أنشطة وقضايا

“الخدمة الخاصة” ثمن المساعدة..

شهادات نساء غـ ـزة: تلميحات واشتراطات مهينة مقابل إدراج الأسماء في قوائم المساعدات

نساء غــ ـــزّة يرفعن أصواتهنّ في وجه الاستغلال في توزيع المساعدات

عمان

في خضم الكارثة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها قطاع غزة، حيث تتداخل آثار الحصار الطويل مع تبعات الحرب والدمار الواسع، برزت في الأسابيع الأخيرة قضية بالغة الخطورة تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق النساء، ارتُكبت في سياق يفترض أن يكون إنسانيًا بحتًا. فقد خرجت شهادات متطابقة لنساء تحدثن عن تعرضهن للابتزاز والتحرش والاستغلال أثناء محاولتهن الحصول على مساعدات غذائية وطبية، في واقع يكشف هشاشة منظومة الحماية، وغياب آليات المساءلة، وتفكك القيم الإنسانية في لحظة احتياج قصوى.

هذه الشهادات لم تأتِ من فراغ، بل من واقع يومي قاسٍ تعيشه آلاف النساء اللواتي يجدن أنفسهن معيلات لأسر كاملة، في ظل فقدان الأزواج، أو البطالة القسرية، أو النزوح المتكرر، أو العجز التام عن توفير أبسط مقومات الحياة. وفي هذا السياق، تتحول المساعدات الإنسانية من حق إنساني أساسي إلى أداة ضغط، تُستخدم أحيانًا لإخضاع النساء وإذلالهن، بدل أن تكون وسيلة لحمايتهن.

 

تروي نساء من مناطق مختلفة في القطاع أنهن تعرضن لأشكال متعددة من الانتهاكات أثناء محاولاتهن الوصول إلى المساعدات. بعض الشهادات تحدثت عن تلميحات غير أخلاقية، وأخرى عن اشتراط “الخدمة الخاصة” أو “العلاقة” مقابل إدراج الاسم في قوائم المستفيدين، أو تسريع الحصول على المواد الغذائية والدوائية. وفي حالات أخرى، أشارت نساء إلى فرض مبالغ مالية إضافية أو اقتطاع جزء من المساعدات، مقابل السماح لهن بالوصول إلى نقاط التوزيع.

تؤكد معظم الشهادات أن هذه الانتهاكات لا تُمارس بالضرورة من جهة واحدة، بل تتورط فيها أطراف متعددة: أفراد نافذون في لجان توزيع، وسطاء، تجار، أو أشخاص يملكون سلطة فعلية على الميدان، سواء كانت رسمية أو غير رسمية. هذا التعدد في مصادر الانتهاك يعكس عمق الخلل البنيوي في منظومة توزيع المساعدات، ويجعل محاسبة المسؤولين أكثر تعقيدًا.

وتشير نساء إلى أن الصمت كان في السابق وسيلة “حماية”، خوفًا من الفضيحة الاجتماعية، أو من الحرمان التام من المساعدات في حال تقديم شكوى. غير أن تفاقم الانتهاكات، وتكرارها، ووصولها إلى حد المساس المباشر بالكرامة الإنسانية، دفع كثيرات إلى كسر هذا الصمت، رغم المخاطر النفسية والاجتماعية التي تترتب على ذلك.

 

بحسب المعايير الدولية لحقوق الإنسان، تُعد المساعدات الإنسانية حقًا أساسيًا للفئات المتضررة في النزاعات المسلحة، ولا يجوز ربطها بأي شروط تمييزية أو استغلالية. غير أن الواقع في غزة يكشف فجوة واسعة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي، خاصة في ظل انهيار مؤسسات الرقابة، وشح الموارد، وتداخل العمل الإنساني مع المصالح السياسية والاقتصادية.

في حالات كثيرة، تصبح المساعدات سلعة نادرة، تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق الاحتياج، ما يفتح الباب أمام ممارسات فاسدة، يكون ضحيتها الأولى النساء. فالعوز الشديد، وانعدام البدائل، والخوف من الجوع أو المرض، كلها عوامل تُضعف قدرة النساء على الرفض أو التبليغ، وتضعهن في موقع هشّ يسهل استغلاله.

وتشير منظمات محلية إلى أن غياب الشفافية في آليات التسجيل والتوزيع، وعدم وضوح المعايير المعتمدة لتحديد المستفيدين، يساهمان بشكل مباشر في تفشي هذه الانتهاكات. كما أن ضعف التنسيق بين الجهات الإنسانية، وغياب آليات الشكاوى الآمنة، يعززان ثقافة الإفلات من العقاب.

 

لا تقتصر آثار هذه الانتهاكات على الجانب المادي أو الجسدي، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية عميقة. فالنساء اللواتي تعرضن للتحرش أو الابتزاز يعانين من شعور دائم بالذنب والخوف والعار، حتى وإن كنّ ضحايا. هذا الشعور يتفاقم في بيئة اجتماعية محافظة، حيث تُحمّل المرأة غالبًا مسؤولية ما تتعرض له، بدل مساءلة الجناة.

كما تؤدي هذه الانتهاكات إلى تقويض ثقة النساء بالمؤسسات الإنسانية، وتدفع بعضهن إلى العزوف عن طلب المساعدات، رغم حاجتهن الماسة إليها، خوفًا من التعرض لإذلال جديد. وفي حالات قصوى، تضطر بعض الأسر إلى إرسال أطفالها بدل النساء إلى نقاط التوزيع، في محاولة لتجنب المخاطر، ما يعرّض الأطفال بدورهم لأشكال أخرى من الانتهاكات.

 

تضع هذه الوقائع مسؤولية كبيرة على عاتق جميع الجهات المعنية بالعمل الإنساني في غزة، سواء كانت محلية أو دولية. فالصمت أو التغاضي عن هذه الانتهاكات يرقى إلى مستوى التواطؤ غير المباشر، خاصة إذا استمرت الممارسات ذاتها دون محاسبة.

المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإدانة عامة، بل اتخاذ خطوات عملية، تبدأ بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الادعاءات، وضمان حماية الشهود والضحايا من أي أعمال انتقامية. كما يتوجب إنشاء آليات شكاوى آمنة وسرية، تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية، وتُمكّن النساء من الإبلاغ دون خوف.

كذلك، من الضروري إعادة هيكلة منظومة توزيع المساعدات، عبر توحيد المعايير، وتوثيق الإجراءات، وإشراك جهات رقابية مستقلة، بما في ذلك منظمات نسوية وحقوقية محلية، لضمان نزاهة العملية وعدالتها.

 

إن خروج نساء غزة إلى العلن، رغم كل ما يحيط بهن من مخاطر، يمثل فعل شجاعة بامتياز. فهو لا يعكس فقط رفضًا للاستغلال، بل إصرارًا على استعادة الكرامة الإنسانية في أكثر اللحظات قسوة. هذه الأصوات، التي طال إسكاتها، تحمل رسالة واضحة مفادها أن المعاناة لا تبرر الانتهاك، وأن الحاجة لا تلغي الحق.

صوت المرأة الغزّية اليوم هو نداء للعدالة، والمحاسبة، وإعادة الاعتبار للقيم الإنسانية التي يفترض أن تحكم العمل الإغاثي. وهو أيضًا اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع المحلي والدولي بحماية الفئات الأكثر هشاشة، ليس بالكلمات، بل بالأفعال.

إن ما تكشفه شهادات نساء غزة ليس مجرد حوادث فردية، بل مؤشرات على خلل عميق في منظومة إدارة الأزمة الإنسانية. معالجة هذا الخلل تتطلب إرادة سياسية، ومهنية إنسانية، واستعدادًا حقيقيًا لمواجهة الفساد والاستغلال، مهما كانت الجهة المتورطة.

في زمن الكارثة، تصبح حماية الكرامة الإنسانية أولوية لا تقل أهمية عن توفير الغذاء والدواء. وأي عمل إنساني يفقد هذا البعد، يتحول من وسيلة إنقاذ إلى أداة أذى. نساء غزة اليوم لا يطلبن امتيازًا، بل حقًا بسيطًا: أن تصل المساعدة إليهن دون ثمن مهين، ودون خوف، ودون انتهاك.

محمد بن حمد الشرقي يفتتح الدورة 12 من “بلاتفورم 09” لتعزيز ريادة الأعمال والابتكار


نائب أوروبي: انسحاب الإمارات من الجنوب خلق فراغًا أمنيًا يهدد الملاحة في البحر الأحمر


من الردع إلى الاحتواء: كيف ينعكس التوتر الأميركي–الإيراني على اليمن والعراق؟


إيران على أعتاب الانفجار.. من "أكياس الموت" في كهريزك إلى العزلة المطلقة في جنيف