تطورات اقليمية
"مأزق سعودي في اليمن"..
نهج سعودي “صدامي” في اليمن يفاقم الانقسام ويعيد إنتاج الفشل (مصادر غربية)
السعودية تضيّق الملف اليمني وتواجه مأزق أهداف وغضب شعبي - أرشيف
كشفت مصادر دبلوماسية غربية مطلعة على المشهد اليمني أن الدوائر السعودية تتعامل مع التطورات الأخيرة في اليمن بحالة من التوتر والقلق، وسط تضييق شديد على دائرة المسؤولين المخولين بالتعاطي مع الملف، في مؤشر على حساسية المرحلة داخل الرياض وارتفاع مستوى المخاوف من مسار الأحداث.
وبحسب المصادر، فإن الانتقادات داخل الأوساط الدبلوماسية الغربية لا تتعلق فقط بالنتائج، بل بـطريقة إدارة الملف، حيث اعتبر بعض المتابعين أن الإجراءات التي اتُخذت ضد المجلس الانتقالي الجنوبي “تمت بأسلوب صدامي وغير محسوب”، ما يفتح الباب أمام ارتدادات سياسية وشعبية يصعب احتواؤها لاحقًا.
وتشير المعلومات إلى أن تقييمات غربية ترى أن أي مقاربة انفعالية أو تصعيدية في اليمن ستؤدي إلى تكرار الفشل، لأن الملف اليمني بطبيعته لا يستجيب للقرارات السريعة أو محاولات فرض الواقع بالقوة السياسية، خصوصًا في ظل تركيبة الجنوب وتعقيداته.
وتذهب بعض التحليلات الدبلوماسية إلى أن استمرار هذا النهج قد يضع الرياض أمام مأزق مزدوج: فشل في تحقيق الأهداف… وتصاعد في الغضب الشعبي داخل الجنوب، بما يحوّل اليمن من ورقة نفوذ إلى ورقة استنزاف.
في موازاة ذلك، تقول المصادر إن رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي بات يمسك بخيوط القرار داخل الشرعية بصورة غير مسبوقة، وهو ما كان يسعى إليه منذ فترة، حيث سبق وأن طرح هذا التوجه في لقاءات متعددة مع دبلوماسيين وسفراء.
وبحسب التقديرات الغربية، فإن المشهد داخل مجلس القيادة يميل إلى التحول نحو مركزية حادة في القرار، بحيث لم يعد المجلس يُدار بمنطق “الشراكة”، بل بمنطق “القرار الواحد”، مع تراجع واضح لأدوار بقية الأعضاء.
وتضيف المعلومات أن بعض التعيينات الأخيرة تُقرأ في هذا السياق، باعتبارها تعزيزًا لموقع العليمي أكثر من كونها إصلاحًا لمؤسسات الدولة، ما يرفع مستوى القلق من أن تتحول الشرعية إلى هيكل سياسي “تابع” لا يمتلك قدرة ذاتية على إدارة الدولة أو احتواء الأزمات.
و تحدثت مصادر سياسية عن خلافات متصاعدة بشأن توزيع الحقائب السيادية في التشكيلة الحكومية القادمة، وسط تنافس حاد بين مراكز النفوذ على وزارات الخارجية والدفاع والداخلية والمالية.
وبحسب معلومات متداولة، فإن هناك توجهاً لإسناد وزارتي الخارجية والداخلية لتمثيل جنوبي، مقابل إبقاء وزارتي الدفاع والمالية ضمن الحصة الشمالية، وهو ما فتح الباب أمام اعتراضات داخلية وصراعات شخصية بين قيادات بارزة.
كما تشير المعطيات إلى أن هذه الخلافات لا تعكس صراع مناصب فقط، بل تعكس أزمة أعمق: وفي السياق ذاته، أفادت مصادر متابعة أن نقاشات دارت في أوساط بحثية واقتصادية غربية خلال الأيام الماضية، خلصت إلى أن القرارات السعودية في الملف اليمني بدت عاطفية أكثر من كونها قرارات مرشدة، وهو توصيف يتكرر في أكثر من دائرة غربية ترى أن إدارة الأزمات الكبرى لا تتم بردات فعل أو حسابات قصيرة المدى.
وتعتبر هذه الدوائر أن أي محاولة لإعادة هندسة الجنوب سياسيًا بالقوة ستنتج نتيجة واحدة: تعقيد الأزمة بدل حلها، وتوسيع فجوة الثقة بين الشارع الجنوبي ومراكز القرار.
وفي واشنطن، تقول مصادر مهتمة بالملف اليمني إن هناك حالة تساؤل داخل دوائر المتابعة: ماذا تريد السعودية أن تحقق من هذا الاندفاع المتزامن في اليمن والسودان والصومال؟
وتشير هذه الأوساط إلى أن الخطاب السعودي حول “مكافحة الإرهاب” لا يبدو كافيًا لإقناع الشركاء الغربيين، خصوصًا عند مقارنته بمستوى التعاون الاستخباراتي والعملياتي المتقدم الذي تقوده دول أخرى في المنطقة ضمن ملف مكافحة الإرهاب.
وتلفت المصادر إلى أن مؤشرات الارتباك ظهرت منذ اليوم الأول للتصعيد، عندما انعكست الإجراءات السياسية على الأرض بشكل مباشر، قبل أن تتدخل المظاهرات الواسعة لتفرض معادلة جديدة، دفعت بعض الأطراف إلى محاولات احتواء سريعة لتخفيف آثار الصدمة.
وتخلص مصادر دبلوماسية غربية إلى أن اليمن يدخل مرحلة جديدة عنوانها: جنوب أكثر حضورًا في الشارع، وشرعية أكثر انقسامًا في الداخل، ورياض أكثر توترًا في القرار.
وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن أي محاولة لتجاوز القوى الفاعلة على الأرض لن تنتج استقرارًا، بل ستفتح الباب أمام موجة جديدة من التصعيد الشعبي والسياسي، خصوصًا مع تزايد القناعة بأن الجنوب بات طرفًا لا يمكن تهميشه أو اختصاره في ترتيبات شكلية.