعنت بعض الحكومات الأوروبية في التعامل مع ملف الهجرة إلى أوروبا، ودائمًا ما تؤكد «ميركل» رغبتها في التنسيق مع باريس في كثير من الملفات، منها منع الانقسام داخل التكتل الأوروبي، وخلق آليات جديدة بما يُحقق حماية للحدود والأمن القومي الأوروبي، وهو ما يلاقي قبول الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون»، الذي يؤكد كثيرًا رغبة بلاده في التعاون مع برلين.

ردود فعل مُرحبة

كان أول المتأثرين بقرار «ميركل» هو الاقتصاد الألماني؛ إذ تسبب في تراجع سعر اليورو، لكن لفترة وجيزة بنسبة 0.4%، وارتفاع العوائد على السندات الحكومية الألمانية؛ حيث قفزت عوائد السندات الآجلة لعشر سنوات بحوالي 4 نقاط، أما على صعيد تعاملات الأسهم الأوروبية، فارتفع مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.7%، في حين قفز مؤشر «ستوكس 50» بنسبة 0.5%.

وعلى الصعيد السياسي، بدا الأمر وكأن الساسة مستعدون لهذا القرار؛ فعلى الرغم من قلق «مايك موهرينج» رئيس الاتحاد الديمقراطي المسيحي، في ولاية «ثورنجن» الألمانية من هذا القرار، واصفًا إياه بأنه «نقطة تحول»، وهو ما اتفق معه «نوربرت لامرت» الرئيس السابق للبرلمان الألماني الذي قال: إنه مقبول كجزء من «مرحلة انتقالية»، لكن أغلب ردود الفعل الأخرى جاءت مُرحبة، ورأت أنها فرصة للتجديد في الحزب، وهو ما عبر عنه «ديفيد مكاليستر» العضو البارز في الحزب الديمقراطي المسيحي قائلًا لصحيفة الـ«جارديان»: إن ما فعلته «ميركل» اليوم هو منح حزبنا فرصة لبداية جديدة، لكنه طالب جميع الأطراف بتنحية خلافاتهم جانبًا لمواصلة التحالف الكبير.

وعلى صعيد الصُحف الألمانية، فقد وصف أغلبها هذه الخطوة بأنها نهاية حقبة في تاريخ ألمانيا، وأشار البعض إلى أن اختيار «ميركل» موعد خروجها جاء ضمن سماتها الشخصية المعروفة عنها كالقوة والحسم؛ إذ إنها بهذا الإعلان ظهرت وكأنها قائدة السيارة وليست مُقادة أو مُجبرة، بينما سلطت صحيفة «Kölner Stadt-Anzeiger» الضوء على جانب آخر؛ حيث ذكرت أن «ميركل» شخصية تتمتع بالذكاء الشديد؛ لأنها أرادت أن تُنهي حقبتها كشخصية تاريخية، فإلى جانب كونها أول امرأة تتدرج حتى تكون مستشارة ألمانيا، فهي تريد أن تكون أول رئيسة حكومة ألمانية تترك منصبها من تلقاء نفسها وليس عن طريق العزل مثلًا.

خليفة «ميركل» من يكون؟!

في ظلِّ حالة التوتر التي تعيشها ألمانيا منذ إعلان «ميركل» قرارها بالانسحاب، يتسارع الساسة والشخصيات العامة لتقديم أنفسهم للناخب الألماني، وجاء أبرزهم:

- أنجريت كرامب: الأمين العام لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فهي الاسم الأكثر تداولًا؛ حيث تُعتبر الخليفة الأقرب في وجهات النظر مع «ميركل» من الناحية السياسية، لذا فهي المرشح المفضل لأنصار الاستقرار، لكن على الرغم من أنها من مؤيدي سياسة الهجرة التي كانت تتبناها «ميركل»، فإنها تختلف معها في بعض السياسات الاجتماعية كالتبني والزواج.

- فريدريش ميرز: 

خِصم «ميركل» المباشر، كان أول من أعلن أنه سيحل محلها، فهو أحد الرجال الذين أجبرتهم المستشارة الألمانية من قبل على ترك منصبهم لأنهم رشحوا أنفسهم أمامها كمنافسين على مقعد الحزب، واختلف مع «ميركل»؛ بسبب اقتراحها بتخفيض النظام الضريبي؛ إذ إنه مستقل من الناحية الاقتصادية.

- ينس سبان: 

وزير الصحة في الحكومة الحالية، لكنه أكثر المنتقدين بشكل علني لسياسة اللاجئين منذ عام 2015، فهو مرغوب فيه في صفوف حزب المحافظين، وأصبح في 2002 أصغر عضو ينتخب مباشرة للبرلمان، ثم حصل على مقعد في مجلس إدارة الحزب المحافظ.

- أرمين لاشيت: 

يُعرف بأنه «صوت العقل»، وهو نائب زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي، لذا يُتداول اسمه كخليفة لـ«ميركل»، وانتُخب في 2017 زعيمًا لأكبر ولاية في ألمانيا من حيث عدد السكان، وهي «ولاية شمال الراين- ويستفاليا»، لكنه حذر من تحويل الحزب إلى اليمين أكثر من اللازم.

وستبقى دائرة الترشيحات مفتوحة وتنتظر المزيد من الأسماء، إلى أن يأتي شهر ديسمبر 2018 الذي بات قريبًا ليُسدل الستار عن هذه التكهنات، بانعقاد مؤتمر الحزب لاختيار رئيس جديد له، ويُحسم الجدل.

وإجمالًا لما سبق، وضعت «ميركل» الجمهورية الألمانية أمام تحدٍّ كبير بإعلانها عدم رغبتها في الاستمرار في العمل السياسي، وهو إما الاستقرار والسير على النهج نفسه باختيار أحد حلفائها ليكون خليفًا لها، وإما اختيار أحد منافسيها كنوع من أنواع ضخ دماء جديدة في البلاد، وهي وجهة النظر التي تلقى قبولًا لدى كثير من الألمانيين؛ حيث مازال يُحمِّل الكثير منهم «ميركل» مسؤولية ارتفاع عدد العمليات الإرهابية ومعدلات التحرش، كالتي حدثت في احتفالات رأس السنة عام 2016 وغيرها من الأزمات إلى استقبال «ميركل» للمهاجرين.

التدخل السعودي في اليمن.. كيف انتهت الحرب على الانقلابيين إلى شرعنة الذراع الإيرانية وتهيئة بيئة لعودة القاعدة؟


قتلى وجرحى في هجوم استهدف قاعدة لقوات العمالقة الجنوبية بعدن


دراسة: الحرب والانهيار المؤسسي عمّقا هشاشة المرأة اليمنية وأضعفا الرعاية الصحية


اليمن.. من المستفيد من اغتيال يحيى وحيش وإضعاف المقاومة الوطنية؟