تطورات اقليمية
فتح مرحلة جديدة من الحراك الجنوبي..
اجتماع المكلا يعكس تحول الانتقالي نحو التصعيد الشعبي والسياسي في حضرموت
جانب من اجتماع «انتقالي حضرموت»
انعقاد أول اجتماع للهيئات القيادية للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت منذ مطلع العام يعكس تحولًا في إيقاع العمل السياسي داخل المحافظة، ويكشف عن محاولة واضحة لإعادة ترتيب الصفوف بعد التطورات الأخيرة في عدن وما رافقها من إجراءات اعتبرها المجلس تضييقًا على نشاطه. اختيار المكلا لعقد الاجتماع يمنح الخطوة بعدًا رمزيًا، إذ تمثل حضرموت إحدى أهم الساحات التي يسعى الانتقالي إلى تعزيز حضوره فيها ضمن معادلة الجنوب المعقدة.
الاجتماع لم يقتصر على تقييم الأداء التنظيمي، بل ركّز على رسم ملامح مرحلة قادمة عنوانها رفع مستوى الحراك السلمي، وهو ما يظهر في الدعوات إلى تشكيل مجالس تصعيد في المديريات المختلفة. هذه الدعوات توحي بأن المجلس يحاول الانتقال من حالة رد الفعل إلى المبادرة السياسية، مستفيدًا من حالة الاحتقان الشعبي لإعادة تنشيط قاعدته الجماهيرية في حضرموت.
تصريحات القيادات المشاركة حملت خطابًا تعبويًا واضحًا، إذ جرى الحديث عن اصطفاف واسع خلف قيادة المجلس، مع التأكيد على أن إغلاق المقرات لن يوقف العمل السياسي. هذا الخطاب يعكس إدراكًا بأن المعركة الحالية ليست ميدانية فقط، بل تتعلق أيضًا بإعادة بناء الشرعية الشعبية داخل المحافظات الجنوبية، خصوصًا في المناطق التي تشهد تنافسًا بين قوى متعددة على النفوذ السياسي والعسكري.
من زاوية تحليلية، يبدو أن الانتقالي يسعى إلى تحويل حضرموت إلى نقطة ارتكاز جديدة في معادلة الضغط السياسي، مستفيدًا من خصوصية المحافظة الاجتماعية والقبلية وقدرتها على إنتاج زخم سياسي واسع. الدعوة إلى المليونيات والتصعيد السلمي تشير إلى محاولة نقل المعركة إلى مستوى الشارع، وهو أسلوب سبق أن استخدمه المجلس لإعادة ضبط موازين القوى عندما شعر بتراجع مساحة نفوذه داخل المؤسسات الرسمية.
في المقابل، فإن الاتهامات الموجهة لقوى سياسية وعسكرية أخرى تعكس عمق الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وهو انقسام لا يقتصر على الخطاب الإعلامي بل يمتد إلى الصراع على إدارة المناطق الحيوية في الجنوب. هذه المعادلة تجعل أي تصعيد شعبي في حضرموت ذا تأثير يتجاوز حدود المحافظة، إذ يمكن أن يعيد رسم خريطة التحالفات المحلية ويضغط على مراكز القرار في عدن.
التأكيد المتكرر على الطابع السلمي للحراك يحمل رسالة مزدوجة؛ فمن جهة يسعى المجلس إلى الحفاظ على صورة سياسية أمام المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى يترك الباب مفتوحًا أمام خيارات تصعيدية إذا ما استمرت الضغوط السياسية. هذا التوازن بين الخطاب السلمي والنبرة الثورية يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يعيشها المجلس بين العمل المؤسساتي والحشد الشعبي.
تاريخيًا، لعبت حضرموت دورًا محوريًا في الحراك الجنوبي، وهو ما يمنح التحركات الحالية وزنًا إضافيًا، خاصة مع الحديث عن استعدادات للاحتشاد في عدن. هذه التحركات قد تعيد ربط ساحات الجنوب بعضها ببعض، ما يخلق موجة ضغط سياسية تتجاوز الإطار المحلي وتؤثر على مسار التفاهمات داخل مجلس القيادة الرئاسي.
في المحصلة، يبدو اجتماع المكلا محاولة لإعادة صياغة المشهد التنظيمي والسياسي للانتقالي في حضرموت، لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرهونًا بقدرة المجلس على تحويل الخطاب التعبوي إلى مكاسب سياسية ملموسة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة داخل الجنوب. فالمعادلة الحالية دقيقة؛ تصعيد محسوب قد يعزز الحضور الشعبي، أما التصعيد غير المنضبط فقد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التوتر في واحدة من أكثر المحافظات حساسية في الجنوب.