الاقتصاد
عرض كتاب صناعة السفن في البحر الأحمر..
الموانئ التاريخية للبحر الأحمر.. الأهمية الاقتصادية والعسكرية عبر العصور
غلاف كتاب صناعة السفن في البحر الأحمر
المقدمة
سلطت دراسة تاريخية وتحليلية شاملة للموانئ الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للبحر الأحمر، الضوء على دورها الاقتصادي والتجاري والعسكري عبر مختلف الحقب الزمنية. ويستعرض كتاب صناعة السفن في البحر الأحمر أهمية هذه الموانئ منذ الحضارات القديمة، مثل المصرية والبطلمية والرومانية، مرورًا بالعصور الإسلامية، وصولًا إلى الفترات الحديثة، مقدمًا تحليلًا متكاملًا لتطورها وتأثيرها على حركة التجارة البحرية.
يعتمد المستند على منهجية تجمع بين السرد التاريخي والتحليل الجغرافي والاقتصادي، ما يجعله مرجعًا قيمًا للباحثين في تاريخ الملاحة البحرية.
كما يتطرق إلى مراحل تطور الموانئ وأدوارها في ربط الحضارات المختلفة، حيث يبرز دور ميناء الجار الذي يعود إلى عصر الخليفة عمر بن الخطاب، وميناء الوجه الذي كان منافسًا لميناء ينبع في النشاط التجاري.
إضافة إلى ذلك، يعرض المستند تفاصيل دقيقة عن الأدوات المستخدمة في صناعة السفن، وأثرها في تعزيز الملاحة البحرية.
وتعزز الدراسة مصداقيتها بالاعتماد على مجموعة من المصادر والمراجع التاريخية، إلى جانب الخرائط والصور التوضيحية التي تسهم في تقديم صورة أوضح للقارئ حول تطور الموانئ ودورها الحيوي. ويتميز البحث بأسلوب علمي رصين، مدعوم بتوزيع محكم للفصول وترتيب منطقي يسهل على القارئ تتبع المعلومات وفهمها.
رغم ثراء المحتوى والتفاصيل التاريخية الدقيقة، يمكن تعزيز الدراسة بإضافة رؤية أوسع حول التطورات الحديثة لهذه الموانئ، وربطها بالواقع الحالي، بالإضافة إلى تقديم مقارنة بين الموانئ القديمة والحديثة في المنطقة، مع تسليط الضوء على تأثيرها الجيوسياسي عبر العصور.
ويمثل هذا البحث إضافة علمية متميزة في مجال تاريخ الملاحة البحرية، حيث يجمع بين التحليل التاريخي العميق والرؤية الاستراتيجية لدور الموانئ في التجارة الدولية، ليقدم صورة واضحة عن أهميتها الاقتصادية والعسكرية على مر الزمن.
عرض الكتاب
جاء الكتاب في 270 صفحة، ويشتمل على سبعة أبواب تناول في الفصل الأول لمحة عن البحر الأحمر، وفي الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس تناول الموانئ التي نشأت على ساحلي وظهرت فيها صناعة السفن، وأفرد الفصل السابع للأدوات التي يحتاج إليها في تلك الصناعة. وابتدأ الكتاب بآيتين من القرآن الكريم تتحدثان عن (نوح) عليه السلام وصنعه للسفينة، ثم الإهداء الذي جُعِلَ لمن عاشوا على ساحلي البحر الأحمر، وركبوا أمواجه عبر التاريخ، وبعدهما شكر وتقدير خُصّ لمن راجعوا مسودة الكتاب، فضلًا عمن راجعه لغويًّا، ولمن قام بالتقديم لهذا الكتاب، إذ قدَّم له ثلاثة دكاترة، ركزوا في تقديمهم على أهمية تدوين التاريخ المقترن بالبحار وعلاقته بتاريخ وحضارات البلدان المطلة عليها، وأقدم صناعة للسفن، وركوب أمواج البحر، وأقدم وثائق وجدت حتى الآن تتعلق بالملاحة والسفن، والتوزيع المنهجي المتقن للكتاب، وأسلوبه الرصين، وما اشتمل عليه من رؤية تحليلية عميقة، وشموله لمنطقة الدراسة في فصوله السبعة، وما اكتنزته من معلومات وصور توضيحية وخرائط وجداول وأشكال مرفقة في ثنايا تلك الفصول، شكلت تكامل بين النص والصورة، وتنوع المصادر والمراجع التي أغنت الموضوع المدروس، وأهمية الفصل الأخير المخصص للأدوات المستخدمة في صناعة السفن، وقيمة الكتاب فيما يمثله من إضافة نوعية للمكتبة العربية.
ويمكن عرض ملخص فصول الكتاب السبعة على النحو الآتي:
الفصل الأول: أضواء حول البحر الأحمر
جغرافيته:
ويبين أن البحر الأحمر أو الأخدود الإفريقي العظيم هو عبارة عن شق كبير يفصل قارة آسيا عن أفريقيا، ويمتد من الجنوب إلى الشمال، وهناك تشابه كبير بين ساحلي البحر الأحمر في مناطق عدن وشرق أفريقيا بصورة كبيرة، ويمتد الساحل الغربي للبحر الأحمر لمسافة 2000 كلم، ويتبع أريتيريا والسودان ومصر وجيبوتي، وتضم هذه الضفة سلسلة من المرتفعات، وكذلك السهول الرملية، وهناك أيضا مجموعة الجزر التي تمتد على طول الساحل وتصل لمسافة 40 ميلًا بحريًا في بعض الأحيان. ويمتد الساحل الشرقي لهذا البحر من قناة السويس وخليج العقبة شمالًا حتى باب المندب جنوبًا، ويتصل من ناحية الجنوب بخليج عدن الذي يتصل بالمحيط الهندي، ويوجد في هذا الساحل الآسيوي: فلسطين المحتلة، والأردن، والمملكة العربية السعودية، واليمن، و[الجنوب العربي]، ويبلغ الطول الإجمالي للبحر الأحمر بما فيه سواحل خليجي السويس والعقبة 3069 ميلًا.
جزره:
توجد في هذا البحر 555 جزيرة، منها 180 جزيرة تتبع المملكة العربية السعودية، وأهمها: أرخبيل فرسان _ جزيرة صنافير _ جزيرة تيران. و176 جزيرة تتبع أريتيريا، وأهمها: دهلك _ فاطمة _ حالب _ نورة _ دوميرا. و112 جزيرة تتبع اليمن و[الجنوب العربي] وأهمها: میون (بريم) _ أرخبيل حنيش وزقر _ جزيرة أبو علي والطير _ جزيرة الزبير کمران (قمران). وتتبع جمهورية مصر العربية 45 جزيرة، أهمها: جزيرة شدوان _ جزر الجيفتون _ جزيرة الزير جد _ جزيرة الروكي _جزيرة أم الشيخ. و36 جزيرة تتبع السودان، وأهمها: جزيرة سواكن _ جزيرة سنقنيب أرخبيل دنقناب _ جزيرة أبو العباس جزر تلالا _ جزر بار موسى _ جزر سيل عدا _ جزيرة (مكور) مقرسم _ جزيرة الريح. و6 جزر تتبع جيبوتي، أهمها: جزر سيبا _ موليلة.
وتلك الجزر منها المأهول وبعضها الآخر خالي من السكان، وتنبع أهمية هذه الجزر من كونها شكلت في بعض الأوقات مرافئ للسفن على ساحل هذا البحر، وبعضها أشبه باستراحات تتجمع فيها السفن التجارية والركاب العابرين للبحر، وقد أسهمت العديد من موانئ هذا البحر في ازدهار التجارة الحرة، وذلك نظير قيمة مالية يقوم بدفعها رجال الأعمال وأصحاب الوكالات التجارية للسلطة الدولية القائمة على الإقليم المعني.
ويُعدُّ البحر الأحمر أعظم طرق المواصلات البحرية في العالم منذ قديم الزمان، ويمثل الآن أهم الطرق التجارية والمواصلات البحرية، فهو يحمل السلع الاستراتيجية بين مختلف مناطق العالم، وبمرور الوقت تحول من بحر داخلي إلى أهم شريان ينقل البترول من البلاد العربية وإيران إلى أوروبا وأمريكا، ولأهميته العسكرية والسياسية والاقتصادية أصبح محط أنظار واضعي القرار السياسي ومحور للصراعات عبر العصور بين القوى العظمى العالمية والمحلية والإقليمية. كما لعب البحر الأحمر دورًا مهمًا في الربط الحضاري بين شبه الجزيرة العربية ومناطق شرق وشمال أفريقيا، وسهل حركة التنقل بين مناطق آسيا وأفريقيا.
أسماؤه:
لقد أطلق على هذا البحر العديد من الأسماء حيث أطلق عليه المؤرخ اليوناني (هيكاتيوس) عام 550 ق.م اسم الخليج العربي، وجاء ذكره بذات الاسم في خرائط المؤرخ اليوناني (هيرودوت) عام 450 ق.م، الذي أطلق على نصفه الجنوبي اسم البحر الإريتري، ويذكر المؤرخ الإغريقي آغاثار خيدس أن كلمة (أريتريان) (أريتريا) الحالية كانت اسمًا للبحر الأحمر، وأطلق الأسكندر الأكبر عليه اسم البحر الفارسي، وسمي ببحر النعام، وبحر آيلة، وسماه العرب بحر (القلزم) نسبة لمدينة القلزم ومينائها، وهي مدينة تقع حاليًا بالقرب من ميناء السويس في مصر، وأُطلِق عليه بحر فوه، وبحر (الفرما)؛ نسبة إلى ميناء مصري قديم، وكذلك اسم بحر الملك الأحمر، وبحر جدة، والبحر الفرعوني، وعُرِف باسم بحر عيذاب نسبة لميناء عيذاب، وبحر السويس، وأطلق عليه قدماء المصريين اسم البحر الأخضر في 2470 ق.م، وأطلق عليه العبرانيون اسم (هايم) التي تعني البحر أو (بحر سوف)، وأطلق الجغرافيون القدماء عليه اسم بحر الحجاز والخليج العربي، وأطلق عليه أيضًا اسم البحر (الأوساني) كما ورد في كتاب الطواف حول البحر الإريتري، وقد اشتهر باسم البحر الأحمر؛ وذلك للون الأحمر المنبعث من الشعب المرجانية داخله، ويتميز بكثرة صناع السفن وملاحيها فيه.
نباتاته وصناعة السفن فيه، والنشاط التجاري
تنمو على شاطئ هذا البحر وجزره غابات المناجروف، التي يقدر عمرها بحوالي 70 مليون سنة، ويوجد منها ما يقارب 70 نوعًا، منها القرم (الشورى) وتعرف هذه النباتات بـ(المناجروف)، وتنمو هذه النباتات على الشواطئ التي تغمرها مياه المد وتحديدًا في المناطق التي لا تتعرض للأمواج الشديدة، وتزداد كثافتها وتشابكها في مصبات الأودية في البحر، وكذلك في مناطق اختلاط مياه السيول مع مياه البحر، وتُعدُّ غابات المناجروف نظامًا بيئيًا مهمًا ومعقدًا على ساحل البحر الأحمر يضم مجموعة كبيرة من الحيوانات والحشرات داخل جذور هذه النباتات مثل الرخويات، والأسماك، والقشريات، وكذلك الطيور، والزواحف... وقد وفرت هذه الغابات المواد الخام التي تستخدم في صناعة السفن، فاستخدمت أخشابها وأخشاب غيرها من الأشجار في صناعة السفن الشراعية والقوارب، وذلك نظرًا لصلابتها واستقامتها ومقاومتها للرطوبة، كما استخدمت هذه الأخشاب أيضا في بناء المنازل وللتدفئة في فصل الشتاء.
ويجد المتتبع لصناعة السفن على ساحلي البحر الأحمر أن هناك العديد من العوامل والأسباب التي أسهمت في نموها وتطورها وانتشارها ومن هذه الأسباب:
1_ توافر المادة الخام التي تُعدُّ من أهم عناصر صناعة السفن والمتمثلة في الأخشاب والمنسوجات القطنية وشحوم الأسماك والحيوانات.
2_ وفرة المنتجات الزراعية والحيوانية على طول ساحليه والمناطق الداخلية.
3_ وجود العديد من الموانئ والمرافئ والجزر على طول امتداد هذا البحر، الأمر الذي أسهم في تطور حرفة صناعة السفن.
4_ وقوعه على أهم طريق تجاري في العالم، وهو الطريق الذي يربط قارات أفريقيا وآسيا وأوربا الذي أسهم بدوره في زيادة أعداد السفن التي تعبر هذا الممر المائي المهم طول العام.
5_ كانت منطقة البحر الأحمر منذ القدم منطقة مأهولة بالسكان والأنشطة المختلفة، مما أدى إلى قيام العديد من الحضارات القديمة والقوية على امتداد ساحليه، مما انعكس إيجابًا على تطور صناعة السفن بمرور الوقت.
6_ الصراعات والحروب والتنافس المحلي والإقليمي والدولي على هذا البحر أسهم في نمو صناعة السفن بأنواعها المختلفة وتطورها.
وهذا مما أدى إلى نشاط صناعة السفن وتطورها على سواحل هذا البحر إذ شكلت السفن بأنواعها المختلفة منذ العصور القديمة حلقة الوصول بين موانئ البحر الأحمر المختلفة، ولأنه عرف منذ قديم الزمان بوصفه ممرًا تجاريًا دوليًا كان لابد من تطور صناعة السفن فيه. وذلك لمواكبة حركة الملاحة والتجارة في هذه المنطقة المهمة والاستراتيجية من العالم، وقد أسهمت سفن البحر الأحمر في نقل البضائع، والسلع، والمسافرين، والحجاج، كما أنها أسهمت في الربط الحضاري والاجتماعي بين ساحلي البحر الأحمر ومختلف المناطق الحضرية في العالم عبر العصور.
وقد عرف إنسان البحر الأحمر السفن وكيفية صناعتها والإبحار بها بغرض الوصول للموانئ والمرافئ والجزر القريبة، ثم بعد ذلك ومع تطور متطلبات الحياة اليومية وحركة النقل ورغبة المجموعات القاطنة على شاطئ البحر الأحمر إلى التواصل مع بعضها بعض ازدادت أهمية السفن وأصبح لابد من العمل على تطويرها لتواكب عملية تطور تلك المجتمعات، وقد أسهمت التجارة والتبادل السلعي عبر البحار في أن يكون لهذا البحر النصيب الأكبر من حيث الأهمية الاقتصادية والدينية والاجتماعية كما أصبح من أهم البحار لحركة الملاحة، وذلك بسبب وفرة السلع والمنتجات الحيوانية الزراعية والمواد الخام على امتداد ساحليه والمناطق الداخلية منه.
ومع تطور التجارة البحرية زادت الحاجة إلى السفن الكبيرة التي يمكنها قطع المسافات البعيدة، ويمكنها حمل كميات كبيرة من السلع والبضائع. لذلك وجدت السفن في الحضارات المصرية، والمروية، والحميرية، والسبئية، والفينيقية، والرومانية، والنبطية، والبطلمية، وتطورت بمرور الوقت، وذلك بحسب الحاجة والدور الذي تقوم به في موانئ هذا البحر، مما أدى الى ظهور تلك المدن والموانئ الساحلية وانتعاشها، وبالتالي تطورت أنواع السفن وصناعتها، وظهرت تبعًا لذلك مراكز مهمة لصناعة السفن على امتداد ساحله مثل عدن، والحديدة، وجدة، والقلزم، وعيذاب، وسواكن، وغيرها من المدن، إذ ارتبطت صناعة السفن في هذا البحر عبر التاريخ بموانئه ومدنه الساحلية حيث وهب الله تعالى هذا البحر ساحلًا طويلًا، وممتد نشأت فيه العديد من الموانئ والمرافئ الصالحة للملاحة، وقد كان لاهتمام سكان هذا البحر بالنشاط التجاري بأنواعه المختلفة تأثير على زيادة الاهتمام بصناعة السفن بصورة كبيرة، ومع تطور السفن حيث إن زيادة أحجامها وسعاتها أسهم في الوصول للموانئ البعيدة في شرق آسيا والخليج العربي وأوربا وغيرها عبر هذا البحر، ووصلت إلى موانئه السلع بمختلف أنواعها مثل التوابل، والبخور، والأخشاب، والأرز، والمعادن، والملابس من الهند...
ولأن التجارة تمثل عصب الاقتصاد للممالك والسلطنات التي قامت في حوض البحر الأحمر وخارجه فإنها شكلت العنصر الرئيس لاستقرار هذه المجتمعات، وقد تنوعت وتعددت، فتم تصدير مختلف المنتجات من الساحل الغربي للبحر الأحمر إلى موانئ العالم المختلفة، كالحيوانات بمختلف أنواعها وجلودها، والذهب، والأخشاب، والذرة، والمحاصيل الزراعية التي تميّزت بها حضارات وممالك الساحل الغربي، كما صدرت مناطق الساحل الشرقي العديد من السلع مثل التمر، والأسماك، واللؤلؤ، والخيول والجمال، وغيرها من المنتجات.
ولكي ينعم إنسان ساحل هذا البحر بوفرة المنتجات المختلفة وتدفقها اهتم بأمر الموانئ منذ وقت مبكر وقد تحدثت المصادر التاريخية وكتب الرحالة والمكتشفين عن تلك الموانئ وعددت أسمائها ومواقها والمهام التي كانت تقوم بها على امتداد ساحل حوضه.
وأسهمت قناة السويس في إنعاش حركة التجارة والسكان في موانئ جدة وسواكن وعيذاب وعدن ومصوع وعصب وغيرها من الموانئ المطلة على هذا البحر،
ولأهميته التجارية بوصفه الرابط الرئيس بين البحر المتوسط وشرق آسيا؛ ظهرت حركة من التنافس الأوروبي للسيطرة عليه، وذلك بعد ظهور بوادر الضعف والتفكك على الممالك والدويلات الإسلامية في المنطقة بحلول القرن السادس عشر الميلادي...
الفصل الثاني: الموانئ الجنوبية الشرقية من الساحل الشرقي للبحر الأحمر
ويقصد بالموانئ الجنوبي الشرقية تلك الموانئ التي قامت وتطورت ما بين باب المندب جنوبًا واللحية شمالًا، وقد ارتبط تاريخ هذه الموانئ ارتباطًا وثيقًا بصناعة السفن الخشبية بأنواعها المختلفة، التي تطورت أيضا تبعًا لتطور تلك الموانئ، وإن كان بعد التطور الكبير في مجال صناعة السفن وظهور السفن العملاقة والكبيرة والمتوسطة تراجعت أهمية السفن الخشبية وحلت محلها تلك السفن ذات القدرات العالية والكبيرة في النقل والمناورة والتحمل، وأصبحت السفينة الخشبية تقوم بمهام محدودة مثل الصيد بالقرب من الموانئ وغيرها من المهام البسيطة، ويمكن عرض هذه الموانئ على النحو الآتي:
1_ ميناء اللحية
يعود تاريخه إلى القرن السابع الهجري، وهو أحد الموانئ الطبيعية، ويُعدُّ من أهم الموانئ اليمنية لتصدير البن، واللؤلؤ، والمرجان، ويقع هذا الميناء على بعد 120 كلم إلى الشمال من ميناء الحديدة، وقد ازدهر بصورة كبيرة في القرن السابع الهجري، وذلك بعد وصول الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي للمدينة، ويتميز بموقعه الحصين حيث تحيط به عدد من الأكوام المرتفعة عليها اثنتا عشر قلعة تم تشيدها في العهد العثماني، وإلى الشرق من المدينة توجد سلسلة جبال الملح، وهي امتداد لسلسلة جبال الملح في ميناء الصليف، التي تقع إلى الجنوب من المدينة. وقد كان هذا الميناء قبلة لعديد من السفن التجارية والحربية التي كانت تقصد الموانئ اليمينة، وقد أسهمت حركة السفن المنتظمة في انتعاش حركة صناعة السفن وصيانتها في المدينة.
2_ ميناء الصليف
ورد أول ذكر له بدون تسميته صراحة في مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي في عهد الدولة الطاهرية 858 - 923هـ، 1454 - 1517م، وذلك من خلال رحلة الرحالة الإيطالي لودفيكو دي فارتيما حيث يُعدُّ ميناء الصليف من الموانئ اليمنية القديمة والمهمة، وقد اشتهر بالملح الجيد وازدهرت الصليف في العهد العثماني لعدد من الأسباب:
_ الموقع الاستراتيجي، فهو عبارة عن لسان بحري وجذر بري على الساحل اليمني.
_ عمق ساحل الميناء الذي مكنه من استقبال السفن العثمانية الضخمة الأمر الذي عجزت عنه باقي الموانئ القريبة من الصليف.
_ وفرت الملح وجودته في المنطقة، وهو عنصر مهم في صناعة البارود، الأمر الذي جعل اليمن من الدول المصدرة للبارود إلى الدولة العثمانية.
_ كان ميناء الصليف نقطة انطلاق رئيسة لأغلب الولاة العثمانيين إلى داخل اليمن بعد التزود بالذخائر والبارود.
يمكن القول إن ميناء الصليف قد ورث أمجاد ميناء الحديدة، وقد تميز بوجود صناعة السفن الحربية الضخمة والمراكب الشراعية التي توجد على رصيف الميناء.
3_ ميناء الحديدة
يُعدُّ من أهم موانئ هذا البحر بصورة عامة والساحل اليمني على وجه الخصوص، ويقع شمال خط الاستواء على خط عرض 14 درجة و50 دقيقة شمالًا وخط طول 42 درجة و56 دقيقة شرقًا، ويرتبط بقناة بحرية بطول 11 ميلًا بحريًا وعرض 200 متر، وحوض لاستدارة السفن بقطر 400، وتمكّن من استقبال جميع أنواع السفن، وهو من الموانئ التي حباها الله تعالى بحماية طبيعية من الأمواج والتيارات البحرية.
وقد أصبح ميناء الحديدة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ينافس ميناء جيزان وجدة في تجارة البن اليمني، حتى إن الحكومة الهندية الواقعة تحت الاحتلال الإنجليزي في ذلك الوقت سجلت في تقرير لها عام 1191هـ، 1777م بأن الحديدة صدرت 750000 بالة من البن إلى جدة وحدها، وهذه الكمية تساوي 11,859,5 طن.
ويتميز هذا الميناء بموقعه الاستراتيجي وقربه من خطوط الملاحة الدولية، والحماية الطبيعية من الأمواج والتيارات المائية، وعدم تعرضه للرياح الموسمية. وقد اهتم أهل المدينة ببناء السفن التجارية الكبيرة المخصصة للسفر عبر البحر الأحمر وغيره من بحار، وهو ما يدلُّ بصورة واضحة على الانتعاش التجاري الكبير الذي شهده الميناء، وتطور حركة التجارية الإقليمية والدولية فيه، وتنوع المنتجات التجارية وانسياب حركة السلع من وإلى الحديدة.
4_ ميناء المخا
يُعدُّ من أقدم وأشهر الموانئ اليمنية التي تطل على ساحل البحر الأحمر ويرجع تاريخه إلى العام 1692م، وقد كان المنفذ الرئيس لتصدير البن اليمني، الذي عُرف باسم (موكا)، ويُعدُّ من الموانئ اليمنية المفتوحة، ومع ازدياد حركة الوارد من السفن التجارية انتعشت المدينة والميناء بشكل ملحوظ، ويتميز بقربه من باب المندب، وقد أسهم موقعه الاستراتيجي في أن يصبح من الموانئ الرئيسة والحاكمة في التبادل التجاري مع موانئ شرق أفريقيا والخليج العربي والمحيط الهندي، وبحلول القرن التاسع عشر الميلادي أخذت أهمية الميناء تتراجع نتيجة لتطور ميناءي عدن والحديدة.
5_ ميناء موزع
يقع في الجهة الجنوبية الغربية لمدينة تعز على بعد 96 كلم، ويبعد عن مدينة المخا مسافة 30 كلم، ويُعدُّ من أقدم الموانئ اليمنية، وكانت تصدر عبره المنتجات اليمنية من الأسلحة والسيوف والمنتجات الزراعية مثل القهوة واللبان، والمر، وكان يورد إليه العاج والذبل والمر، وتتميز موزع بخصوبة أراضيها حيث يزرع فيها المانجو والباباي والبطيخ والموز، ويشتغل أهلها بجانب حرفة الزراعة بحرفة صيد الأسماك والتجارة. وللميناء شهرة كبيرة لدى الفرس والرومان والأحباش، وقد دلت الكشوف الأثرية الحديثة على وجود مواقع أثرية تعود إلى فترات ما قبل التاريخ، وكذلك إلى العصر البرونزي (3500-1200 ق. م).
6_ ميناء عدن
ميناء عدن من أهم وأقدم الموانئ، وقد حافظ على أهميته التجارية عبر الحقب التاريخية المختلفة، وقد ورد أقدم ذكر له في التوراة (العهد القديم) في القرن الساس ق.م كما ورد ذكره أيضًا في المصادر اليونانية والرومانية، وارتبط الميناء بعلاقات تجارية مع موانئ البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وكذلك موانئ الخليج العربي وشرق آسيا والهند، فضلًا عن كونه ميناء مهم واستراتيجي وأصبح بمرور الوقت سوقًا للعديد من السلع والبضائع. ومع تزايد الانفتاح التجاري مع بلاد الهند أصبحت السفن العدنية تمخر البحر من أجل الحصول على السلع الهندية التي يحتاجها العالم القديم مثل المصريين والمرويين والأشوريين والفينيقيين والرومانيين والعرب، ولذلك خبر أهل عدن أسرار هذا البحر وعرفوا مجاهله، وبمرور الوقت أصبحوا هم سادة التجارة في البحر الأحمر حيث نجحوا في جلب العديد من الأصناف من الهند مثل العطور والقطن والتوابل وأضافوا إليها منتوجاتهم من بخور اللبان والمر والصبر، وأصبح ميناء عدن عبارة عن مخزن كبير لمختلف السلع التي أصبحت توزع منه إلى مناطق الاستهلاك في الخليج العربي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وحتى الدول الأوربية.
وقد كان ميناء عدن من أهم الموانئ التي تصدر منه بعض المنتوجات والسلع كاللبان، والمر، والطيوب والعطور، والعنبر، والأقمشة والمنسوجات والحرير، والملح، والمصنوعات المعدنية والأدوات الحديدية، والأحجار الكريمة، واللؤلؤ، والخيول، ويستورد إليه مثل الزجاج، والبهارات، والقرفة، والفلفل، وصدفات السلاحف، ليتم تصديرها إلى مختلف الممالك والحضارات القديمة، ولهذه الحركة التجارية في هذا الميناء شهدت صناعة السفن تطورًا ملحوظًا فيه.
وتوافرت في ميناء عدن جميع المقومات اللازمة لنمو صناعة السفن وتطورها في تلك المنطقة الاستراتيجية التي تتوافر فيها المادة الخام والتي تدخل في صناعة السفن، وكذلك موقع الميناء المهم الذي جذب إليه العديد من التجار والبحارة والمشتغلين بالبحر، أضف إلى ذلك توافر السلع التجارية والحركة النشطة للتجارة بين عدن وغيرها من موانئ البحر الأحمر والخليج العربي وشرق آسيا، كل هذه العوامل مجتمعة وغيرها أسهمت في تطور صناعة السفن بأنواعها المختلفة في ميناء عدن.
وفي فترة الاستعمار البريطاني انتعش ميناء عدن بصورة كبيرة وأصبح قبلة للسفن من مختلف دول العالم، كما أن بريطانيا عملت على تشجيع المستثمرين من مختلف دول العالم للانتقال إلى المدينة بغرض إنعاشها من الناحية التجارية، ونتيجة لذلك توافد الناس إليها من مختلف المناطق التي كانت تحت السيادة البريطانية وأصبحت من أهم الموانئ العالمية بعد ازدهار حركة التجارة والملاحة فيها، كما انتعشت الموانئ الأخرى نتيجة لذلك مثل ميناء حضرموت.
وقد لعب الحضارم دورًا مهمًا في تطوير صناعة السفن بعدن وغيرها من الموانئ، فضلًا عن ذلك فالحضارم كانوا سادة السفن وبحارتها وتجارها، وقد كانت ميناء المعلا الميناء الرئيس لصناعة السفن في عدن، وقد عرفت مدينة عدن صناعة السفن منذ قديم الزمان، والسفن التي كانت تصنع في عدن تشبه سفن الفينيقيين، ومع تطور صناعة السفن وتوسع مينائها أصبحت تستقبل ما يقارب 1400 سفينة شراعية، الأمر الذي يدلُّ على أن الميناء أصبح قبلة للتجار والبحارة والعابرين عبر البحر الأحمر.
وعلى طول ساحل المعلا تم بناء أعداد كبيرة من السفن مختلفة الأحجام متعددة الاستخدامات بوساطة صناع مهرة عرفوا بجدارتهم في هذه الحرفة، وقد تحول بعض الصناع المهرة إلى الخليج العربي وتحديدًا ميناء دبي في دولة الامارات العربية المتحدة فقد قام المعلم سعد عوض سالم بن ربيد بصناعة سفن عدة (بوشندة) في ميناء دبي في السبعينات من القرن الماضي لأحد التجار الإماراتيين، وقد برعت أسر عديدة في صناعة السفن، منها: آل بن ربيد، وهي من أوائل الأسر التي برعت في صناعة السفن الخشبية، وآل بازیاد، وآل بارشید، وآل الصعيري، وآل باسودان، وآل باشنفر، وآل باطويل، وآل بارحيم. وقد ورثت هذه الأسر صناعة السفن عن آبائهم وأجدادهم وأصبحوا يتناقلونها جيلًا بعد جيل، ونجحوا في تطوير هذه الصناعة بصورة كبيرة، وقد اشتهر من أسرة آل ربيد سالم عبيد بن ربيد، وعوض سالم بن ربيد، وسالم خميس بن ربيد وغيرهم، وقد نجح المعلم فرج بن ربيد في صناعة أكبر سفينة في الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، حيث اكتمل بناؤها وأصبحت جاهزة للإبحار في العام 1945م.
ومن التجار الذين عرفوا بدعمهم الكبير والمتواصل لصناعة السفن بميناء عدن آل بازرعة، وآل بن ربيد وآل باشنفر، ومن أسماء السفن التي اشتهرت في عدن والموانئ الأخرى سفن آل بازرعة، وهي السفن التي صنعت لهم خصيصًا في عدن بوساطة آل ربيد، وهي النصر التي كانت تسمى (المحمدي)، والزهراء والمستهل، وللشيخ علي بن محمد بازرعة عدد من السفن كانت تسمى: جراد، وتونس، وتناصور، والطائف، وفتح الباري، وهي المجموعة التي تم تصنيعها بوساطة المعلم فرج سالمين بن ربيد، وسعيد عوض بن ربيد، أما سفينة الخرطوم فقد قام بصناعتها المعلم فرج سالمين، ومحمد سالم بن ربید، وللشيخ عبدالرحمن بن محمد بازرعة عدد من السفن كانت تحمل اسم المنصورة، وحصن الفرج، والعلوي، والجبر، والسهالة، ونور البحر، وغيرها من السفن.
ومن السفن التي برع أهل ميناء عدن في صنعها منذ القرن السادس عشر الميلادي هي: الجلية وكانت مخصصة لنقل الجمال والأشخاص والبضائع، والغراب، والطرَّاد، والسنبوك العدني، حل محل الجلبة بعد اندثارها، والعبري سنبوك، والعبري، والطليعة.
ومثلما تخصصت كل منطقة من مناطق الخليج في سفينة محددة فقد تخصص أهل ميناء عدن بسفينة (أبوشندة) التي يرجع الفضل لأسرة آل بن زبيد في ابتكارها.
الفصل الثالث: موانئ الساحل الأوسط الشرقي للبحر الأحمر
ويُقصَد بهذه الموانئ الممتدة من السواحل اليمينة جنوبًا وحتى ميناء أم الرشراش والعقبة شمالًا، وتضم هذه المنطقة أهم وأقدم الموانئ على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وهي موانئ القحمة، والبرك، والشقيق، وضباء، والوجه، وجازان الجار، وجدة، والحمصاء، والسرين، وينبع، ورابغ، والمويلح وغيرها من الموانئ.
وقد ساعدت العديد من العوامل والأسباب في نشأة وظهور هذه الموانئ وتطورها، أهمها: غنى هذا الساحل بالموانئ والمرافئ الطبيعية، واستيطانه بالمجموعات البشرية منذ القدم، وانفتاح هذه المنطقة على العالم الخارجي، ووجود المقدسات الدينية في الحجاز وفلسطين، مما أسهم في انتظام حركة الملاحة بين تلك الموانئ ورصيفاتها من الموانئ الإقليمية والدولية، حيث كانت سفن الحجاج تأتي من شرق أفريقيا والسودان ومصر قاصدة تلك المناطق المقدسة عبر العديد من الرحلات التي لم تنقطع حتى يومان هذا. وقد وجدت صناعة السفن في هذه المنطقة كثيرًا من الاهتمام من قبل الأهالي والحكام الذي سيطروا عليها عبر التاريخ، ويمكن عرضها على النحو الآتي:
1_ ميناء عينونة (لوكى كومي) القرية البيضاء - الحوراء
يقع في منطقة تبوك شمال مدينة ضباء بالمملكة العربية السعودية الآن، وهو من أهم الموانئ التاريخية وأكبرها في شرق البحر الأحمر. وتميز بموقعه المهم، وقد ارتبط بطرق برية مع البتراء، وبمرور الوقت أصبح من الموانئ المهمة في إنعاش الحركة التجارية لشبه الجزيرة العربية عبر الطرق البرية، وما يميز هذا الميناء أنه يُعدُّ المدخل الرئيس للجزيرة العربية من جهة البحر الأحمر، ويتميز كذلك باتساعه حيث قال: (سترابو) إن بإمكان ميناء (لوكى كومي) أن يستقبل عشرة آلاف شخص، وكانت السفن تأتي إليه وهي محملة بالبضائع المختلفة التي يتم نقلها بعد ذلك بالدواب إلى مختلف المناطق في الجزيرة العربية. واشتهر الميناء في العهد النبطي ويصنف من الموانئ التجارية الكبيرة، وقد تم الكشف عن آثار مستوطنة تعود إلى القرن الرابع ق.م، ومن خلال عمليات الكشف الأثري في موقع الميناء يتبين أنه شهد تعاقب العديد من الفترات التاريخية والحضارية منها النبطية والرومانية والإسلامية، وقد ورد ذكره في القرن الثالث ق.م، إذ تحدث (ديودور) نقلًا عن أجاثار خيديس حيث قال: يقع في خليج رائع ويوفر مزايا لا توفرها جميع الخلجان الأخرى في البحر الأحمر وتحيط به مجموعة من الجبال من جميع الجهات، ويبلغ عرض الخليج حوالي 200 قدم ويتسع لحوالي 200 سفينة، وتتوافر به المياه العذبة على الساحل والجزيرة التي تتوسط الخليج.
وورد ذكره في القرن الأول ق.م، والقرن الأول بعد الميلاد، وقد ذكره (سترابو) عندما تحدث عن البعثة التي قام بها (إيليوس جالوس) والتي تم إرسالها من قبل أغسطس إلى الجزيرة العربية وشرق أفريقيا بغرض معرفة القبائل التي تقطن في تلك المناطق.
ويدلُّ ما سبق أن ميناء لوكى كومي ذات أهمية تجارية وقد كانت تقصده السفن المختلفة الأحجام، وتعضد هذه الشواهد الآثارية والتاريخية نمو صناعة السفن وتطورها في الميناء، وتواصله مع العديد من الموانئ في البحر الأحمر وخارجه.
2_ ميناء ضباء
يقع على بعد 150 كلم من ميناء الوجه، وقد ارتبط بالدولة العثمانية، وكان يُطلق على المدينة اسم لؤلؤة البحر الأحمر وذلك لجمال شواطئها، ويُعدُّ من أكثر الموانئ أمنًا وسلامةً منذ القدم، وكانت ضباء إحدى محطات الحج المصري، ويوجد بالمدينة العديد من المعالم الأثرية التي يرجع تاريخها للعهد العثماني والسعودي.
خضع الميناء إلى سلطة آل سعود في سنة 1344ه الموافق 1925م، وذلك عندما قدم شيخ قبيلة الحويطات لتقديم فروض الطاعة والولاء للملك عبدالعزيز، وقد وجد الميناء الاهتمام من القيادة السعودية، وأصبح من الموانئ المهمة في حركة الصادر.
3_ ميناء الوجه
يقع على مسافة 150 كلم شمال الجوراء، كان في بداياته نقطة نزول لقوافل الحجاج القادمين من مصر، وأشتهر بتصدير الفحم النباتي والأغنام ومنتجاتها إلى ميناء السويس (القُلزم) عبر السنابيك، ولتسهيل عملية الملاحة ليلًا تم بناء فنار لإرشاد السفن، تميز الميناء بوجود أعداد كبيرة من السفن ذات الأحجام الكبيرة، وبمرور الوقت أصبح ينافس ميناء ينبع في حركة الصادر والوارد.
4_ ميناء الجار
يُعدُّ من الموانئ التاريخية القديمة ومن أكبرها على ساحل البحر الأحمر الذي أطلق عليه اسم (بحر الجار)، يقع على بعد 10 كلم عن بلدة الريس بالقرب من ينبع، ويعود تاريخ الميناء إلى فترة ما قبل الإسلام، وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أول من اتخذه ميناءً رسميًا، وكان يستقبل السفن المحملة بالمؤن والغذاء القادمة من الموانئ المصرية خلال القرون الخمسة الأولى من الهجرة، وكان يحيط بالمدينة سور قديم وبعض الأرصفة على الساحل بغرض حمايتها، وقد دلَّت الكشوف الأثرية على العديد من أنواع الخزف، الأمر الذي يدلُّ على أن الميناء كانت له صلات تجارية مزدهرة مع موانئ المنطقة وخارجها. ومن خلال اللقى الأثرية التي تم العثور عليها في موقع الميناء والتي تنوعت ما بين الزجاج والخزف الصيني والفخار الملون يمكن القول إن الميناء كانت له علاقات تجارية متطورة ومزدهرة مع العديد من الموانئ على ساحل البحر الأحمر وخارجه.
ويُعدُّ الميناء من الموانئ المحصنة وقد وصفه المقدسي حيث قال: والجار على ساحل البحر الأحمر محصنة بثلاثة حيطان والرابع البحري مفوه، بها دور شاهقة وسوق عامرة حمل إليهم الماء من بدر والطعام من مصر وليس لجامعهم صحن. ويقابل هذا الميناء على الجانب الغربي من البحر الأحمر ميناء عيذاب على الساحل السوداني، وكان هناك تواصل تجاري بين كل من الجار وعيذاب بحكم الجوار والتبادل التجاري، وكانت السفن تفد إلى هذا الميناء من مصر والحبشة والهند والصين، وقد ورد ذكر ميناء الجار في كتب العديد من الرحالة أمثال عرام السلمي في القرن الرابع الهجري، وقد وصفها ابن حوقل في كتابه (صورة الأرض). ونزل بهذا الميناء المهاجرون الذين قدموا من الحبشة حيث وصلوا إليه على ظهر سفينتين، وزاره سيدنا عمر بن الخطاب بغرض توزيع الإغاثة (الغوث) الذي وصل من مصر في عام الرمادة 17هـ، وقام ببناء عدد من المخازن بغرض حفظ الغلال الواردة من هناك. ورغم ذلك التطور والازدهار في هذا الميناء إلا أنه قد تدهور واندثر بسبب القحط الذي أصاب الحجاز في العام 439هـ/ 1047م. والاضطرابات الأمنية التي شهدتها الحجاز في القرن الرابع الهجري. وتحول السفن إلى ميناء ينبع من قبل الأيوبيين.
5_ ميناء المويلح
يقع شمال غرب المملكة العربية، ويرجع سبب تسمية المدينة والميناء بهذا الاسم نسبة لعيون المياه المالحة، وقد ورد هذا الاسم عند العياشي، ومن الأسماء التي أطلقت عليه أيضًا اسم (النبك) الذي أطلقه ابن فضل العمري وابن حجر العسقلاني وغيرهم من الرحالة، وقد كانت المويلح مقصد للحجاج القادمين من مصر نحو مكة. وتميزت المويلح بخصوبة أراضيها وتنوع محصولاتها الزراعية مثل التمر والكروم والتين والتبغ والفول وغيرها من المحصولات، وارتبط الميناء بعلاقات تجارية كبيرة مع موانئ البحر الأحمر في ساحليه الشرقي والغربي، وقد كان أحد الوجهات المهمة للسفن القادمة من السويس وجدة والقصير وغيرها من الموانئ القريبة.
6_ ميناء رابغ
يقع بين ميناءي جدة وينبع، انتعش مع وصول السفن المحملة بالبضائع من موانئ جدة والليث والقنفذة، كما كانت تصل إليه السفن من مصر والسودان وغيرها من موانئ البحر الأحمر، ويُعدُّ من أكثر موانئ البحر الأحمر أمانًا فمعظم موانئ البحر الأحمر والحجاز مخيفة لا تستطيع السفن أن تصل إليها إلا بوساطة الأدلاء المتمرسين والعارفين بالبحر وأهواله أما رابغ فقد تميز بسهولة الوصول إليه دون عناء.
عند اندلاع الحرب العالمية الثانية ظهرت أهمية الميناء بصورة كبيرة حيث أصبح الميناء الرئيس لتمويل المملكة بالسلع المختلفة، وكان مقصدًا للسفن الواصلة لسواحل البحر الأحمر، وعندما قرر الملك عبدالعزيز محاصرة مدينة جدة اتخذ من رابغ نقطة الانقضاض على المدينة وعمل على إنشاء ميناء يستقبل فيه الحجاج والبضائع.
7_ ميناء ينبع - بولا
يُعدُّ من الموانئ المهمة وأقدمها على ساحل البحر الأحمر، وقد أكتسب أهميته الملاحية منذ عهد الإغريق، وأصبح مركزًا لتموين السفن العابرة للبحر الأحمر، وعرف باسم (بولا) نسبة إلى عين بولا التي تُعدُّ أقرب عيون ينبع للساحل، وسميت بينبع لكثرة ينابيعها، ومنذ فجر الإسلام ارتبطت ينبع بحوادث مهمة بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وقريش وهي سرية العيص وبواط والعشيرة، وهذه الأماكن جزء من ينبع النخيل.
وقد زادت أهمية هذا الميناء في العهد الأيوبي سنة 621هـ، وذلك بعد اتخاذهم له ميناءً رئيسًا للمدينة وقاموا بشرائه من الأشراف الحسنيين أهل ينبع بمبلغ أربعة آلاف مثقال وعملوا على إقامة العديد من المنشآت فيه، وبمرور الوقت أصبح من الموانئ المهمة في مجال التجارة، وأصبحت السفن تفد إليه محملة بالغلال والسلع المختلفة وقدرت تجارته السنوية بحوالي 30,000 ألف دينار.
ودلت الكشوف الأثرية الحديثة على وجود نشاط استيطاني يرجع إلى نهاية القرن السادس ق.م، فترة حضارة العبيد وأحدثها تنتمي إلى منتصف القرن الرابع ق.م، الأمر الذي يدل على أن المنطقة قد شهدت نشاط استيطاني متواصل وتكيف إنسانها مع الظروف والعوامل البيئية المختلفة، وقد وجدت العديد من القطع الأثرية المحلية والمستوردة، الأمر الذي يدل على انفتاح الميناء على العالم الخارجي.
وجدت ينبع اهتماما كبيرًا من الملك عبدالعزيز لأنها الميناء الرئيس للمدينة المنورة ولذلك عمل على تحديث مينائها وبناء المباني الكبيرة لاستقبال حجاج بيت الله الحرام، وأصبح الميناء الرئيس لاستقبال السفن التي تحمل مواد البناء.
8_ ميناء جدة
يُعدُّ من أكبر وأقدم وأهم الموانئ على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، ومن أهم الموانئ السعودية في الوقت الحالي، وهو من الموانئ التي ظهرت قبل الإسلام وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (رضي الله عنه) 26هـ/ 646م تم التركيز عليه ليحل محل ميناء الشعيبة، وهو من الموانئ التي تتوسط البحر الأحمر، ويُعدُّ ملتقى طرق كثيرة من داخل شبه الجزيرة العربية، كما أنه نجح في جذب العديد من السفن التجارية عبر تاريخه الممتد، وقد اكتسب أهميته التاريخية والحضارية بسبب قربه من الأراضي المقدسة، وأصبح الميناء الرئيس للحجاج، كما شهد الميناء تطورًا ملحوظًا وكبيرًا في عهد الملك عبدالعزيز الذي عمل على تحويله من ميناء صغير إلى ميناء يسع العديد من السفن بمختلف أنواعها، وذلك بعد أن كانت السفن الكبيرة تعاني في الوصول إليه لتقوم السفن الصغيرة والسنابك بإنزال البضائع والركاب من البواخر إلى الرصيف.
كانت صناعة السفن من أقدم الحرف في مدينة جدة، وقد استخدم النجارون هناك العديد من أنواع الأخشاب منها: الجاوي، والساج، والسويدي، وهذه من الأخشاب التي تم استجلابها من خارج جدة لصناعة السفن، وكذلك هناك أخشاب محلية عرفها أهل جدة، وهي: الهدروس، والمدبوس، وأم دية، وحلقيم، وقد استخدمت جنبًا إلى جنب مع الأخشاب المستوردة في صناعة السفن، وقد تأثرت صناعة السفن في جدة وغيرها من الموانئ المطلة على البحر الأحمر، وذلك بعد الغزو الصليبي حيث قام الصليبيون بمنع وصول الأخشاب الطويلة لتلك الموانئ؛ وذلك لخوفهم من استخدمها في صناعة السفن التي يمكن استخدامها لمهاجمتهم مستقبلًا.
ومن السفن التي اشتهرت في مدينة جدة السنبوك ويستخدم لنقل البضائع والركاب من البواخر على الميناء والعكس، والهوري وهو مركب شراعي مخصص للصيد وحمولته ما بين شخصين إلى ثلاثة أشخاص. والناروي ويستخدم في نقل البضائع والركاب من البواخر إلى الميناء. والجردي وهو من المراكب الطويلة ويشبه السنبوك لكن ليس له قدح محل السكان عند مجلس النواخذة. والزعيمة: وتستخدم في عمليات النقل الداخلي على الساحل وكذلك بين السفن والميناء، والسكونة وهي من السفن كبيرة الحجم كانت قديمًا تُعدُّ من السفن الشراعية وقد تم إدخال الماكينة فيها حديثًا، والبوت ويشبه الهوري لكنه مميز أكثر منه يستخدم فيه الشراع والمجاديف والماكينة، والنش، والساعية، والقطيرة. كل هذه الأنواع من السفن التي تم ذكرها تصنع في ميناء جدة عدا الجردي والسكائن يتم صناعتهما في موانئ أخرى وإحضارهما إلى جدة بعد ذلك. ومن أشهر المصنعين للسفن الكبيرة الذين احتفظت المدينة بأسمائهم الشيخ حسن شقيري، وبيت السنديوني، ومحمد علي دليل، وإبراهيم جاوا، وإبراهيم بنوي، وأحمد الخياط.
9_ ميناء السرين
نشأ في القرن الثالث الهجري، وبلغ ذروته في القرن الرابع والخامس الهجري، وبدأت عوامل الضعف والهوان تدب في جسد الميناء بحلول القرن الثامن والتاسع، ويرجع اسم البلدة إلى السرين أو الواديين، وأول نص عن السرين ورد عند المقدسي في القرن الرابع الهجري، واستمرت السرين تحت إدارة أمراء مكة المكرمة وأصبح الميناء الثاني لهم بعد جدة، وقد كانت معروفة بهذا الاسم حتى القرن الثامن الهجري، ويرجح أن المدينة هجرها أهلها في القرن العاشر الهجري، وذلك بعد نمو وتطور ميناء جدة وازدهاره، وأصبح أهل المنطقة يطلقون على المدينة القديمة بعد اندثارها اسم المصنعة.
10_ ميناء الليث
يقع عند مصب وادي الليث، الذي كان يسمى قديما باسم (مرسى إبراهيم)، وقد ظهر بعد اندثار ميناء (السرين)، واشتهر بتصدير الدخن المحصول الذي اشتهرت به المنطقة، وقد اعتمدت عليه مناطق الزهران، وبني مالك، وسهول تهامة في تصدير منتجاتها، كما كانت تصل إليه السفن التجارية المحملة بالضائع من السودان والمخا. ولم تكن السفن الكبيرة تستطيع الدخول إليه، فكانت السفن الصغيرة تقوم بمهمة تحميل البضائع من السفن الكبيرة، ونقلها إلى داخل الميناء، وقد حدثت الكثير من التحديثات للميناء في الوقت الحالي، لكنه فقد بريقه وشهرته التي كان عليها في العهد العثماني.
11_ ميناء القنفذة
تمتد حدوده من ميناء (الليث) جنوبًا إلى ما وراء ميناء(حلي) بقليل، ويبعد عن جدة مسافة 70 كلم، وظهر بعد اندثار ميناء السرين، وميناء حلي، في نهاية القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي. ولم تشهد القنفذة تطورًا كبيرًا من حيث المرافق والعمران في بداية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وذلك بسبب التوغل البرتغالي في البحر الأحمر، وأصبحت بعد ذلك تستقبل التجار من مختلف المناطق وزاد التواصل بينها وبين مكة المكرمة بصورة ملحوظة. وبنهاية القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي تعرضت القنفذة مع بعض المناطق مثل صبيا والتهائم ونواحيها لموجة مجاعة كبيرة حيث قال العصامي: "في هذا الشهر جمادي الأولى سنة 1079هـ تواتر الخبر من جهة أرض اليمن باشتداد الجدب والقحط فيها كالقنفذة وصبيا والتهائم ونواحيها". كما اشتهرت القنفذة بعلاقاتها التجارية الممتدة مع عدد من الموانئ في المنطقة مثل ميناء جدة، وجازان، وعدن، واللحية، وكمران، ورابغ، وأملج، وغيرها من الموانئ.
12_ ميناء حلي - الحمصاء
يطلق على ميناء حلي اسم (الحمصاء)، ويقع إلى الجنوب من ميناء القنفذة، ويبعد عن ميناء السيرين مسيرة يوم وعن مكة المكرمة مسيرة ثمانية أيام، أشار إليه ابن حوقل وعده الدمشقي من موانئ مكة المكرمة، وقد ورد ميناء حلي في مصادر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، زارها ابن بطوطة قادمًا من ميناء سواكن على الساحل السوداني في العام 730هـ، حيث قال: "بعد ستة أيام من خروجنا من عند جزيرة سواكن وصلنا إلى مدينة حلي، وتعرف باسم (ابن يعقوب) وكان لسلاطين اليمن سكنًا قديمًا بها، وهي كبيرة حسنة العمارة يسكنها طائفتان من العرب، وهم بنو حرام وكنانة". وعلى الرغم من تطور وازدهار هذا الميناء في أزمان سابقة، إلا أنه تدهور واضمحل بسبب عمق مياه الميناء، ووجود الأمواج العاتية، وحركة المد كبيرة، ووجود الملح بكميات كبيرة أدى إلى عدم توفر الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، وأدت كثرة الأمطار إلى هجرة الأهالي من الميناء.
13_ ميناء البِرْك
يُعدّ ميناء البِرْك واحد من الموانئ التاريخية المهمة، يبعد عن ميناء حلي مسافة 70 كلم، يقع الميناء القديم في منتصف الخليج، وهو عبارة عن جسر طوله 12 متر وعرضه 7 أمتار شيد من الأحجار البركانية وأحجار الكاشور البحرية، وأمراء البرك من آل عبدة، يوجد بها مرسى للسفن، ويمتهن أهلها صيد الأسماك، تم إنشاء مرسى جديد ليتناسب مع الجرف البحري الذي يتسع لعدد من القوارب، كما يتميز المرفأ الجديد بعمق مياهه بعكس المرفأ القديم، ومن المراكز التي تتبع ميناء البرك عمق والنهود.
14_ ميناء القحمة - جبل الوسم
وهو من الموانئ التي ظهرت حديثًا، وقد ذكر البلادي أن سبب ظهور الميناء يرجع إلى خلاف بين قبيلتي بني هلال ومنجحة، وقد اتخذت الأخيرة القحمة سوقًا لها، ويُعدُّ من موانئ الصادر والوارد، وعلى الرغم من قيام ميناء جديد في القحمة، إلا أن الميناء القديم ما زال حاضرًا يشهد على ما كان عليه من نماء وتطور وازدهار، حيث توجد كثير من المباني والأسواق والمتاجر والمساجد التي تم استخدام الحجر البركاني في بنائها، كما أنها تميزت بأزقتها الضيقة. ويُعدُّ ميناء القحمة من موانئ إقليم عسير، التي تمتاز بمناخ معتدل في فصل الصيف والشتاء، وكان من أهم الموانئ لحجاج بيت الله الحرام القادمين من اليمن وجنوب شرق آسيا، وتوجد العديد من الجزر التابعة لساحل القحمة وهي جزر كدميل، وسمر، والسحل، وأم قشع، وأم عقار خور القصبة. وقد كانت المراكب الصغيرة تدخل إلى البحر لإحضار السلع والبضائع من السفن الكبيرة في العهد العثماني، وفي الوقت الحالي أصبح الميناء مخصصًا للصيد.
15_ ميناء الشَّقِيق
يقع بالقرب من ميناء القحمة، وهو من المواقع الحضارية القديمة حيث وجدت فيه أدوات ترجع إلى العصور الحجرية مثل القواطع اليدوية والمفارم والرقائق الحجرية، كما وجدت به قطع من الفخار الملون يعود إلى ما قبل القرن الأول ق. م. ويقع ميناء الشقيق جغرافيًا شمال جازان، وكان به مرسى صغير للسفن، وعلى الرغم من كثرة الأودية، إلا أن الزراعة تندر فيه، ويسكن أهل الشقيق من قبيلة كنانة بين وادي نهب إلى وادي عتود باتجاه الساحل وبالقرب من الجبال، وفي فترة الدولة العثمانية تم استخدام الميناء للأغراض الحربية والتجارية، ويوجد حول جسر الميناء صفائح من الحديد تم استخدامها لتثبيت السفن خوفًا من انجرافها إلى القاع بسبب عمق الميناء وشدة ضغط التيارات البحرية. ومن الأسماء التي أطلقت على الشقيق وادي موسى، وغوان، واللؤلؤة الذي أطلق عليه في القرن السابع الهجري، وقد ورد ذلك في كتاب العقود اللؤلؤية للخزرجي "وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة زالت الشدة وارتفع الغلاء ورخصت الأسعار في جميع نواحي اليمن، ورجع المقدم الذي تقدم لعمارة البرك، وهو موسى بن أبي بكر بن علاء الدين، وكان الشريف طاهر ابن أبي يُمي قد وصله إلى البرك من مكة حرسها الله تعالى قاصدًا للباب الشريف السلطاني فسارا معًا فلما بلغا قريبًا من اللؤلؤة لقيتهم جهينة فانهزم العسكر وتأخر الشريف طاهر على الناس فقتل وأخذت أثقالهم ودوابهم". وعندما قامت بعض الدول الأوربية بدعم الإدريسي بالسلاح في صراعه ضد الدولة العثمانية عبر موانئ الشقيق والوسم والبرك قررت الدولة العثمانية ضرب الموانئ الثلاثة؛ لوقف تدفق السلاح الذي كان يتم احضاره من جيبوتي، ومصوع، وعدن، عبر هذه الموانئ، وقد كان الإدريسي يقوم باستلام السلاح وتوزيعه على القبائل الموالية له في تلك المناطق، وفعلا تمكن الأسطول الحربي العثماني من تنفيذ مهمته بضرب الموانئ الثلاث.
16_ ميناء جازان
يُعدُّ من أكبر الموانئ، وبوابة السعودية نحو جميع الموانئ، وجازان تطلق على منطقة كبيرة وممتدة تضم العديد من المناطق، وكانت تعرف قديمًا بمخلاف حكم، ومخلاف عثر، إلى أن تم توحيدهما بوساطة أميرهما سليمان بن طرف الحكمي في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي تحت مسمى مخلاف السليماني.
وقد وردت جازان في كتابات أحد الرحالة من بولونيا الذي يدعى (لويس فارتيما) الذي تمكن من زيارة الميناء قبل أربعة قرون، وذكر أنه وجد بها خمسًا وأربعين سفينة راسية في الميناء، كما أنه دهش لغزارة إنتاجها الزراعي من العنب، والتفاح، والسفرجل، والرمان، والليمون، والبرتقال، والقمح، والشعير، والذرة البيضاء. ويرجح تصدير هذه المحاصيل إلى الخارج في ظل التبادل السلعي الذي شهدته المدينة، وبالإضافة للمحاصيل الزراعة تميزت المدينة بوجود الملح الذي تعددت استخداماته وأصبح من أهم سلع الصادر عبر الحقب التاريخية المختلفة. وتُعدُّ مدينة جازان من أهم مدن مخلاف السليماني، دارت على مينائها العديد من الحروب، منها الحرب بين العثمانيين والأدارسة، وتمكنت القوات العثمانية من الانتصار فيها وبسط سيطرتها على جازان، والمتتبع لجغرافية جازان يجد أن ميناء ميدي وحرض يحدان المدينة من ناحية الجنوب، وسلسلة الجبال اليمنية من جهة الشرق، وجبال عسير من جهة الشمال، والبحر الأحمر غربًا، وتُعدُّ جزر فرسان من أهم الجزر التي تتبع لجازان وتتميز جزر فرسان بوجود مغاصات اللؤلؤ بالقرب منها وبعض الشعب المرجانية. وقد عانى الميناء من وجود حاجز رملي في جهة البحر، الأمر الذي أدى إلى إعاقة وصول السفن الكبيرة إلى المرفأ، والسفن الصغير كانت تدخل من خلال فتحة بين هذه الرمال، ولكن تمكنت السلطات السعودية من معالجة هذا الأمر وتوسيع الميناء ليتمكن من استقبال جميع أنواع السفن.
وتُعدُّ صناعة السفن والمراكب والقوارب من الصناعات القديمة في المدينة، وهي من الحرف التي فرضها الموقع الجغرافي للمدينة الساحلية، وقد اعتمدت هذه الصناعة على العديد من أنواع الأخشاب التي تنمو أشجارها على الساحل الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، ومن هذه الأشجار الأثل، والنيم، والسدر، والعرج، وتستغرق صناعة القارب على ساحل جازان 60 يومًا، وبالإضافة لتلك الأشجار تم استخدام أنواع أخرى من الأخشاب مثل الساج، وجوز الهند، والصنوبر، كما استخدم القطن، والقماش، والشونة، وبعض الأنواع الأخرى لعمل الشراع من أنواع الأخشاب التي تصنع منها المراكب في ميناء جازان النيم، والسويدي، والجاوي، والكافور الذي يتم إحضاره من مصر. وتعدد أنواع الأخشاب التي يتم من خلالها صناعة السفن، يدل على أن صُنَّاع المراكب والسفن في هذه المدينة الساحلية قد خبروا هذه الحرفة وتفننوا فيها وتمكنوا من تطويع جميع هذه الأخشاب لخدمة سفنهم ومراكبهم.
17_ ميناء أم الرشراش
يقع ميناء أم الرشراش أو الحصية - إيلات بعد أن احتلتها إسرائيل - أقصى جنوب فلسطين المحتلة على خليج العقبة، تعرضت أم الرشراش للسيطرة الصليبية، وتمكن القائد صلاح الدين الأيوبي من تحريرها، ثم وقعت مرة أخرى تحت السيطرة الصليبية، حتى تمكن القائد الظاهر بيبرس من تحريرها، بعد ذلك عمل السلطان قنصوه الغوري على بناء قلعة كبيرة في أم الرشراش أصبحت الرابط بين مصر وبلاد المشرق العربي.
وتتميز أم الرشراش بموقع استراتيجي على البحر الأحمر، ويحدها من الغرب طابا المصرية وبالقرب منه مدينة وميناء العقبة الأردنية، ويرجع اسم الميناء والمدينة إلى إحدى القبائل العربية التي كانت تسكن فيها، وكان يطلق على أم الرشراش (قرية الحجاج) حيث كانت تمثل نقطة استراحة لقوافل الحجاج المصريين في طريقهم نحو الحجاز، وذلك قبل أن تتعرض للاحتلال من قبل الكيان الصهيوني أو ما يعرف بدولة إسرائيل في 10/ 3/ 1949م.
18_ ميناء أيلة - العقبة
يُعدُّ من الموانئ المهمة على الجانب الشمالي الشرقي من البحر الأحمر منذ العهد الروماني والبطلمي، وقد ذكر (أجاثار خيدس) أن الملوك البطالمة اهتموا بالملاحة في خليج العقبة، وأن هناك مجموعات من الأهالي قاموا بصناعة سفن تمكنوا من خلالها القيام بعمليات قرصنة تجاه السفن التجارية الموجودة بالميناء كما أنهم هاجموا التجار والبحارة. ومما يميز هذا الميناء عدم وجود الشعب المرجانية التي كانت تعيق الملاحة وتهدد السفن التجارية في معظم مناطق البحر الأحمر، وتتفرع منه الطرق التجارية الواصلة حتى الموانئ اليمنية جنوبًا. وقد اهتم المماليك بهذا الميناء وقاموا ببناء رصيف لرسو السفن التجارية التي كانت ترسو فيه، كما تم ربطه بباقي موانئ البحر الأحمر في الحجاز بغرض نقل الحجاج القادمين من الشام بحرًا، وازدهر الميناء في عهد المماليك الشراكسة، وقد قام السلطان قنصوة الغوري بتجديد رصيف الميناء وعمل على زيادة تحصيناتها، وقام كذلك بتجديد قلعتها بعد ظهور الخطر البرتغالي في البحر الأحمر. ويتمتع ميناء العقبة بموقعه الاستراتيجي الذي يربط ثلاث قارات مع بعضها ببعض وهي آسيا وأفريقيا وأوربا وهو الميناء الوحيد للأردن وقد أسهم موقعه الاستراتيجي المميز في أن يصبح حلقة الوصل بين أقصى شمال البحر الأحمر وجنوبه.
الفصل الرابع: الموانئ التاريخية على الساحل الشمالي الغربي للبحر الأحمر
"موانئ الساحل المصري»
ويقصد بها الموانئ التي تمتد من ميناء السويس على الساحل المصري وحتى ميناء أدوليس على الساحل الأريتيري على البحر الأحمر، وقد شهدت هذه المنطقة عبر تاريخها الطويل قيام العديد من الموانئ منذ الحضارة المصرية القديمة، والمروية، والبطلمية، والرومانية، والمسيحية، والتاريخ الإسلامي.
وقد لعبت هذه الموانئ العديد من الأدوار المهمة، وأسهمت في انتعاش المنطقة من الناحية الاقتصادية والملاحية كما عملت على نقل السلع والبضائع لجميع حواضر العالم القديم، عبر السفن والمراكب الكبيرة التي كانت تمخر عباب البحر الأحمر، وهي محملة بشتى أنواع البضائع مثل: التوابل، وسن فيل، وريش النعام، والذهب، والأخشاب، والحيوانات الحية، وغيرها من المنتجات.
ولأن هذه المنطقة من العالم تُعدُّ من المناطق المهمة والاستراتيجية التي سعى الرومان وغيرهم إلى بسط سيطرتهم عليها وإنشاء العديد من الموانئ فيها بغرض خدمة مصالحهم التجارية والعسكرية.
وشهدت صناعة السفن في هذه الموانئ تطورًا كبيرًا، واستفاد أهلها من مورثهم الحضاري والحضارات الأخرى التي برعت في هذا المجال لتطوير سفنهم مثل الحضارة المصرية، والهندية، والصينية، والفينيقية، والأوروبية، وغيرها في تطوير صناعة سفنهم، التي بمرور الوقت أصبحت لها سماتها وخصوصيتها التي اشتهرت بها.
وقد عرف الإنسان المصري صناعة السفن منذ وقت مبكر، وتنوعت أشكال السفن في مصر القديمة من حيث الشكل والنوع والمهام التي كانت تقوم بها، وقد اتخذت أشكال متعددة في هيئتها مثل: الأشكال الحيوانية، والنباتية في مقدمتها أو مؤخرتها. وظهرت أشكال الحيوانات في مقدمات السفن المصرية فنجد رأس أسد وكبش وقنفذ وسبع.
بدأت صناعة القوارب عند المصريين على نهر النيل في عصور ما قبل التاريخ من خلال ربط حزمة من سيقان نبات البردي لتشكل قارب ضيق يقف عليه شخص واحد له نهايات أسطوانية أو مدببة مرفوعة إلى أعلى، وقد ظهر هذا النوع من القوارب في بعض نقوش الفخار في عمرة وجزرة، ويمتاز بخفته ومقدمته القوية التي تمكنه من الاندفاع داخل الأحراش والمياه الضحلة. وشهدت صناعة السفن في مصر في العصر الإسلامي تطورًا كبيرًا وتحديدًا في العصر الأموي، وقد استفاد المسلمون من خبرتهم في صناعة السفن وأصحبت أحد المركز المهمة لصناعة السفن الإسلامية، وتم الاستعانة بهم في مشرق الدولة الإسلامية ومغربها. ارتبطت صناعة السفن في مصر بتوفر العديد من العناصر لنمو وتطور هذه الحرفة والتي تتمثل في الأخشاب، والحديد، والقار، والحبال، والسلاسل، والكتان، ولأن الأخشاب تُعدُّ من أهم العناصر في بناء السفن، كان على مصر العمل على استيرادها من الخارج، فكانت تستورد الصنوبر، والأرز، والبلوط، والعرعر، من آسيا الصغرى جزيرة طاشوز بالشام. وتستورد صنوبر أيضًا من الأندلس، والأبنوس من السودان، والأخشاب الصلبة من أوروبا عن طريق البندقية، وهناك أنواع من الأخشاب يتم إحضارها من الأناضول وكرواتيا وغيرها وبالإضافة لتلك الأخشاب، كان يتم استخدام أشجار السنط التي تُعدُّ من أفضل أنواع الأخشاب في صناعة السفن بسبب قوتها وصلابتها، وكانت تستخدم في عمل الصواري وضلوع السفن، ومن المناطق التي تتوافر فيها أخشاب السنط في مصر البنهسا، والأشمونيين، وأسيوط، وأخميم، وقوص. وقد قامت الدولة بتوفير الحماية للغابات التي توجد بها هذه الأشجار حتى لا يتم قطعها بصورة عشوائية، ومن أهم وأجود أنواع الأخشاب بالإضافة للسنط التي يتم استخدامها في صناعة السفن في مصر أخشاب شجر (اللبخ)، الذي ينمو في منطقة (إسنا) بمحافظة الأقصر، ويتميز بسرعة التحام ألواحه إذا تم وضعه في الماء لمدة ستة أيام، وقد كان يتم إحضاره من مناطق الصعيد والفيوم في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، كما تم استخدام أخشاب الدوم وجذوع النخيل والجميز والزان، وبالإضافة للأخشاب تم استخدام الحديد في صناعة السفن، وكان يتم استيراده من جنوة والبندقية، وكان يتم استيراد القطران من ليبيا، والحبال من مناطق البجا في السودان وهذه الحبال تستخدم في سفن البحر الأحمر وقد كانت تدهن بالسمن أو زيت الخروع أو دهن سمك القرش وهو أفضل أنواع الزيوت.
وتمر صناعة السفن بعدد من المراحل تبدأ بوضع الهراب (سيف السفينة) على الأرض ويتم ربط ألواح أفقية على الجانبين بخيوط من الليف ويتم تركيب دفة على السفينة، ثم بعد ذلك يتم طلاء السفينة وزخرفتها باستخدام حجر (الطلق) الذي يتم استجلابه من جزيرة قرص ومناطق أخرى ويتم بعد ملء الشقوق بالشمع، ومن أهم أجزاء السفينة:
المقدمة وتسمى اللجام أو الفأس يجب أن تكون قوية وحادة. والأنجر ويقصد به المسرى الذي يستخدم لتثبيت السفينة عند رسوها، وكان يستخدم من أخشاب مفرغة يتم صب الرصاص في داخلها لتصبح ثقيلة، والجؤجؤ وهو صدر السفينة، والكوثيل ذنب السفينة، والدقل وهو سهم السفينة، والدفة هي التي تسير السفينة، والمجاديف عبارة عن أعواد طويلة تستخدم لدفع السفينة في المياه، والمرادي والقيلان خشبة تدفع بها السفينة ويكون رأسها على الأرض، والقلس وهو عبارة عن حبل ضخم يصنع من الليف أو الخوص ويستخدم في شد السفينة نحو البر أو ربطها، والدسر وهو عبارة عن حبال من الليف أو الكتان تشد بها السفينة، والصاري أو الشراع وهو من أهم أجزاء السفينة ويستخدم في تحريك السفينة وتوجيهها وتمت صناعتها من جذوع أشجار جوز الهند، وشجر جوز الهند، والمتلمظة وهو المكان الذي يجلس فيه رئيس الملاحين، والسلوقية وهو مقعد الربان في السفينة، والغريفة وهي غرفة في أعلى السفينة يجلس فيها حارس يراقب البحر.
وكان للمصريين العديد من السفن التجارية التي تطوف حول الموانئ القريبة والبعيدة من أجل الحصول على السلع والبضائع الجيدة، وقد نشطت حركة صناعة السفن التجارية في العصر الطولوني والعصر الفاطمي في مصر، وتم صناعة أسطول في العهد الفاطمي في دار صناعة السفن ليتم من خلاله نقل البضائع من الهند، وقد امتلك كبار رجال الدولة الفاطمية العديد من السفن وقد سميت هذه السفن بأسماء الوظائف التي يتقلدها الشخص المعني مثل مركب القائد، ومركب الحاجب، ومركب الوزير وغيرها، ومن أنواع السفن في الموانئ المصرية: السفار تستخدم للسفر إلى المناطق البعيدة، والبغلة تمتاز بمؤخرتها المربعة وحمولتها تصل إلى 50 طن، السفن الشراعية تستخدم في نقل السلع، والجلاب يستخدم لنقل البضائع في البحر الأحمر.
وشهد البحر الأحمر اهتمامًا كبيرًا في عصر البطالمة الذين اهتموا بالسفن التي عملوا على استغلالها في اكتشاف مجاهله كما قام بطليموس الأول بإرسال عدد من المكتشفين لاستطلاع سواحل البحر الأحمر، وكذلك فعل خلفه بطليموس الثاني، ونتيجة لهذا الاهتمام الكبير نشطت التجارة على امتداد البحر الأحمر، وزاد التوسع البطلمي في هذا البحر في عهد بطليموس الثاني (285-24 ق.م)، الذي عرف بحبه للتجارة، ولكي يعمل على زيادة الواردات المصرية من السلع والبضائع المختلفة قام بإرسال قائده (أرستون)، في حملة كبيرة مهمتها الأساسية كشف السواحل الشرقية للبحر الأحمر، وللاستفادة من السواحل الممتدة للبحر الأحمر والمنتجات الداخلية للبلاد التي تطل عليه عمل على إنشاء عدد من الموانئ والتي منها ميناء (رستوى) السويس على خليج السويس، كما قام بفتح القناة الواصلة بين نهر النيل والبحر الأحمر، وقام ببناء (فيلوتير)، وقام بإنشاء مدينة (أمبلونة) على خليج العقبة و(الويكة كومى) على البحر الأحمر، وقد أقدم على إحضار أعداد كبيرة من المجرمين لهذا الميناء بغرض توفير الحماية له ضد هجمات الأنباط.
بهذه الإجراءات التي أقدم عليها البطالمة أصبحوا هم المتحكم الرئيس في التجارة البحرية في البحر الأحمر، الأمر الذي هدد الأنباط وتجارتهم التي كانت تعتمد على القوافل، فما كان منهم إلا أن شنوا الهجمات البحرية ضد البطالمة، الأمر الذي جعل بطليموس الثاني يقوم بتشكيل قوة بحرية مهمتها حماية السفن التجارية والموانئ ومنع هجمات الأنباط، وتأكد بعد ذلك السيطرة البطلمية على البحر الأحمر وتجارته. ويمكن عرض موانئ هذه المنطقة على النحو الآتي:
1_ ميناء الخور – (القلزم) السويس
يقع في مدينة السويس، وهو من أقدم الموانئ هناك، ويرجح أنه الميناء الوحيد لمصر في تلك المنطقة قبل 250 عام، وكان يعتمد عليه في نقل البضائع بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقد كان الميناء شاهدًا على حملات محمد علي باشا (1811-1818م) على الحجاز والجزيرة العربية، وكان يفد عبره الحجاج من بعض الدول الأفريقية للذهاب إلى الحج في الحجاز، كما كان يمر عبره محمل كسوة الكعبة كل عام، وكان من أهم موانئ الصيد على ساحل البحر الأحمر في تلك المناطق.
وقد تعرض الميناء القديم للإهمال وأصحبت منازله أثرية، وهي التي وقفت شاهدة على الحروب التي شهدتها السويس مثل حرب 1956م و1967م و1973م، ويضم الميناء الآن العديد من الآثار المهمة التي منها قصر محمد علي باشا وطابية السويس، ومبنى المساجيري مارتيم الذي أنشأته الشركة الفرنسية بغرض نقل البريد والبضائع إلى آسيا، وقد شهد الميناء في الفترة الأخيرة محاولات جادة لتطويره وإعادة الحياة إليه مرة أخرى.
وكانت هناك دار لصناعة السفن منذ العصر الفرعوني واستمرت في أداء دورها في العصر الإسلامي، وزادت أهميتها لأنها تمثل حلقة الوصل بين البحر المتوسط والبحار الشرقية، وزادت أهمية القلزم أكثر عندما أمر الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بحفر الخليج، وذلك بغرض تسهيل حركة السفن التجارية بين مصر والمدينة المنورة، وازدهرت صناعة السفن بعد ذلك في الميناء. وتم إنشاء دار لصناعة السفن في ميناء القلزم في العصر الأموي، وفي العصر الفاطمي تم الاهتمام بصناعة السفن هناك أيضًا، ويدلُّ ذلك على أهمية هذا الميناء في مجال النقل والتجارة والتواصل بين مصر وشبه الجزيرة العربية، كما أنه قد تم استخدامه لأغراض عسكرية في عهد محمد على باشا، وأيضًا أسهم في نقل الحجاج إلى الحجاز ونقل البضائع كذلك، وهو بذلك يكون من الموانئ التي تم استخدامها لجميع الأغراض المدنية والعسكرية طوال تاريخه.
2_ أرسينوي - كيلوبارتيس
كانت أرسينوي عاصمة (سيكوت) في الحضارة المصرية القديمة أو هرووبوليس البطلمية وإحدى الموانئ الرئيسة في مصر، تم تأسيس ميناء (أرسينوى -كيلوبارتيس) في عهد بطليموس الثاني في العام 268 ق.م، وأطلق عليه اسم أخته أرسينوى وزوجته الثالثة، وذلك بعد أن أعاد حفر القناة التي تربط البحر الأحمر بالنيل، أقيمت بالميناء منطقة صناعية للاستهلاك المحلي والتصدير لعدد من المنتجات مثل الزجاج، والنسيج، والروائح العطرية، والخزف، بالإضافة للمنتجات الخشبية، ورد ذكره أيضًا في العديد من الكتابات، وتحدث عنه الشهيد أنطونيوس عام 570م، وذكر أن ميناء أرسنوى يُعدُّ آخر ميناء شمالًا على البحر الأحمر للسفن القادمة من الهند، وهو ما أكده بطرس الشماس، حيث ذكر أن الميناء تنطلق منه السفن نحو الهند وأشار أيضًا إلى أنه الميناء الوحيد الذي ترسو فيه السفن القادمة من الهند، وقد شهد الميناء تطورًا تجاريًا ملحوظًا في عهد الامبراطور البيزنطي أنستا سيوس (491 _ 518م).
شهد الميناء صناعة 80 بارجة حربية، 130 سفينة لنقل الجنود، وذلك بواسطة والي مصر الروماني (اليوس جاليوس)، وكان يهدف من ذلك إلى استعراض القوة الرومانية في الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وذلك بغرض إرهاب كل من الأنباط واليمنيين، وقد خسرت هذه القوات العديد من سفنها عند انتقالها بين ميناء كيلو باتريس وميناء ليو كي كومي النبطي ووصلت الحملة حتى نجران وتعرضت للهزيمة وعادت إلى مصر مرة أخرى، وهذا الرقم الكبير للبوارج والسفن يدل على مقدرة النجار المصري والروماني في ذلك الوقت على إنجاز هذا الكم الكبير من السفن مختلفة الأحجام والأغراض، ويدل هذا الأمر أيضًا على وفرة المادة الخام من أخشاب وحبال وغيرها من مواد بناء هذه السفن بكثرة في مصر في العصر الروماني.
3_ ميناء أبو زنيمة
يُعدُّ واحد من الموانئ المصرية على قناة السويس، يقع في جنوب سيناء التي يتم من خلالها تصدير سبيكة الفيرومنجنيز (المانجنيز المطعم بالحديد)، وأصبح الميناء منفذًا مهمًا لتصدير المانجنيز في فترة الاحتلال البريطاني لمصر، ويوجد هذا المعدن في هذه المنطقة منذ عهد الأسر الحاكمة المصرية القديمة.
4_ ميناء فيلوتيرا - جواسيس
يُعدُّ ميناء فيلوتيرا واحدًا من الموانئ المهمة، وقد اهتم البطالمة بهذه الموانئ، وبالطرق الداخلية التي تربطها بالمناطق الداخلية، وذلك بغرض ترحيل السلع والبضائع من الساحل إلى مناطق الاستهلاك، كما قاموا بتعيين حاميات حربية على امتداد الطرق الداخلية وذلك بغرض حمايتها من اللصوص، وقاموا بتعيين شخص مسؤول عن تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي، مهمته متابعة التجارة بين الأقاليم الداخلية والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وارتبط هذا الميناء بحركة التعدين عن الذهب والمعادن الأخرى التي كانت تتم بالقرب منه، واستخدمه المصريون القدماء للانطلاق نحو بلاد (بونت)، وقد حدد بعض النصوص الهيروغليفية بلاد بونت بأنها المنطقة الواقعة بين بورتسودان حتى ميناء عقيق على الساحل السوداني، وقد أشار النص أيضًا إلى عودة هذه السفن سالمة مرة أخرى بعد رحلتها التجارية إلى بلاد بونت.
5_ ميناء القصير
تأسس قبل 5000 عام، عُرف عند قدماء المصريين باسم (ثاعو) و(إينوم)، وفي اللغة اليونانية عُرِفَ باسم (لوكوس ليمن) التي تعني الميناء الأبيض، وكذلك اسم (نيلو تراس)، يمتاز الميناء بموقع جيد يحميه من الرياح الشمالية والجنوبية التي تهب على موانئ البحر الأحمر، وتحميه المرتفعات التي حول الميناء من الرياح الغربية، ومن ميناء القصير انطلقت حملة الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت، وذلك في العام التاسع من حكمها، وفي فترة الملك رمسيس الثالث (1198-1166 ق.م) شهد الميناء حركة تجارية ضخمة من خلال السفن التي كانت تخرج إلى الجنوب، وتم إنشاء العديد من السفن في القصير لتقوم بمهام حمل السلع والبضائع.
وشهدت القصير كل الفترات التاريخية التي مرت بمصر منذ الحضارات المصرية القديمة، والفارسية، واليونانية، والبيزنطية، والمسيحية، والتاريخ الإسلامي وعرفت أيضًا باسم أرض المترجم حيث كان يوجد بها المترجمون الذين يعملون بمهنة الترجمة للتجار عندما يذهبون نحو الموانئ الجنوبية من البحر الأحمر مثل بلاد بونت واليمن والصومال، والهند.
زادت أهمية القصير التجارية في العهد الروماني، واليوناني. ولكنها هجرت في القرن الثالث الميلادي وظلت مهملة لما يقارب الألف عام، وانتعش الميناء مرة أخرى في القرن الخامس الميلادي، أصبحت القصير في العصر الفاطمي قبلة لحجاج المغرب العربي بين القرنين الخامس والسادس الهجري، وشهدت قمة ازدهارها في العصرين الأيوبي، والمملوكي. وبحلول القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي تراجعت أهمية الميناء بصورة كبيرة، بسب تحول طريق التجارة من جدة القصير إلى جدة الطور، وتحول ركب الحجاج المصريين إلى طريق ميناء العقبة الحجاز بعد زوال الخطر الصليبي، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1498م الذي أثر بصورة كبيرة على حركة السفن التجارية في ميناء القصير.
وبدأت القصير تستعيد جزءًا من مجدها القديم بحلول القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك بسبب التنافس البريطاني الفرنسي على طريق سريع للبريد بين أوروبا والهند وأصبحت واحدة من أهم موانئ البحر الأحمر بعد ذلك، واستمرت المدينة والميناء في أداء دورهما في البحر الأحمر حتى اليوم.
الفصل الخامس: موانئ الساحل الأوسط الغربي للبحر الأحمر
هي مجموعة الموانئ على الساحل السوداني عبر التاريخ التي بلغت قمتها في العهد البطلمي حيث شهد الساحل قيام العديد منها، وذلك بغرض الاستفادة من المنتجات السودانية المختلفة مثل الذهب، والأفيال، والمنتجات النباتية والحيوانية المختلفة، ويُعدُّ هذا الساحل من أفضل السواحل على امتداد البحر الأحمر والعالم أجمع لإنشاء الموانئ إذ حباه الله تعالى بتضاريس سهلة أسهمت في تميزه وتفرده بهذه الخاصية، وهي موانئ حلايب، وعيذاب، ودنقناب، وبورتسودان، وسواكن، وعقيق، وباضع وغيرها من الموانئ والمرافئ. ومن موانئ هذا الساحل الأوسط الغربي:
1_ ميناء برنيق - Berenike
أول ذكر للميناء في القرن الأول والثاني الميلادي، وقد كان مخصصًا من قبل البطالمة لتزويد جيوشهم بالأفيال من داخل الأراضي السودانية، وأصبح بعد ذلك واحدًا من أهم الموانئ على البحر الأحمر، ومن الأسماء التي أطلقت عليه ميناء الحبش، وميناء الساباي، وقد عرف سكان برنيق باسم (التجدايتو) وهي كلمة ذات أصل يوناني وتعني آكلي السمك ولهم علاقة ما بالبليمين، ويمتهن التجدايت تجارة الأحجار الكريمة واللبان مع موانئ البحر الأحمر. وشهد ميناء برنيق تطورًا كبيرًا من خلال توسع نشاطه التجاري في العهد الروماني، وأصبح من أهم الموانئ العالمية في ذلك الوقت، واستمر في أداء دوره التجاري لمدة ثمانية قرون. وقد دلت الكشوف الآثارية على الانفتاح التجاري الكبير وتوافد الناس إليه من مختلف مناطق العالم القديم، حيث وجد الفخار من بلاد الرافدين والجزيرة العربية، ومصر واليونان. كما تم العثور على عدد من الأحجار الكريمة والعديد من الخرز من مملكة مروي والصحراء الغربية للنيل.
أصبح ميناء برنيق ميناء عالمي يضم عددًا من الجنسيات المختلفة التي تمارس الأنشطة المختلفة أهمها التجارة، وأصبح يعج بحركة السفن التجارية، حيث أبحرت منه خلال ست سنوات 120 سفينة إلى الهند بواقع 17-20 سفينة في العام وهو رقم جيد بمقياس ذلك الوقت، يرجح توقف الميناء عن القيام بدوره التجاري في بداية القرن السادس الميلادي أي مع نهاية الحكم البيزنطي، وهذا مؤشر على انتعاش صناعة وصيانة السفن وتحديثها.
2_ ميناء حلايب Halayeb
يقع ميناء حلايب في مثلث حلايب السوداني في الجزء الشمالي الشرقي من السودان، ويضم المثلث ثلاث مناطق مهمة وهي حلايب وشلاتين وأبو رماد ويسكن مثلث حلايب قبائل البشاريين الذين عرفوا عبر التاريخ بتميز إبلهم(الإبل البشارية) وتمتد هذه القبيلة من حلايب شمالًا وحتى ميناء بورتسودان جنوبًا. وهناك أيضًا قبائل العبابدة والحماداب والشنيتراب، وشهدت المنطقة استيطان بشري منذ قديم الزمان، وقد أسهم توافر المعادن ووقوع الميناء على البحر الأحمر في أن يصبح واحدًا من أهم الموانئ السودانية. ويمارس أهل حلايب من قبيلة البشاريين مهنة الصيد البحري والرعي والتجارة، كما يوجد في المنطقة الكثير من المعادن مثل الذهب والحديد.
3_ ميناء عيذاب Aydhab
يقع في مثلث حلايب على الساحل السوداني ويبعد عن مدينة حلايب 23 كيلومترًا شمالًا، ويقال إن أصل التسمية يعود إلى نوع من الأعشاب يسمى (العيذاب) بلغة البجة سكان المنطقة الأصليين منذ القدم، والعيذاب من الأعشاب التي تنمو في المنطقة ويُعدُّ عيذاب من أقدم الموانئ على البحر الأحمر، وقد بدأ الميناء في أول الأمر كنقطة لتلبية احتياجات عمال الذهب في الصحراء الشرقية الذي يعملون في المنطقة حول عيذاب، وبمرور الوقت أصبح من أهم الموانئ للسفن القادمة من جنوب شبه الجزيرة العربية، والهند، وشرق أفريقيا.
ومن المجموعات السكانية التي سكنت حول عيذاب البجة، وقبائل جهينة وربيعة اللتان وفدتا من شبه الجزيرة العربية واستقرتا في المنطقة، وبمرور الوقت تزاوجت هذه المجموعات مع قبائل البجة، وبحلول القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي أصحبت عيذاب ميناء التعدين الأول في البحر الأحمر وملتقى للسفن القادمة من مختلف المناطق. وقد دلت كتابات الرحالة الذين زاروا الميناء في فترات تاريخية مختلفة على أن الميناء أصبح بمرور الوقت قبلة للسفن القادمة من الهند واليمن والمحملة بالبضائع، والتجار والمنقبين والباحثين عن الثراء في الصحراء الشرقية على الساحل السوداني، وكذلك أصبح ممرًا ومعبرًا مهمًا للحجاج القاصدين الأراضي المقدسة عبر البحر الأحمر.
وقد تطور هذا الميناء وازدهر بسبب تدهور الأوضاع في مصر في عهد الخليفة المنتصر بالله الفاطمي، وهو ما جعل السفن تتحول إلى ميناء عيذاب. وتحول قوافل الحجاج من العبور عبر صحراء سيناء إلى ميناء عيذاب في الفترة من (450 - 660هـ/ 1058-1261م)، وذلك بسبب السيطرة الصليبية على تلك المناطق، وأدى تدهور الأوضاع الأمنية في ميناء باضع إلى تحول السفن التجارية إلى هذا الميناء لتوافر الأمن من قبل قبائل البجا، وهو ما أسهم في استقرار المدينة بصورة ملحوظة. فضلًا عن ذلك فإن أسهم اللؤلؤ ووجود مغاص له حول الميناء في ازدهار المنطقة، فأصبح الميناء يستقبل كل عام أفواجًا من الحجيج المتوجهين للأراضي المقدسة، مما أسهم في تطور حركة النقل والتجارة، يمكن القول إن تميز الميناء وقربه من ميناء جدة وسواكن قد أسهم في انتعاشه وجعله قبلة للتجار والسفن من مختلف المناطق.
وقد تمكن البجة من القيام بصناعة المراكب في عيذاب واستخدموا في بنائها أخشاب أشجار الدوم وهي من الأشجار المتوفرة في المنطقة، كما استخدموا حبال التيل الذي يُعدُّ من أجود أنواع الحبال في ربط القوارب، وتمكنوا من خلال هذه القوارب من الاستفادة من خيرات البحر الكثيرة، وبمرور الوقت أصبح الميناء حلقة الوصل بين ساحلي البحر الأحمر. وعلى الرغم من الازدهار الكبير الذي شهده الميناء لفترة طويلة، إلا أنه تعرض في نهاية الأمر للتدهور والاضمحلال، وذلك بسبب فتح طريق الحج عبر صحراء سيناء بواسطة السلطان الظاهر بيبرس عام 1167م، والنزاعات القبلية التي دارت حول عيذاب أفقدتها حالة الأمن والاستقرار التي كانت تتمتع بها، ومن هذه الصراعات الصراع بين قبيلة جهينة ورفاعة في العام 1281م ونتيجة لذلك زاد التعدي على القوافل التجارية التي كانت تقصد المدينة، وأسهمت الحملة التي أرسلها السلطان برسباي في العام 1426م في تخريب المدينة وقتل أهلها ونتيجة لذلك فر من نجى منهم إلى سواكن، فضلًا عن الهجمات الصليبية على عيذاب التي أدت إلى تدمير عدد من السفن بالميناء، ونضوب مناجم الذهب حول عيذاب ووادي العلاقي التي كان لها الدور الكبير في انتعاشها اقتصاديًا في أوقات سابقة...
4_ ميناء أوسيف
يقع على بعد 260 كلم شمال ميناء بورتسودان، وتُعدُّ منطقة أوسيف من المناطق الغنية بالمعادن وتحديدًا الذهب، واهتم التجار الحضارمة بالميناء منذ وقت مبكر، حيث كانوا يقومون بتصدير الحديد من خلاله عبر شركة مساهمة عامة وذلك قبل استقلال السودان في العام 1956م، وقد تم اغلاق الشركة بسبب العدوان الثلاثي على مصر، وبعد ذلك انتشر الحضارم في جميع بقاع السودان، ويذكر أن الملك نمر مك قبيلة الجعليين قد عمل على تشجيع التجار الحضارم على العمل في السودان منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وكانوا قبل ذلك يعملون في التجارة مع الفونج ومصر ومملكة وداي (تشاد) عبر الأراضي السودانية.
5_ ميناء محمد قول
وهو من الموانئ المهمة التي يمارس سكانها حرفة صيد الأسماك عبر المراكب التي تغطي السوق المحلي والأسواق الخليجية وتحديدًا المملكة العربية السعودية حيث يتم تصدير أسماك الناجل السليماني الهامور، والشعري، والهريد.
6_ ميناء دنقناب (دنقلا)
ورد اسمه في الخرائط والمصادر القديمة مثل بوركهارت وغيره باسم ميناء دنقلا، وهو أقرب الموانئ السودانية إلى ميناء جدة، واشتهرت منطقة دنقناب عبر التاريخ بوجود اللؤلؤ بكميات كبيرة وحرفة صيد اللؤلؤ تحتاج لسفن ومراكب تعمل على اصطياده وجلبه إلى الساحل، وأيضًا اشتهرت المدينة بإنتاج الملح، الذي يُعدُّ من أجود أنواع الملح في المنطقة.
7_ ميناء أبو عامة
يقع على بعد 180 كلم شمال ميناء بورتسودان، وهو قريب من محمية دنقاب الطبيعية التي تُعدُّ من أميز المحميات الطبيعية على ساحل البحر الأحمر، يوجد بالقرب من ميناء أبو عامة ميناء محمد قول وميناء أوسيف، وهو من المراسي الطبيعة القديمة والمهمة في المنطقة، وتقطن في منطقة أبو عامة مجموعات من البشاريين والعبابدة.
وقد لعب الميناء دورًا مهمًا في عملية نقل الحجيج إلى الأراضي المقدسة.
8_ ميناء بورتسودان
يُعدُّ من الموانئ القديمة على البحر الأحمر، وكان يعرف بمرسى الشيخ (برغوت)، وتحول اسمه إلى ميناء بورتسودان ويرجع عهد الميناء تاريخيًا إلى عهد البطالمة، وفي عهد بطليموس الجغرافي (100 - 180م). ظهرت المدينة باسم (ثيرون سيتيرون)، ووصفها الملاح البرتغالي خوان دي كاسترو في العام 1540م باسم (تراديت)، وكان الميناء قبلة للتجار والبحارة الذين يرتادون ساحل البحر الأحمر، وظهر ميناء بورتسودان إلى حيز الوجود خلال الحكم الإنجليزي للسودان (1899-1956م) بمقترح من الحاكم العام (ونجت) (1900-1916م) في ذلك الوقت وبإشراف مباشر من للورد كرومر القنصل العام في مصر، وقد شجعت العديد من العوامل على قيام ميناء بورتسودان، ومنها: نمو الشعب المرجانية في ميناء سواكن الميناء التاريخي للسودان، وازدياد حركة التجارة العالمية التي تتطلب وجود ميناء حديث على البحر الأحمر، وقيام مشروع الجزيرة الذي وفر القطن للمصانع البريطانية، ورغبة الحكومة البريطانية في إنشاء ميناء جديد يستوعب السفن الكبيرة التي أصبحت الناقل الرئيس للسلع والبضائع بين الموانئ العالمية.
وتتم صناعة السفن في منطقة مخصصة تقع بالقرب من الميناء، وكذلك عملية الصيانة(القلافيط)، ويوجد هناك صُنَّاع مهرة، يتمتعون بخبرة واسعة في مجال صناعة السفن. ويستخدمون في صناعة السفن العديد من الأدوات مثل: القدوم، والفرار، والمنشار، والدواية (البرجل)، والشلمان يستخدم لتخطيط أعواد السفينة. وصناعة السفن في بورتسودان تحتاج لأدوات حديثة للمساهمة بها في تطوير عملية صناعة وصيانة السفن في الميناء.
9_ ميناء سواكن Suakin
تقع سواكن شرق السودان بين باضع وعيذاب وعلى مسافة 54 كيلومتر جنوب ميناء بورتسودان، وتتكون من جزيرة صغيرة ملاصقة للساحل والبر تسكنها قبائل البجا التي تُعدُّ من أقدم العناصر السكانية في السودان، ويربط جزيرة سواكن ممر مائي ضيق في شكل ذراع يسمح بمرور السفن إليه من البحر، وتُعدُّ مدينة سواكن من المدن السودانية المهمة صاحبة الماضي التليد والتاريخ العريق على مر العصور في البحر الأحمر، ولموقعها الجغرافي المميز كان لها دور كبير في خدمة الملاحة البحرية وحركة التجارة بين ساحلي البحر الأحمر والمناطق البعيدة مثل الصين والهند والملايو شرقًا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا غربًا. وقد ساعد موقع المدينة الجغرافي في أن تلعب دور الوسيط الناجح في تطوير حركة التجارة البحرية بين مناطق الشرق والغرب. كما أنها شكلت الرابط الحقيقي للعمق السوداني نحو الساحل وذلك عبر السلع والبضائع التي كانت تأتي من داخل العمق السوداني مثل مناطق دارفور وكردفان والشمالية وسنار إلى سواكن ليتم شحنها إلى الأسواق التجارية العالمية، كما أسهمت سواكن في تنشيط حركة التجارة الداخلية وذلك من خلال تسهيل دخول السلع الخارجية عبر الميناء، وقد عرفت سواكن منذ القدم محطة لخدمة السفن التجارية العابرة للبحر الأحمر حيث يتم تزويد هذه السفن بالمياه وبعض المواد الغذائية، كما أنها كانت من أفضل المراسي في البحر الأحمر للحماية من العواصف البحرية، وقد ورد ذكرها عند قدماء المصريين، والإغريق، والرومان والعرب، والأتراك العثمانيين، ويشار إلى أن اسمها مشتق من سواكن الجن، إذ سجن سيدنا سليمان عليه السلام الجن فيها، وقد ورد لها ذكر في التوراة. ويسكن مدينة سواكن خليط من الناس البجة الهدندوة والأمرار والبشاريين والحضارمة أهل حضرموت، وخليط من المجموعات العربية والأتراك الذين تناسلوا من الحامية التركية التي وفدت للمدينة في عهد السلطان سليم الأول.
وتمتاز سواكن بموقع استراتيجي، ولذلك سعى العثمانيون إلى تأسيس قاعدة عسكرية بها، لغرض منع وقوع تلك الموانئ في يد الأوربيين ليتخذوها قواعد لغزو البلاد العربية عمومًا وبلاد الحرمين على وجه التحديد، وشهدت سواكن خلال الفترة من القرن الخامس عشر الميلادي وحتى القرن التاسع عشر الميلادي تذبذب في مكانتها بوصفها ميناءً بين الصعود والهبوط، فهي تارة ميناء ضخم يمتلئ بالسفن من شتى بقاع المعمورة، وتارة يتقلص دور الميناء ليصبح مرفأ للسفن الصغيرة.
واستخدم سكان سواكن من البجا الحبال في صنع سفن الجلاب، وكانوا يخيطون سفنهم بخيوط جوز الهند، وقد علل المسعودي استخدام خيوط جوز الهند في سفن البحر الأحمر بأن مياه البحر تعمل على إذابة المسامير بسبب ملوحة مياهه، ولذلك تم استخدم الألياف بدلًا عن المسامير، وهناك شبه كبير بين السفن التي تصنع في عدن وينبع ومصوع وعصب وجدة وسواكن من حيث الأسماء ونوع الأخشاب وطريقة التصنيع ومن السفن التي عرفت في سواكن منذ قديم الزمان: الرمس يبلغ طوله 4م، والشتية يبلغ طولها 7م، والهوري يبلغ طوله 15 قدمًا، والسنبوك يبلغ طوله ما بين 40-60 قدمًا.
10_ ميناء ترنكتات
يقع شمال ميناء عقيق، ويقال في العهد البطلمي إن نهر خور بركة فاض حتى وصل إلى الميناء، وقد تمكن أصحاب السفن التجارية والبحارة والصيادون من ملء جرارهم بالمياه من هذا النهر، الميناء يقع بالقرب من طوكر وهي من المناطق الزراعية الخصبة في شرق السودان.
11_ ميناء عقيق - Aqiq بطليموس ثيرون
يقع جنوب ميناء سواكن، وهو من الموانئ القديمة، وتشير بعض الدراسات إلى أن تأسيس الميناء يرجع إلى بطليموس فيلاد فيوس الثاني، وكان يسمى ميناء بطوليمايس، ويقع الميناء في خليج بحري يوفر له الحماية الطبيعية وقد تم إنشاء هذا الميناء بغرض صيد وتصدير الأفيال من السودان، التي كان يتم استخدمها في الحرب. وهناك بعض الروايات التي تقول بأن الميناء يرجع إلى عهد سيدنا سلميان عليه السلام، وكان يستخدم كنقطة للتجارة على ساحل البحر الأحمر، وكانت له أهمية استراتيجية بحكم موقعه على ساحل البحر الأحمر.
كان ميناء عقيق بطليموس ثيرون من أهم الموانئ عند البطالمة، وبعد تقلص نفوذهم في سوريا واضمحلال نشاطهم التجاري في الخليج العربي، انتعشت مراكزهم في البحر الأحمر وتحديدًا الساحل السوداني، ولتأمين الميناء قام البطالمة بإنشاء قاعد حربية بغرض الحماية من الهجمات التي كان يشنها الأهالي، الذين كانوا على خلاف مع البطالمة. وبالإضافة للفيلة أشتهر الميناء بتصدير عدد من المنتجات مثل السلاحف العاج وغيرها من منتجات. وقد امتاز ظهير الميناء بوفرة هذه المنتجات التي كان يتم إحضارها عبر الخيول والأفيال.
12_ ميناء باضع badie
يقع جنوب ميناء عقيق على شاطئ جزيرة الريح في الحدود السودانية الأريتيرية، ويُعدُّ من الموانئ التي ظهرت في فترة العصور الوسطى، وقد شهد تطورًا كبيرًا في الفترة من 600 _ 1100هـ، وقد تميز بعلاقاته التجارية مع شبه الجزيرة العربية، ويُعدُّ من الموانئ المهمة على البحر الأحمر، وقد لعب العديد من الأدوار طوال خمسة قرون في فترة العصور الوسطى، ومن السلع التي كانت ترد إلى باضع من الموانئ المختلفة الأمشاط، والصوف، والقطن، والحيوانات، والرقيق، والإبل، وغيرها من المنتجات، ويصدر عبره الذهب، والزمرد، وسن الفيل، وريش النعام، والعنبر، والجلود، واللؤلؤ.
يتضح من خلال المنتجات التي يتم تصديرها عبر ميناء باضع تنوع هذه المنتجات وانتعاش الميناء بصورة كبيرة نتيجة لحركة السفن التي تعمل على الوصول إلى هناك بغرض نقل هذه السلع المتعددة الأمر الذي يشير إلى نمو وتطور صناعة وصيانة السفن في باضع، وتطور هذه الحرفة بمرور الوقت.
وبحلول القرن السادس الهجري كانت نهاية هذا الميناء، والمتتبع لتاريخ الموانئ السودانية باضع وعيذاب، يجد أن هناك عوامل مشتركة أدت إلى زوالهما من خارطة الموانئ الفاعلة على البحر الأحمر، وأبرزها عدم توافر الأمن والاستقرار بسبب الصراعات القبلية، ونضوب الموارد التي كانت سببًا في تطورها ويأتي في مقدمتها الذهب، وشحة المياه، وتفشي الأمراض كالملاريا.
الفصل السادس: موانئ الساحل الجنوبي الغربي للبحر الأحمر
يتناول هذا الفصل موانئ الساحل الجنوبي الغربي من البحر الأحمر، والذي يضم موانئ مصوع، وعصب، وأدوليس، وهي من أهم الموانئ في هذه المنطقة وقد عرفت منذ فجر التاريخ، وقد زادت أهميتها بعد ازدهار حركة التجارة بين موانئ البحر الأحمر والموانئ الأخرى في البحر الأبيض المتوسط، والخليج العربي وشرق آسيا. كما كان لهذه الموانئ علاقات تجارية قوية مع كل من موانئ عدن وجدة على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، وميناء سواكن والموانئ الشمالية من البحر الأحمر منذ قديم الزمان، وكان يتم عبرها تصدير التوابل والأخشاب والمنتجات النباتية الأخرى، وتقوم باستيراد ما تحتاجه من منتجات وسلع ضرورية.
1_ ميناء مصوع
وهو من أقدم موانئ إريتريا، وقد كانت مصوع العاصمة التاريخية للدولة حتى مجيء الاستعمار الإيطالي، وهناك بعض الإشارات إلى أن مصوع يرجع تاريخها إلى عصر الفراعنة، الذين وصلت سفنهم إلى بلاد (بونت)، وقد حصلوا على العديد من المنتجات عبر مصوع منها: البخور، والذهب، والعاج، والأخشاب، والتوابل، الأعشاب العطرية، والحيوانات الأليفة مثل الثيران، والكلاب، والحمير، وكذلك القرود. كما عرفت مصوع كميناء تجاري في عهد البطالمة. وشهد الميناء تصدير العديد من المنتجات عبر تاريخه الطويل مثل الموز، والنحاس، والحبوب، والعسل، والجلود، والذرة، والملح، وغيرها من المنتجات. كما أن الميناء أصبح منفذًا مهمًا للمناطق الداخلية التي عملت على تصدير منتجاتها عبره. وقد شهد الميناء حركة كبيرة من السفن التجارية مختلفة الأحجام تقوم بنقل هذه السلع الأمر الذي أسهم بصورة كبيرة في تطور صناعة السفن في مصوع.
2_ ميناء عصب
لقد كان للمملكة الإيطالية طموحًا باحتلال شريط على ساحل البحر الأحمر، وتجدد هذا الطموح بعد الإعلان عن شق قناة السويس، وذلك لتحقيق العديد من المهام، التي منها: أن تصبح هذه المنطقة، محطة لسفنهم المتجهة إلى الهند بعد افتتاح قناة السويس، وتسهيل مهمة حصول سفنهم على المياه والطعام بكل سهولة بعد ذلك، وإقامة وكالة تجارية هناك. وقد دفع إحساس النقص لدى إيطاليا تجاه حركة الاستعمار التي انتهجتها أوروبا في القارة الإفريقية إلى المضي قدمًا لتحقيق هذا الحلم، وهو وجود موطئ قدم لها في البحر الأحمر، ولتحقيق هذا الحلم زار القس الإيطالي (سابيتو) البحر الأحمر لأول مرة في العام 1838م، ونزل في ميناء مصوع ووصل حتى منطقة عدوة التي دارت فيها المعركة المشهورة بين الأحباش والقوات الإيطالية، وعاد في العام نفسه إلى إيطاليا ثم تكررت زيارته الساحل البحر الأحمر، وتمكن بعد ذلك من مقابلة الملك عمانويل ورئيس وزرائه في العام 1866م، بغرض إقناعهم على إنشاء مستعمرة إيطالية على البحر الأحمر وتحديدًا في منطقة رأس عميرة، وتم إرسال سفينة حربية للمنطقة بغرض دراسة أنسب مكان لقيام ميناء بالقرب من باب المندب، وعادت السفينة في العام 1866م، وتم تقديم تقرير مفصل عن أنسب منطقة لقيام الميناء المقترح وهي منطقة خليج (شويتل)، والتي كانت تتبع للسيادة المصرية التي غضت الطرف عن هذا المقترح لأنها لا ترغب في دخول في صراع مع إيطاليا في تلك المنطقة، وفي 15 نوفمبر 1869م تمكن القس (سابيتو) واللواء البحري الإيطالي (أكتون) من مقابلة زعيم قبيلة (الدناكل)، الذي تقع المنطقة المحددة ضمن نفوذه وتمت علمية الشراء باسم الشركة الإيطالية على أن يتم تحويلها بعد على ذلك إلى مستعمرة إيطالية، وقد تم ذلك في روما في 10 مارس 1882م.
3_ ميناء أدوليس - زولا
يقع إلى الجنوب من ميناء مصوع بمسافة عشرين كلم بين قريتي زولا وأفتا، ويعد من أهم الموانئ على البحر الأحمر في منصف القرن الثالث ق.م. وقد ذكر صلاح الدين الشامي إن الميناء تم تأسيسه على فترات تاريخية المجموعات كثيرة، والتي من أبرزها المجموعات العربية، والمصرية، والمروية في السودان. وعندما حاول الرومان توثيق علاقتهم بمملكة أكسوم بغرض القضاء على حركات البجا والنوبة على ساحل البحر الأحمر ونهر النيل وفتح الطريق التجاري إلى داخل القارة الأفريقية، نجحوا في ذلك في العام 175م في عهد الإمبراطور أورليان واستمر التواصل التجاري بين الجانبين. وقد استفاد الرومان من ميناء عدوليس بصورة كبيرة، حيث كان يعد من أهم موانئ البحر الأحمر في تجارة الرقيق، وكانت ترد إليه معظم منتجات وسط وشرق أفريقيا، وقد نتج عن التقارب الروماني الأكسومي أن شن الملك عيزانا ملك أكسوم حملة في العام 356م تمكن من خلالها القضاء على مملكة مروي.
يعد ميناء أدوليس من موانئ البحر الأحمر التي اشتهرت بالتعامل التجاري بصورة كبيرة مع ميناء عدن وغيره من الموانئ، حيث كان أهل عدن وما حولها يحضرون إلى ميناء عدوليس بغرض إحضار العديد من المنتجات التي اشتهر بها الميناء ومناطق شرق أفريقيا، كما أن السفن اليمنية كانت تأتي محملة بالبضائع التي يتم تفريغها ثم أخذ غيرها من منتجات الأمر الذي أسهم في انتعاش التجارة بين الميناءين. ومن السلع التي أشتهر بتصديرها عبر ميناء أدوليس الجلود، والقواقع الحمراء التي كانت تستخدم في الصباغة، والرقيق، وعاج وحيد القرن.
ومن السلع التي اشتهرت أدوليس بتصديرها إلى الخارج والتي في معظمها منتجات سودانية وحبشية مثل سن الفيل، وريش النعام، وقرون الخرتيت، والأصداف، وتم السماح لمجموعات كبيرة من الهنود بالوصول إلى الميناء والاستقرار فيه وعمل على نقل البضائع منه إلى الهند وغيرها من الموانئ، ونتيجة للانفتاح التجاري انتعشت الميناء وأصبح قبلة لجميع التجار من مختلف الجنسيات.
4_ ميناء جيبوتي
يُعدُّ الرئيس لجيبوتي ويقع على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وهو من أهم الموانئ التي تقع على الضفة الغربية هذا البحر، وبعد افتتاح قناة السويس في العام 1869م قامت بريطانيا بشراء قطعة أرض في مدخل تاجوراء جيبوتي، ونتيجة للتنافس البريطاني الفرنسي حول البحر الأحمر ومدخله الجنوبي قامت الأخيرة بشراء قطعة أرض من قبائل العفر (الدناكل) في جيبوتي حيث تمكنوا من شراء منطقة ميناء (أوبوك) الذي يقع على الساحل الشمالي لخليج تاجوراء. وشكل باب المندب نقطة اتصال مهمة للسفن منذ قديم الزمان بين جيبوتي والموانئ العربية على الساحل اليمني وغيرها من موانئ الساحل الشرقي من البحر الأحمر، كما أن هذه المنطقة كانت نقطة تواصل بين ساحلي البحر الأحمر منذ وقت مبكر. ومن أهم المنتجات التي يقوم الميناء بتصديرها إلى عدن وغيرها من الموانئ الجلود المدبوغة والبن، وتأتي السفن بعد ذلك وهي محملة بالأقمشة، ومواد الصباغة، والتمور، والأرز، والتوابل والذرة، وقد انتعشت التجارة بصورة كبيرة بين جيبوتي واليمن بسبب القرب الجغرافي، وتوافر كميات كبيرة من السفن التي أسهمت في نقل هذه السلع.
5_ ميناء تاجورة
يُعدُّ من أقدم الموانئ في جيبوتي ويعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، شكل ميناء تاجورة الذي يقع على مدخل البحر الأحمر والذي يمتاز بموقع استراتيجي نقطة تجارية مهمة بين جيبوتي وأثيوبيا، وكان يطلق عليها مدينة الأبيض بسبب وجود الكثير من المنازل ذات الطلاء الأبيض، يطل الميناء والمدينة على خليج تاجورة. ويأتي ميناء تاجورة في المركز الثاني بعد ميناء جيبوتي الميناء الرئيس، ويتميز بوجود أهم حرفتين في المنطقة وهما: صيد الأسماك، وصيد اللؤلؤ. ونتيجة للتسابق الاستعماري البريطاني الفرنسي في منطقة القرن الأفريقي وجيبوتي سعت فرنسا إلى تحجيم الهيمنة البريطانية على تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبحلول العام 1881م تمكنت فرنسا من توقيع عدد من الاتفاقيات مع الزعامات المحلية في جيبوتي لتعمل بعدها على إنشاء ميناء (أبخ) في شمال جيبوتي وعند مدخل البحر الأحمر.
6_ ميناء أوبوك
يرجع أصل هذا الميناء إلى قطعة الأرض التي اشترتها فرنسا من قبائل الدناكل في العام 1862م، وفي العام 1892م أعلنت فرنسا الحماية على جيبوتي ليتم بعد ذلك استخدام الميناء من قبل الفرنسيين. وكانت القوارب تعمل على نقل الأسلحة الفرنسية التي تأتي إلى ميناء جيبوتي أو مسقط إلى ميناء (أبوك) ليتم بيعها بعد ذلك للأهالي، وقد كانت هذه المراكب نفسها تقوم بنقل الأسلحة إلى الساحل الصومالي والخليج العربي.
مما سبق نجد إن المراكب والسفن الشراعية أسهمت في إنعاش حركة التجارية بين موانئ جيبوتي والموانئ الصومالية والموانئ الشمالية من البحر الأحمر وموانئ الخليج العربي.
الفصل السابع: أدوات صناعة السفن
تم استخدام العديد من الأدوات في صناعة السفن الخشبية (القلافة) في ساحل البحر الأحمر والخليج العربي وغيرهم من المناطق الساحلية التي عرفت هذه المهنة، ولأن لكل حرفة ومهنة أدواتها. فإن أدوات صناعة السفن في هذه المنطقة تعددت وتشابهت بصورة كبيرة، ويمكن القول إنها تتطابق ومرد ذلك أن المهنة واحدة والشعوب التي تقطن على ساحلي البحر الأحمر والخليج العربي واحدة، والتفاعل والتواصل الحضاري والتجاري والثقافي بينهم يرجع لقديم الزمان. كما أن العديد منهم تنقل بين موانئ الساحلين وطاب المقام لبعضهم واستقر العديد منهم على امتداد البحر الأحمر والخليج العربي. الناظر إلى أدوات صناعة السفن في البحر الأحمر والخليج العربي يجد أنها تنوعت وتعددت بصورة كبيرة، وذلك لأن لكل واحد منها دور ومهمة يقوم بها في عملية صناعة السفينة، ولكل نجار أو معلم أدواته الخاصة التي يحتفظ بها في مكان عمله ويتوارثها الأبناء عن الآباء، ولذلك نجد أن العديد من الأسر التي امتهنت صناعة السفن عملت على الاحتفاظ بهذه الأدوات حتى يومنا، وهذا أصبح جزءًا من تاريخ وماضٍ جميل لهذه الأسر، حتى وإن ترك بعضهم مزاولة هذه المهنة لأسباب وعوامل كثيرة، ولذلك نجد الاهتمام الواضح بمعدات النجارة وصناعة السفن في هذه المنطقة وأصبح الاحتفاظ والاعتناء بها يُعدُّ جزءًا من بر الأبناء لآبائهم، الذين عملوا في هذه المهنة، ونجحوا في تربية أبنائهم من خلالها؛ لهذا توجد العديد من الأسر العريقة، التي امتهنت هذه الحرفة حتى يومنا هذا وكثير منها أخذ اسم النجار من خلال عمله في مهنة صناعة السفن والصناعة الأخرى المرتبطة بها.
الأدوات التي تستخدم في صناعة السفن في ميناء المعلا - عدن وموانئ البحر الأحمر
تم استخدام العديد من الأدوات في صناعة وصيانة السفن في ميناء عدن وغيرها من الموانئ اليمنية، وموانئ البحر الأحمر، والخليج العربي، ومن هذه الأدوات:
_ الخلخال عبارة عن مقدح يقوم بخلخلة الأخشاب وثقبها بغرض إدخال المسمار.
_ المقدح: منها المجدح أبو قوس وهو أداء تستخدم لثقب الأخشاب بواسطة القوس.
_ البلد: الشاقول: آلة تستخدم لضبط ألواح السفينة في أثناء البناء رأسياً.
البلطة والقدوم: أداة تستخدم لسحت الأخشاب ونحتها.
_ القدوم: هو عبارة عن فأس من الحديد ذات حافة حادة يستخدم في تسوية سطح الأخشاب التي تستعمل في صنع السفينة.
_ الجرميت: وهو أداة حديدية حلزونية تستخدم لثقب الأخشاب.
_ المناشير في صناعة السفن هناك العديد من أنواع المناشير، التي تستخدم في صناعة السفن، وأكبر هذه المناشير، منشار أبو قعاده، ومنشار أبو نفرين، الذي يتم استخدمه من قبل شخصين. فضلًا عن منشار جرة.
المناقب: هناك العديد منها التي تستخدم في صناعة السفن.
الكلبة: (كمَّاشة) من الأدوات التي تستخدم في صناعة السفن.
_ الدواة والقلم: يستخدمان لأخذ قياس ربط ألواح الأخشاب.
_ ماكري: يستخدم لضبط الألواح فوق بعضها بعض.
_ الفارة: تستخدم لعملية تنعيم الأخشاب.
والبيكار، وهو الفرجال، والصبرة لخلع المسامير، والفوت...
ومن الأدوات التي تستخدم أيضاً في صناعة السفينة، غير التي تمت الإشارة إليها ميزان رمي السفينة يستخدم لضبط درجة الميل لضبط درجة الميل وهو عبارة عن قطعة خشبية أو معدنية مثلثة الشكل مدرجة ومقسمة إلى علامات تدرج، وبها ثقل يدلى منه حبل رفيع في نهاية الثقل، والخرمة التي تستخدم لقياس أضلاع السفينة، وهناك أيضاً (الكوبار) الذي يستخدم لفك الألواح أو رفعها.
ولصناعة سفينة محددة يتم الاتفاق بين المعلم والتاجر أو الشخص الذي يرغب في صناعة السفينة له وفق ضوابط محددة ومتعارف عليها، وبعد الاتفاق على شكل السفينة ونوعها وحجمها يتم تكليف التاجر بإحضار الأخشاب والمسامير وغيرها من الأدوات التي تحتاجها السفينة حتى يتم إنجازها بالصورة المثلى، وكانت تتم علمية تشييد السفينة على أربع مراحل لكل مرحلة عمالها المهرة الذين يقومون بتأديتها على أكمل وجه، وقد يستغرق صنع السفينة الخشبية الكبيرة مدة عامين تظل فيهما السفينة عرضة للشمس حتى تلتحم أخشابها، وبعد الانتهاء من صنع السفينة يتم طلائها بزيت السمك، ويتم إنزالها إلى البحر بعد أن يتم ذبح كبش أو ماعز ليأكله صناعها، وذلك بغرض أن لا تكون السفينة عرضة للمخاطر في المستقبل.