آخر خطوة
وفي سياق الحديث عن أردوغان والإخوان، يبدو أن الرئيس التركي، نجح ربما بسبب اختلاف الظروف السياسية في تركيا وفي مصر، وخصوصية التجربتين في البلدين، في تفادي شراهة الإخوان المصريين، والتونسيين، والمغاربة، التي كشفوا عنها في مناسبات مختلفة في دولهم، ما دفعهم إلى الاندحار في القاهرة، والمناورة في تونس، والعمل على إطفاء الحرائق في الرباط، للإبقاء على جذوة المشروع الإخواني، وإن كان في أقل مظاهرها الممكنة.
ولكن أردوغان الذي قطع الخطوة قبل الأخيرة، على طريق السيطرة على الدولة بتعديله الدستوري، استفاد على عكس نظرائه في الدول العربية، في تحصين مشروعه، رغم الثغرات الخطيرة والشقوق الكثيرة فيه، بالاعتماد على شرعية الصناديق والإرادة الشعبية، كما يُسوق له للمضي قدماً في مشروع "التمكن" والقبض على مفاصل الدولة كاملةً في انتظار يوم الفتح العظيم بإعلان الخلافة من جديد، إما في شكلها الفولكلوري القديم، الذي هدمه مصطفى كمال في 1923، أو في شكله "الرفاهي" الجديد الذي كان يُنظر له كل من نجم الدين أربكان، بإقامة سوق مشتركة إسلامية كبرى، على غرار المشروع الأوروبي في بداياته، أو وبدرجة أقل، إحياء مشروع تركيا العظمى أو الكبرى، المحور الذي تقوم عليه مدرسة العدو اللدود لأردوغان الداعية المنفي فتح الله غولن.
استراتيجية إخوانية
ولكن فوز أردوغان في الاستفتاء، الذي يحمل اليوم وأكثر من أي وقت مضى بذور انهياره وفشله بسبب الألغام الكثيرة التي زرعها تقسيم المجتمع والدولة التركية بفضل سياسية أردوغان الداخلية والتي ستنفجر حتماً عاجلاً أو آجلاً، يسلط الضوء وبشكل غير مسبوق على الاستراتيجية الإخوانية في نسختها التركية، القائمة على قضم السلطة وعناصر القوة مثل قضم الفأر قطعة الجبن الشهية، سريعاً وبقوة وعلى مرات كثيرة لتفادي عسر الهضم، وإثارة الأنظار، والرد على هذه الشراهة المتنامية بالحذر، أو بإجراءات أكثر حدة وصرامة.
ولفهم الاستراتيجية الإخوانية، التي جعلت من أردوغان، حسن البنا أو محمد مرسي الناجح، تكفي العودة إلى 2002، تاريخ تسجيل الإخوان الأتراك أول فوز نوعي لهم في انتخابات البرلمان يومها، والخطاب الهادئ الذي رافقه، داخلياً وخارجياً والوعود الكثيرة التي تبين اليوم أنها لم تكن سوى حبوب تنويم أو حبوب تهدئة، في التزام حرفي بسياسية الرسائل الهادية التي أطلقها حسن البنا، أو خلفاؤه على رأس التنظيم حتى خطابات محمد مرسي الناعمة، بين 2011 و2013.
فبعد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 2002 التي فاز فيها حزب العدالة والتنمية بقيادة إردوغان، انخرطت قيادات الحزب في مهمة إعلامية وسياسية شاقة، قامت على إبداع آلة دعاية وإعلام لا تكل ولا تمل، يدور عملها حول محور واحد وحيد، خطاب الطمأنة، والتهدئة داخلياً وخارجياً، تركياً، أوروبياً، عربياً، شرق أوسطياً، ودولياً.
لم شمل "الإخوان" والأشقاء
وكان لافتاً منذ تأكد فوز حزب إردوغان في الانتخابات على حساب الأحزاب القديمة الأخرى، بما فيها الإسلامية "الطورانية" مثل الرفاه، ثم السعادة، وحزب الفضيلة، وقبل ذلك الحركات المحظورة من نفس العائلة، مثل حركة السلامة، وحركة النظام الوطني، التي خرجت جميعها في أوقات مختلفة من عباءة عراب الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان، أو الحركات الأكثر تشدداً وعنفاً القريبة من تنظيمات أربكان الشكلية مثل السليمانية، أو الأشيكشيكية، المعروفة أكثر باسم حزب جماعة تركيا، إلى جانب طيف واسع جداً من الحركات والتنظيمية ذات البُعد الإسلامي، مع تفاوت في درجات التشدد والتطرف وصولاً إلى الصوفية، بدايةً بحزب الله التركي، وجنود القدس، منظمة الحركة الإسلامية، منظمة مقاتلي الشرق الإسلامي الأعظم، حزب التحرير في تركيا، حزب الدفاع عن الإسلام، وعشرات من الحركات الأخرى والتنظيمات التي أثثت المشهد العام في تركيا منذ الثلاثينات من القرن الماضي، ونشطت ولا تزال تنشط بشكل أو بآخر، إما تحت مسمياتها القديمة، أو أخرى جديدة، أو ببساطة صلب حزب العدالة والتنمية الحاكم، ما يُسلط الضوء على دور إردوغان في لم شمل هذا النسيج الإسلامي المتفرع عن الإخوان والمتأثر بالتنظيمين المصري ثم الدولي، أو الشقيق، والحليف، والمنافس أحياناً للعمل التنظيمي، ولكن المؤيد للهدف والطرق.
ولكن أردوغان منذ فوزه الأول، أثبت أن الوصول إلى السلطة مهم حتماً ولكن الأهم تحقيق الهدف الأسمى لتنظيم الإخوان، في بمختلف أطيافه وألوانه بالاستفادة من تأجيل المواجهة مع الخصوم السياسيين في الداخل والخارج، لتكون التصريحات الإعلامية لكل مسؤولي العدالة والتنمية وعلى رأسهم أردوغان شخصياً، نسخةً مكررة لبيان واحد، موحد، تقوم على نفي أي رغبة أو خطة للاستحواذ على السلطة والاستفراد بها، أو معاداة الديمقراطية، أو فكرة إخضاع المجتمع والدولة، واحترام رغبة المواطنين.
بؤبؤ العين
وكان أشهر تصريح لأردوغان في أبريل(نيسان) 2014، والذي نقلته وكالات الأنباء الدولية، أن "العدالة والتنمية، حزب تركي محافظ، ولا علاقة له من بعيد أو من قريب بمشاريع للهيمنة على الدولة، ومؤسساته، وإذا كانت خلفية الحزب إسلامية، فإن ذلك لا يختلف في شيء عن الأحزاب اليمينية المحافظة في أوروبا مثلاً المعروفة باسم الأحزاب الديمقراطية المسيحية".
وفي تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية في الفترة نفسها، قال إردوغان إن "حزب العدالة والتنمية ليس حزباً قائماً على الدين، وهذا الحزب التركي المحافظ، نجح في الانتخابات لأنه استطاع إقناع اليمين، والوسط في تركيا" ببرامجه، وأهدافه، الأمر الذي ينفي أي برامج خفية أو أي أهداف غير معلنة للحزب.
وأضاف إردوغان في تصريحات أخرى تناقلتها وسائل الإعلام الدولية، والعربية خاصةً بحماس كبير" لكل مؤسسة في تركيا دورها الخاص، والهام، ومثل الجيش المؤسسة التي تُمثل بؤبؤ أعيننا، ولا أحد يُمكنه التسلل ليُثير الشقاق بيننا وبين مؤسستنا العسكرية.
وبمناسبة الحديث عن المؤسسة العسكرية بعد 15 سنة من حكم إردوغان، خاصةً بعد الانقلاب الفاشل والغامض، بعد استفتاء الأحد، الذي أنهى عملياً أي استقلالية لأي مؤسسة تركية عن مؤسسة الرئاسة، يتبين حجم الطريق الذي قطعه أردوغان على طريق مشروعه، ليكون نموذجاً يتيماً للإخواني الوحيد الناجح تقريباً بما أنه انقلب على كل التعهدات والالتزامات والتطمينات التي قدمها للأتراك، وللعالم قبل أن ينقلب عليها كلما سنحت الفرصة، ليدفنها الواحدة تلو الأخرى إلى جانب ما تبقى من الصرح العلماني الذي أقامه مصطفى كمال في العشرينات من القرن الماضي، ما جعل بعض الجهات مثل وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه يعلون، مثلاً يؤكد صراحةً في مداخلة ألقاها في مارس (آذار) الماضي، بمناسبة مؤتمر المركز البريطاني الإسرائيلي للبحوث والاتصالات، أن "رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان يسعى إلى تأسيس إمبراطورية عثمانية جديدة، قائمة على فكر جماعة الإخوان المسلمين".
سقوط ورقة التوت
وفي النهاية يُمكن التساؤل عن حظوظ إردوغان في تحقيق هدفه الأسمى والمشروع الذي حلم به أكثر من نصف قرن، بدعم من نصف الشعب التركي، كما تبين في الاستفتاء التركي الأخير، في ظل سقوط أوراق التوت الكثيرة التي اعتمد عليها منذ 2002، ودفعه نصف الأتراك على الأقل إلى مزيد من الرفض لمشروعه، أو" النصب السياسي" الذي وقعوا ضحيته على امتداد حوالي عقدين، الأمر الذي يُهدد قطاعات واسعة من المجتمع التركي إلى مزيد من التشدد في معاداة مشروع أردوغان، وحزبه من جديد، وإحياء التعبير عن هذا الرفض بإنعاش منظمات أو أحزاب متطرفة حفل بها التراث السياسي التركي في القرن العشرين، مستفيدةً من الاستقطاب الحاد، وتراجع الثقة المتبادلة، خاصةً بعد تقسيم المجتمع والدولة على منذ بضع سنوات على أساس قومي، تركي كردي، وبدرجة أقل عربي، في بعض المناطق، ثم طائفي، مسلم سني، في مواجهة مسلم علوي، واليوم بعد الاستفتاء تركي ديمقراطي، في وجه تركي إخواني مقنع، ليُضيف بذلك الرئيس التركي عوامل ضغط خطيرة لطنجرة تركيا الساخنة جداً، ما يُهددها جدياً اليوم وأكثر من أي وقت مضى بالانفجار، خاصةً إذا تزامن ذلك مع استمرار الوضع الاقتصادي السيء، وانهيار الثقة الخارجية في تركيا، وتراجع الدور الاستراتيجي السابق لتركيا، شرق أوسطياً أو أطلسياً، إذا تولدت أزمات المنطقة الحالية عن عودة الهدوء إلى سوريا، والعراق، والاتفاق على بداية حل سياسي في فلسطين، وعودة دول عربية إلى الساحتين الإقليمية والدولية مثل مصر، أو الجزائر، والسعودية، ومعها دول الخليج، بالتزامن مع تطورات سلبية منتظرة في إيران مثلاً.
إن سيناريو كارثي بهذ الشكل سيكون تحولاً خطيراً على تركيا، التي ظلت منذ القرن التاسع رجل أوروبا المريض، بما أن مثل هذا السيناريو، سيكون بمثابة النعي الرسمي لتركيا، أخيراً قبل دفنها، مشروعاً سياسياً للمنطقة، وربما أكثر من ذلك بكثير.